إدلب تواجه مصيرها.. تقدير موقف للهجوم الروسي السوري
التاريخ: 8 فبراير 2020 لطالما تمتعت إدلب بمكانة خاصة في قلوب أبناء الربيع العربي عامة، والسوريين تحديدًا، ومن ينسى لتلك المحافظة تجديدها دماء الثورة، عندما خرجت عن سيطرة النظام بصورة كاملة في عام 2015؛ حيث كانت الثورة المضادة في عزها، ثم لم تغلق بابها أمام الثوار المهجرين من بلدانهم بعد تهديد النظام وروسيا بحرقها إذا لم يتركوها، فلطالما كانت إدلب هي الملاذ لهم، هذا على المستوى “النوستولوجي[1]” التاريخي. أما المستوى السياسي والقومي والإستراتيجي، فليس من الغريب أن تكون إدلب هي المعركة التي لطالما أخرها المتحاربون؛ لخشيتهم من زلزالها وتداعياتها من جهة، ولأهميتها من جهة أخرى. وعلى الصعيد الإنساني فإن وجود خزان بشري هائل في إدلب ينذر بكارثة إنسانية قد تحدث في حالة عدم حدوث توافقات بين الضامنين الدوليين والإقليميين؛ حيث نشر مكتب التنسيق والدعم التابع لفريق منسقي الاستجابة إحصائية عامة لتعداد السكان الأصليين والمهجرين في عموم محافظة إدلب، وبلغت الإحصاءات العامة للسكان في محافظة إدلب 3.695 مليون نسمة، وبلغ عدد المهجرين وحدهم من مختلف المناطق في سوريا إلى محافظة إدلب 1.2 مليون نسمة، وزاد عدد السكان في المحافظة عن سابقه بعد الحملة التي تعرضت لها مناطق أرياف حماة الشمالية والشرقية؛ حيث بلغ عدد النازحين الوافدين إلى إدلب وقتها 250 ألف نسمة، ليقارب بذلك عدد سكان المحافظة 4 ملايين نسمة. مؤخرًا، شهدت المدينة حملة عسكرية لم تشهدها مناطق الشمال السوري من قبل، وسط تحليق وقصف مكثف من سلاح الجو الروسي، وهجوم بري واسع من قوات النظام والميليشيات الإيرانية. بدأت الحملة مع بداية الشهر الثامن من العام الفائت (2019)، ومستمرة حتى تاريخ اليوم، خسرت المعارضة خلالها معظم مواقعها في ريفي إدلب الشمالي والشرقي، وأبرز تلك المواقع كانت قرى وبلدات خان شيخون وجرجناز ومعرة النعمان، وقد سببت الحملة الأخيرة دمارًا هائلا، وأفرغت جميع المناطق من أهلها جراء آلة القصف العنيفة، وأحدثت كارثة كبيرة إثر حركة النزوح المتواصلة باتجاه باقي مناطق الداخل المحرر. منذ اشتداد وتيرة القصف والعمليات العسكرية من ديسمبر نهاية العام الماضي (2019)، وبحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان وفريق منسقي الاستجابة، بلغت أعداد النازحين نحو 800 ألف نازح، وتعتبر حركة النزوح هذه الأضخم والأكثر مأساوية خلال 9 سنوات من عمر الحرب في سوريا، في ظل سيطرة الأسد وحلفائه على أكثر من 113 منطقة في أرياف إدلب الجنوبية والشرقية وريفي حلب الغربي والجنوبي. آلاف العائلات تركت القرى والمدن هربًا من أسلحة القصف والدمار، وخوفًا من سيطرة النظام الأسدي وحلفائه على المناطق، تاركين وراءهم أملاكهم وأرزاقهم، وكل أشيائهم إلى ما لا يعلمون[2]. ناهيك على الأهمية التي تمثلها منطقة إدلب لهم، فأنقرة تخشى من عودة الأكراد إلى الشمال السوري، وبالتالي تهديد أمنها القومي، وعودة الحلم بتأسيس دولة كردستان، ونظام بشار يخشى من وجود بقعة إستراتيجية خارج نطاق سيطرته. قوات النظام السوري تتقدم أكثر في عمق إدلب، ضمن تكتيك القضم التدريجي، تحت غطاء جوي روسي لا يترك ريبة لمستريب في أنّ موسكو ليس فقط موافقة على هذه العمليات العسكرية؛ بل يستحيل ألا تكون هي صاحبة الضوء الأخضر في إطلاقها. وهذا تقدّم لا يخلو من مجازفة أولى، هي الاصطدام العسكري مع أنقرة عبر نقاط المراقبة التي يديرها الجيش التركي؛ ومجازفة ثانية، سياسية هذه المرّة، هي الإضرار بتفاهمات أستانة وسوشي بين تركيا وروسيا. أنقرة ليست قليلة