مطلب الحكومة السودانية ببعثة أممية خاصة بين الدوافع والانتقادات
أرسل رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى الأمم المتحدة، خطابًا، يطلب فيه إنشاء بعثة أممية لدعم السلام، بموجب الفصل السادس من ميثاق المنظمة الدولية، على أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان. وقد أثار هذا الخطاب العديد من الانتقادات والتساؤلات حول دوافعه، خاصة وأنه يأتي بعد أيام قليلة من لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي بأوغندا، وهو اللقاء الذي لم تهدأ الانتقادات له بعد، كما لم تتوقف التساؤلات حول دوافعه ونتائجه. طلب حمدوك بين الدعم والرفض: قام رئيس الحكومة السودانية عبدالله حمدوك بإرسال خطاب إلى الأمين العام للأمم المتحدة نهاية يناير 2020، جاء فيه “يطلب السودان من الأمم المتحدة أن تسعى إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس في أقرب وقت ممكن، في شكل بعثة سياسية خاصة، تضم عنصرًا قويًّا لبناء السلام، وينبغي أن تشمل ولاية البعثة المرتقبة كامل أراضي السودان”[1]. وأوضح البراق النذير الوراق السكرتير الصحفي لرئيس الوزراء السوداني، أن “الطلب يأتي في أعقاب النقاشات التي تدور في أروقة الأمم المتحدة خلال هذا الشهر (فبراير) حول ترتيبات ما بعد بعثة اليوناميد، على أن يكون وجود الأمم المتحدة في السودان، متكاملا ومتوائمًا من الناحية الإستراتيجية، وتحت قيادة واحدة”. و”يوناميد” التي تنتشر في دارفور منذ مطلع 2008، تعد ثاني أكبر بعثة حفظ سلام أممية؛ إذ تجاوز عدد أفرادها 20 ألفًا من قوات الأمن والموظفين، قبل أن يتبنى مجلس الأمن، في 30 يونيو 2017، خطة تدريجية لتقليص عددها. وفي 31 أكتوبر 2019، اعتمد مجلس الأمن قرارًا بتمديد ولاية البعثة عامًا إضافيًّا. ومنذ 2005، يخضع السودان للفصل السابع وفق قرارات مجلس الأمن، الذي يجيز استخدام القوة العسكرية والعقوبات السياسية والاقتصادية ضد البلد المعني، أو أي أفراد يهددون الأمن والسلم، فيما يمنح الفصل السادس الذي تطالب الحكومة السودانية به، إمكانية تكوين بعثة أممية خاصة لدعم السلام، تشمل ولايتها كامل أراضي البلاد، دون أن تشمل قوات عسكرية[2]. وقد انقسمت المواقف حول طلب حمدوك ما بين مؤيد ومعارض، وقد تمثلت أبرز الانتقادات التى وجهت لهذا المطلب في[3]: 1- حالة التعتيم الذي رافق الخطاب، فحمدوك بعث بالخطاب في 26 يناير 2020، لكن لم يكشف عنه للرأي العام إلا بعد مرور 15 يومًا. 2- عدم استشارة المكونات السياسية في البلاد أو الخبراء المختصين بشأن جدوى الخطوة وتداعياتها السياسية والأمنية، ولا يعرف حتى اللحظة إذا ما كان مجلس الوزراء قد ناقش الطلب ووافق عليه، أو هو مجرد قرار فردي من رئيس الوزراء. 3- أن ذلك يعتبر نوعًا من الاستعمار الجديد، وتعليقًا لسيادة السودان، ويضعها تحت الوصاية الدولية، ويسلم مقاليد شأن السودان الدستوري لمجلس الأمن؛ لأن الطلب يعطي مجلس الأمن صلاحيات المحكمة الدستورية، ويجعله قيمًا على سلامة إنفاذ الوثيقة الدستورية، ويضع مؤسسات السلطة الانتقالية تحت قيادة البعثة الأممية المقترحة. فضلا عن أن مجلس الأمن سيمكن البعثة الأممية من التدخل في كافة الأجهزة الأمنية في السودان كله، سواء كانت الشرطة أو الجيش، من حيث تركيبها أو مهامها، كما أن تلك البعثة قد تضم عناصر استخباراتية، يدخلون السودان بأجهزة متطورة لا يمكن السيطرة عليها. 