مشروع الموازنة العامة للدولة انحياز للأغنياء وتكريس لفلسفة الجباية
وافق البرلمان المصري يوم 17 يونيو2020م على مشروع قانون ربط الموازنة العامة للدولة للعام المالي (2020ــ2021) والذي يبدأ من يوليو المقبل حتى 30 يونيو 2021م. كما وافق على ربط مشروعات ربط موازنات الهيئات العامة الاقتصادية، وعددها 53 هيئة، وربط موازنة الهيئة القومية للإنتاج الحربي عن السنة المالية نفسها. ومن أهم الملاحظات على مشروع الموازنة الجديدة: أولا، موافقة البرلمان على مشروع ربط الموازنة الجديدة خالف دستور 2014؛ ذلك أن الموافقة جرت في حضور أقل من 50 نائباً بالمخالفة لنصاب التصويت القانوني. ثانيا، مشروع الموازنة نفسه الذي تقدمت به الحكومة خالف المواد أرقام 18 و19 و21 و23 من الدستور للعام الخامس على التوالي، وهي المواد المتعلقة بالتزام الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي لصالح قطاع الصحة، و4% للتعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم العالي، و1% للبحث العلمي.[[1]] ثالثا، يبلغ جملة استخدامات مشروع الموازنة العامة الجديدة التي توصف بالأكبر في تاريخ مصر بحسب وصف صحف وفضائيات النظام، نحو تريليوني جنيه و297 مليارا و497 مليونا. بزيادة قدرها “318” مليار جنيه و560 مليونا عن موازنة العام الماضي التي بلغت تريليون جنيه و978 مليارا و937 مليونا. وبلغت الإيرادات المتوقعة نحو تريليون و288 ملياراً و753 مليون جنيه، والمصروفات نحو تريليون و713 ملياراً و178 مليون جنيه، وبذلك يبلغ عجز الموازنة 424 ملياراً و425 مليون جنيه، بخلاف خدمة الدين العام عن القروض المحلية والأجنبية، والبالغة نحو 566 مليار جنيه. رابعا، الترويج الإعلامي لحجم الموازنة بأنه الأكبر في تاريخ البلاد لا يعكس الحقيقه؛ والغرض هو بيع الوهم للمواطنين، حيث كان يفترض أن تكون أكبر موازنة في حجم الإنفاق على الخدمات لا في حجم دفع أقساط الديون”. ووصف الموازنة بالأكبر في تاريخ هو أمر طبيعي؛ لأنه بعد التعويم فقد الجنيه نصف قيمته، فالزيادة في حجم الموازنة هو انعكاس طبيعي لانخفاض قيمة الجنيه، ومنذ عدة سنوات والموازنة هي أكبر موازنة نظرا لأعباء أقساط وفوائد القروض”. والدليل على ذلك أن مدفوعات الفوائد تمثل أكبر باب على جانب المصروفات منذ عام 2015 / 2016، وفق البيان المالي لوزارة المالية. وتبلغ قيمة إجمالي مخصصات أقساط القروض وفوائدها 1.12 تريليون جنيه، عبارة عن مخصصات سداد القروض 555,5 مليار جنيه، ومخصصات فوائد الدين فتقدر بنحو 556 مليار جنيه، أي 48.8 % من جملة المقدر من الاستخدامات بمشروع الموازنة. وارتفع حجم الدين الخارجي في سنوات ما بعد الانقلاب من نحو 43 مليار دولار في يونيو 2013م إلى 112.67 مليار دولار في نهاية ديسمبر2019م، بخلاف ما اقترضته الحكومة خلال الشهور الست الأولى من 2020م وأبرزها اقتراض 13 مليار دولار خلال شهر مايو الماضي فقط من صندوق النقد الدولي وسندات دولية. وارتفع الدين المحلي من 1.3 تريليون جنيه في يونيو2013م، إلى 4.355 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2019م، بخلاف ما اقترضته الحكومة خلال الشهور الست الأولى من عام 2020م، ليرتفع حجم الديون المحلية حاليا إلى أكثر من 4.5 تريليون جنيه على أقل تقدير. خامسا، أرقام الموازنة ومستهدفاتها بعيدة عن الواقع ولا تتحقق في الحساب الختامي للموازنة، ومن الصعوبة بمكان أن تحقق الحكومة أهدافها في ظل تفشي جائحة كورونا، وتضرر كل مصادر البلاد بالعملة الأجنبية، ومعظم بنود الإنفاق على الخدمات الأساسية تتراجع على الرغم من زيادتها رقميا بسبب زيادة التضخم. بخلاف «الإفراط في الإنفاق على الجهات السيادية في البلاد، مقارنة بتراجعها في أجور الموظفين، وهي تحابي بعض الجهات على حساب بقية المصريين دافعي الضرائب».