الحيلة: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يدرك جيدًا أنّ الذهاب أبعد مما ينبغي، في تجاوز حدود اللعبة ليس البتة في صالح موسكو سياسيًّا، كما أنه عسكريًّا نقطة ضعف فادحة في جانب النظام السوري كما أثبتت التجارب السابقة؛ ليس ضمن احتمالات أية مواجهة عسكرية بين جيش النظام والجيش التركي فقط، بل كذلك إذا شاءت أنقرة رفع وتيرة التسليح، كمًّا وكيفًا، لدى كتائب ما يُسمّى بـ ”الجيش الوطني السوري” الملحق بوزارة الدفاع التركية، أو حتى منح الجولاني “غمزة” من نوع ما يقرأها كترخيص بالتصعيد[3]. كما أن عودة واشنطن للمشهد مؤخرًا وتصريحها بأن أنقرة عضو في حلف الناتو، وأنها ترفض أي إضرار بها، قد يكون ورقة جديدة لأردوغان لمزيد من الضغط على روسيا. لكن يبدو أن النظام السوري لم يكتفِ بما حققه بعد السيطرة على مدينة معرة النعمان، وقصفه المستمر على أحياء إدلب وريف حلب، وأنه ينوي السيطرة على مدينة سراقب؛ لكي تسهل من عملية الهجوم على إدلب والقضاء على المعارضة تمامًا. لم تقف تركيا موقف المتفرج، وهي تشاهد التهديد يتزايد على مناطق نفوذها في شرق الفرات ومنطقة غصن الزيتون، خاصة أن هزيمة المعارضة في إدلب ستؤدي إلى خسارة أنقرة أوراقها في التفاوض؛ ولذلك بدأت أنقرة الرد على هجوم النظام جويًّا وبريًا، بتأسيس تسع نقاط مراقبة جديدة لحماية سراقب، وحفر الخنادق والاستعداد للمعركة، كما صرح بذلك أردوغان[4]. وانتشر تصريح لوزارة الدفاع التركية، أكدت فيه أنها سترد دون أي تردد على أي محاولة من النظام السوري بتهديد نقاط المراقبة التابعة لها في محافظة إدلب[5]. ومن الجهة الأخرى، يحاول النظام السيطرة على سراقب، التي تعد عقدة مواصلات بين دمشق وحلب من جهة، وبين حلب واللاذقية من جهة أخرى، كما أنها تتحكم بطرق مهمة عدة، كما تعتبر سراقب منطقة مهمة جدًّا وإستراتيجية، فهي صلة الوصل بين جنوب حلب وريف إدلب، وبوابة مدينة إدلب الشرقية. ولذلك شن النظام السوري هجومًا على القرى الشرقية والجنوبية التابعة لناحية سراقب. وانقسمت القوات المهاجمة إلى محورين؛ محور انطلق من معردبسة باتجاه تل مرديخ وداديخ وجوباس؛ بهدف تطويق سراقب من الجهة الغربية، وهو ما حصل فعلا، ومنها استمر النظام بالتقدم إلى قريتي الترنبة وسان. ومع نشر القوات التركية نقطة مراقبة قرب الترنبة في مزرعة “حميشو” على طريق (حلب – اللاذقية) “إم 4″، وسعت قوات النظام هجومها غربًا لتطويق النقطة التركية ومنع استمرار التقدم التركي باتجاه أريحا غربًا، وسيطرت على أجزاء واسعة من النيرب، ووصلت إلى حدود قميناس، وسيطرت على معسكر الشبيبة[6]. ووسعت قوات النظام والميليشيات المساندة لها، محيط سيطرتها شمال وغرب نقطة المراقبة في تل الطوقان وسيطرت على كامل طريق (أبو ظهور – سراقب) بعد تقدمها في رأس العين وسليمين والرصافة. هذا التطويق جعل سراقب قاب قوسين من الحصار، فعمليًّا أصبحت شبه محاصرة، وتمكنت قوات النظام من رصد طريق (حلب – دمشق)؛ بسبب تمركزها في مزارع الدوير والقعلولة، واستحالة الانسحاب من طريق (حلب – دمشق) القديم الذي يصل بين سراقب وبلدة تفتناز. ولم يبق أمام مقاتلي وثوار المدينة ومن معهم سوى الانسحاب باتجاه نقطة المراقبة التركية الجديدة في معمل الأدوية (شمال سراقب)، ومنها غربًا إلى بلدة آفس، فيما سلك آخرون الطريق الزراعي باتجاه الشمال أيضًا. لذلك فأهميتها للمعارضة مصيرية، وللنظام إستراتيجية، ومن هنا فإن استعداد الجميع للدفاع عنها قد ينذر بكارثة. ولكنه لا يلغي احتمالية حدوث تفاهمات جديدة بين روسيا وتركيا، والنظر إلى السيناريوهات السابقة التي حصلت وبطريقة مشابهة لمدينة سراقب، كما…