إعلان حفتر التفويض بين المشروع الإماراتي لتقسيم ليبيا ومبادرة عقيلة صالح للحل السياسي الشعبي
بعدما بات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في موقف ميداني حرج، إثر خسارته الكثير من أوراق القوة بفشل مخططه للسيطرة على العاصمة طرابلس، الذي أطلقه قبل عام، بل تراجعه في كل الغرب الليبي ليصبح محاصراً في ترهونة وفي بعض أحياء جنوبي العاصمة، خرج باستعراض إعلامي مساء الاثنين الماضي، معلناً إسقاط الاتفاق السياسي الموقّع في الصخيرات المغربية عام 2015 وكل ما نتج عنه، والذي ينظم العملية السياسية في ليبيا، التي تشهد حربًا منذ 2014، معلنا توليه “إدارة البلاد” استجابة لما وصفه بـ”إرادة الليبيين“، الذي قال إنه قبل تفويضهم له، دون أن يوضح كيف تم ذلك. وسارعت حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تعترف بها الأمم المتحدة، للتنديد بما اعتبرته “انقلابا جديدا” على السلطة، ومنذ 2015 تتنازع الحكم في ليبيا سلطتان؛ حكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السرّاج ومقرها طرابلس في الغرب، وحكومة موازية يدعمها حفتر وبعض أعضاء البرلمان المنتخب في شرقي البلاد. من جهته، أعتبر وزير الداخلية في حكومة الوفاق “فتحي باشاغا” أن إعلان حفتر يؤكد ضرورة الاستمرار في محاربة “أرباب الاستبداد والدكتاتورية”، وقال في تغريدة على “تويتر” ليل الاثنين: “اليوم زالت وسقطت كل الأقنعة الزائفة التي يرددها ثلة من العسكر الذين لا يمتلكون إلا عقلية انقلابية متخلفة لا تؤمن بالديمقراطية، ولا يمكن أن تساهم إطلاقاً في بناء دولة مدنية متحضرة”. بينما قال مبعوت المجلس الرئاسي لدول المغرب العربي جمعة القماطي، عبر “تويتر” إن انقلاب حفتر على الاتفاق السياسي اعتراف ضمني بهزيمته في غرب ليبيا، حيث كان يحلم بقراءة هذا البيان من طرابلس. مواقف دولية روسيا، وهي من أبرز الداعمين لحفتر، والتي دفعت بمجموعات من مرتزقة “فاغنر” للقتال إلى جانب مليشياته، فشددت على لسان المتحدث بإسم الكرملين ديمتري بيسكوف على أن الطريق الوحيد لتحقيق السلام في ليبيا هو من خلال الاتصالات السياسية والدبلوماسية بين جميع الأطراف، وأضاف بيسكوف: “روسيا ما زالت على اتصال مع جميع المشاركين في العملية الليبية، نعتقد أنه لا توجد وسائل أخرى لحل المشكلة الليبية“. لكن ما لم يقله بيسكوف كشف عنه مسؤول في الخارجية الروسية، قال إن بلاده “فوجئت” بإعلان حفتر، ونقلت وكالة “ريا نوفوستي” الحكومية عن المسؤول الروسي الذي لم تكشف عن هويته، قوله: “هذا أمر مفاجئ فهناك قرارات قمة برلين، والأهم من ذلك قرار مجلس الأمن الدولي 2510، والتي ينبغي الالتزام بها من قبل الليبيين أنفسهم بمساعدة المجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة”. وأضاف “ندعو إلى استمرار الحوار الشامل بين الليبيين في إطار العملية السياسية ولا يوجد حل عسكري للصراع“. بينما حاول وزير الخارجية “سيرغي لافروف” تبرير موقف بلاده بالقول إن “روسيا ليس لها سلطان على حفتر في الموقف الحالي”، كما نقلت وكالة “إنترفاكس” عنه كما نقل عنه موقع “روسيا اليوم” عنه قوله إن روسيا لا ترحب بتصريحات حفتر بشأن الحكم الفردي. ومن جهتها، عبّرت السفارة الأميركية في ليبيا عن رفضها لإعلان حفتر توليه إدارة البلاد، واعتبرت في بيان على صفحتها الرسمية، أن إعلان حفتر يمس الهيكل السياسي في البلاد ولا يمكن تغييره بشكل أحادي، داعية حفتر وجميع الأطراف للدخول في حوار جاد حول كيفية حلحلة الأزمة وإحراز تقدّم في البلاد، وحثت حفتر على الإنضمام إلى حكومة الوفاق الوطني في إعلان وقف فوري للأعمال العدائية لدواعٍ إنسانية. أما البعثة الأممية في ليبيا، فتجاهلت إعلان حفتر إسقاط الاتفاق السياسي، معربة عن ترحيبها بالمبادرة التي