[[2]] سادسا، تجاهلت النقاشات القليلة التي دارت حول مشروع الموازنة مصير الفوائض الضخمة المحققة في موازنة العام الحالي من تهاوي أسعار النفط في الأسواق الدولية، وهو ما خفض بشدة مخصصات الوقود والكهرباء، كما أنها مفتوحة حيث يتم تعديل بنود المصروفات والنفقات من وقت لآخر، فقد قدرت موازنة (2019/2020) سعر برميل النفط بنحو 68 دولارا بيما تهاوي سعر النفقط إلى أقل من 30 دولارا. وبدلا من توجيه هذه الفوائض لدعم القطاع الصحي لتعزيز قدراته على مواجهة تبعات تفشي جائحة كورونا أو حتى لقطاع التعليم فإن النظام فضل توجيه هذه الفوائض لزيادة مخصصات البرلمان لترتفع إلى “1.6” مليار جنيه بزيادة قدرها 55 مليون جنيه. بخلاف تخصيص نحو 550 مليون جنيه لموازنة مجلس الشيوخ الجديد وهو مجلس صوري بلا صلاحيات الهدف منه هو محاباة بعض الشخصيات والرموز والمؤسسات الداعمة للسلطة القائمة، سواء من الشرطة أو القضاء أو الإعلام. سابعا، خالفت الحكومة وعودها المستمرة بخفض الدين العام، وتخفيف الأعباء المالية الملقاة على الدولة، وتستهدف وزارة المالية في مشروع الموازنة اقتراض نحو تريليون جنيه عبر إصدارات الدين العام “قروض عبر طرح سندات وأذون خزانة” بنسبة 19.7% لتصل إلى 974.482 مليار جنيه، وهو ما يعني مواصلة الحكومة زيادة الاقتراض من البنوك المحلية وجذب مزيد من الأموال الأجنبية الساخنة التي هربت من البلاد منذ تفشي كورونا. ثامنا، مشروع الموازنة لا يزال ينحاز ضد الفقراء؛ حيث تتجه الحكومة مع استمرار تداعيات تفشي جائحة كورونا نحو إجراءات تقشفية تستهدف في المقام الأول الفئات الفقيرة والمهمشة ومحدودي الدخل بتخفيض الدعم وأقد أشار مسئولون بوزارة المالية إلى التوجه نحو المزيد من تخفيض الدعم المقدم إلى منظومتي الخبز والسلع التموينية في الموازنة الجديدة، والمخفض أساسا الي نحو 78.9 مليار جنيه بدلا من 89 مليار جنيه في الموازنة الحالية. ويأتي هذا الخفض رغم ضخامة عدد المستحقين لدعم المقررات التموينية والبالغ 63.5 مليون مواطن، وعدد مستحقي الخبز المدعم البالغ 70 مليون مواطن، وهذا يعني ببساطة أن هذا الدعم الذي ترمي الحكومة الي تخفيضه يخدم ثلثي المواطنين، ورغم أن 32% منهم يقبعون تحت خط الفقر طبقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، و27% منهم حول خط الفقر طبقا لبيانات البنك الدولي.ولم يكتف مشروع الموازنة بذلك، ولكن امتدت تخفيضات الدعم الي مجموعة أخري من البنود، ومنها تخفيض 47% من دعم المواد البترولية، كذلك خفض دعم الكهرباء إلى (صفر)، وهو ما يعني تحرير أسعار بيع الكهرباء للمواطنين، وكذلك دعم نقل الركاب. [[3]] تاسعا، في الوقت الذي تمارس فيه الحكومة التقتير على الفقراء في مشروع الموازنة، فإنها ورغم التدهور المالي الحاد وتراجع إيرادات الدولة إلا أنها تبسط يدها بسخاء بالغ لما تسمى بالمؤسسات السيادية، والتي تمثل الطبقات الأعلى دخلا في المجتمع حيث زاد بند “المصروفات الأخرى” الذي يشمل المخصص لميزانيات الدفاع والأمن القومي، ووزارة الخارجية، والجهاز المركزي للمحاسبات، ومجلس النواب”، في مشروع الموازنة الجديدة من 90 مليار جنيه إلى 105 مليارات جنيه، أي بما يقارب 15 مليار جنيه، وهذه الزيادة للعام الثاني على التوالي بنفس المبلغ. كما زادت الحكومة من مخصصات باب “قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة” الذي يشمل خدمات الشرطة، والسجون، والحماية ضد الحريق، والمحاكم، ووزارة الداخلية، ووزارة العدل، والمحكمة الدستورية العليا، والهيئات القضائية، ودار الإفتاء المصرية، وصندوق تطوير الأحوال المدنية، وصندوق أبنية المحاكم، وصندوق السجل…