4- تبرير الاستعانة بالبعثة لتحقيق السلام هو أمر في غير محله، فالأمم المتحدة لم تنجح في تحقيق السلام في دارفور؛ حيث فشلت في حماية نفسها من الهجمات، واعتمدت على الجيش السوداني في ذلك، وعجزت عن حماية المدنيين في أبيي، هذا دون إغفال فشلها في دول مثل العراق وفلسطين وليبيا وأفغانستان وسورية. فضلا عن أن البعثات الأممية غالبًا ما تنحاز للحركات المسلحة أو المجموعات التي تدعي التهميش، وعليه كان يمكن الاكتفاء بالاستعانة بوكالات الأمم المتحدة بشأن النازحين واللاجئين. 5- أن حكومة حمدوك هي حكومة انتقالية، لا يحق لها اتخاذ مثل تلك القرارات المصيرية التي تقتصر على الحكومات المنتخبة، فضلا عن أن مثل هذا القرار قد يتسبب في إثارة الخلاف بين المكون العسكري والمدني في السلطة الانتقالية، خاصة إذا كان هذا القرار من قبل حمدوك جاء بدون التشاور مع وزيري الدفاع والداخلية؛ لأن هذا القرار يعني أن هناك انهيارًا في الجيش والشرطة، وحاجتهما لإعادة التشكيل والتدريب والإشراف الدولي. 6- أن هذا الطلب لا يتم إلا إذا كانت البلاد في حالة حرب، أو أن يكون هناك انهيار لمؤسساتها، بينما السودان لا تزال متماسكة، ولها جيش وشرطة وجهاز أمن، ولها مؤسسات قضائية وتنفيذية. بينما تمثلت أبرز المبررات التي قدمها المؤيدون لتلك الخطوة، والتي قدمها بالأساس السفير عمر صديق مندوب السودان الدائم في الأمم المتحدة، في[4]: 1- أن هذه الخطوة هي جزء من عملية السلام التي تقودها الحكومة الحالية، والتي تقوم بمحادثات سلام حاليًّا في جوبا مع الأطراف المسلحة. وأنه يحق للسودان طلب مساعدة المجتمع الدولي في ذلك الأمر؛ باعتبارها دولة عضوًا في الأمم المتحدة، مثلها مثل كل دول العالم، وميثاقها يحتم عليها دعم الدول الأعضاء، خاصة تلك الخارجة من النزاعات. ويوضح الخطاب الذي أرسله حمدوك احتياجات السودان لجعل السلام مستدامًا بدعم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، خاصة وأن تلك الاحتياجات تفوق إمكانات السودان المالية والفنية، وتتمثل تلك الاحتياجات في: أولا: بعد السلام سيعود اللاجئون والنازحون إلي ديارهم، وأعدادهم تصل إلى ما يربو على ثلاثة ملايين. فهل بإمكان الوضع الاقتصادي الحالي معالجة إعادة توطين هؤلاء، وتوفير أسباب الحياة الكريمة لهم، أم أن يتم ذلك بمساعدة من المجتمع الدولي؟ ثانيًا: أن المحاربين في الحركات المسلحة يقارب عددهم المليون .. هذا العدد في حاجة إلى معالجة أوضاعهم؛ إما بالإدماج في القوات النظامية، أو إخضاعهم لما يسمى بـال DDR، وهو برنامج التسريح ونزع السلاح والإدماج في الحياة المدنية، عبر تدريبهم لقيادة حياة مدنية مقنعة ومريحة لهم؛ حتى لا يعودوا لحمل السلاح مجددًا. وهذا برنامج فني معقد ومكلف ماليًّا، ولدى الأمم المتحدة الخبرات، ولديها الاستطاعة في جلب الموارد المالية من الدول ومؤسسات التمويل الدولية. ثالثًا: مناطق النزاع -مثل دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وشرق السودان- بها العديد من حقول الألغام، ينبغي نزعها، وهذه عملية مكلفة وتحتاج لجهد فني. ولا يتعدى ثمن اللغم الواحد الخمسة دولارات، أما تكلفة نزع اللغم الواحد فتتعدى الخمسمائة دولار، هذا خلاف خطورة العملية. 2- أن الوجود الأممي الحالي في السودان -سواء في دارفور أو في أبيي- هو قوات حفظ سلام وفقًا للفصل السابع من الميثاق، وهو ما يبيح استخدام القوة؛ باعتبار أن الحالة تشكل تهديدًا للأمن والسلم الدوليين. بينما ما طلبه رئيس الوزراء هو بعثة سياسية خاصة، وفقا للبند السادس من الميثاق، وهذا معمول به؛ تمهيدًا لإنهاء بعثات حفظ السلام، وهو مطبق في كل الدول التي خرجت من نزاعات مثل كولومبيا وسيراليون وساحل العاج وليبيريا، وغيرها على سبيل المثال. 3- بحكم تشكيل البعثة السياسية الخاصة لن يكون المكون العسكري…