أطلقها عقيلة صالح لحل أزمة البلاد سياسياً، واعتبرت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالوكالة “ستيفاني ويليامز” أن مبادرة صالح “إشارة إيجابية” مؤكدة أنها تواصلت هاتفياً معه لبحث آخر التطورات “والجهود المستمرة لإيقاف الحرب وإيجاد حل سياسي للأزمة الليبية” وقالت ويليامز، في تغريدة على “تويتر”، إن حديثها مع صالح “تطرق للمبادرة التي قدمها أخيراً”، مبدية ترحيبها بأي مبادرة تهدف لإنهاء حالة الاقتتال والانقسام والعودة إلى الحوار السياسي في إطار مخرجات مؤتمر برلين. كما أعربت مفوضية الاتحاد الأوروبي عن رفضها لإعلان حفتر، وقال المتحدث الرسمي باسم المفوضية للشؤون الخارجية، بيتر ستانو: “نكرر دعوتنا لجميع الأطراف بالتوقف عن الصراع والانخراط في العملية السياسية” وتابع: “وفي ما يخص الإعلان الأخير لحفتر، أقول إن أي حل من خلال طرق أخرى، ومن ضمنها طريق القوة، لن يجلب الاستقرار للبلاد، وهذا غير مقبول” وأضاف: “نحن نشجع جميع الأطراف على العودة للحوار بأسرع طريقة بناء على نتائج مؤتمر برلين، وندعو باستمرار جميع اللاعبين المؤثرين للانخراط في العملية السياسية، لأن هذا ما تحتاج إليه البلاد“. دوافع لجوء حفتر للإعلان تتعدد الدوافع الكامنة وراء إعلان حفتر الاستعراضي، ومنها: 1-التغطية على الخسائر العسكرية لقواته بالغرب: فخلال الأسابيع الأخيرة، تكبد حفتر خسائر كبيرة في المنطقة الغربية أمام القوات الموالية لحكومة الوفاق، التي سيطرت على مناطق كثيرة كانت تحت إمرة حفتر، فجنوبا تحاصر قوات الحكومة قاعدة الوطية التي كان ينطلق منها طيران حفتر، خصوصا الطيران الإماراتي المسير لتنفيذ هجماته، وأيضا تقوم قوات حكومة الوفاق بمحاصرة مدينة ترهونة في الجنوب الشرقي لطرابلس، وهي مدينة استراتيجية فيها كل إمدادات الأسلحة والتموين وقوات المرتزقة، وينطلق منها القصف على مدينة طرابلس. فيما يحاول حفتر فاشلا في كسر الحصار بإطلاق صواريخ وقذائف عشوائية على أحياء مدنية كوسيلة للضغط على حكومة الوفاق وقواتها، حيث أعلنت عملية “بركان الغضب” التابعة للحكومة، عن استهداف مليشيات حفتر للأحياء السكنية في مدينة مسلاته (113 كيلومتراً شرق طرابلس)، بأكثر من 65 صاروخ “غراد” فجر الثلاثاء الماضي، كما أعلنت قوات حكومة الوفاق، صد هجوم لمليشيات حفتر على منطقة أبو قرين شرق العاصمة، وتدمير مدرعتين وشاحنة تحمل منصة صواريخ “غراد” وتحييد من بداخلها. ومؤخرا بدأت مؤشرات تراجع مليشيات حفتر تظهر في الأفق منذ نهاية العام الماضي (2019)، كانت الضربات الجوية لسلاح الطيران المؤيد له عاملا مهما لتقدم مليشياته في مناطق مختلفة في ليبيا، فقد ساعده الطيران المصري والإماراتي واستخدام الطائرات المسيّرة على الانتصار خلال معارك بنغازي (2014-2017) ومعارك درنة (2018)، ومع محاولة تمدّد مليشياته نحو العاصمة، ظل سلاح الجو اللاعب الرئيسي الذي استفاد منه خليفة حفتر في ظل القصف المستمر على طرابلس، واستهداف مطار معيتيقة ومطار الكلية الجوية في مصراتة، وما زاد في التفوق الجوي لمليشيات حفتر تزويد الإمارات لها بمنظومات الدفاع الجوي “بانتسر”، ودخول مرتزقة “فاغنر” الروس ميدان المعركة بخبراتهم العسكرية والميدانية، خصوصا التحكّم في الطائرات المسيّرة بداية من سبتمبر 2019، غير أن بداية انقلاب الصورة وتغيّر المشهد، تم مع حصول قوات حكومة الوفاق على منظومات دفاع جوي متطورة، وتنصيبها في كل من مصراتة وطرابلس، بداية من شهر نوفمبر 2019، وتمكّنت هذه المضادات من إسقاط طائرة ميغ 23 يوم 7 ديسمبر 2019، وفي 28 يناير 2020 أعلنت قوات “الوفاق” تمكّنها من إسقاط طائرة مسيّرة شرق مصراتة، ولتصبح أجواء المدينة محرّمة على طائرات حفتر العسكرية. وفي المقابل، بدأ سلاح الجو التابع لقوات حكومة الوفاق…