تصاعد الأزمة في إثيوبيا ومصير آبي أحمد
أقدم آبي أحمد قبل عام كامل على خوض حرب شاملة ضد حكومة إقليم التيجراي في ظل تحولات دولية وإقليمية مهمة ومرتقبة عشية الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جاءت بالرئيس الحالي جو بايدن؛ فُسِّر الأمر وقتها على أنه قراءة خاطئة لمخاوف الإدارة الأمريكية من التصعيد الإقليمي في قضايا مختلفة كان أبرزها ملف سد النهضة، وحسابات مرتبكة قائمة على عدة تصورات، ثبت هشاشتها لاحقًا، مثل الصلة الوطيدة بنظام الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الذي ناصب جبهة تحرير التيجراي عداءً تاريخيًا طوال أربعة عقود على الأقل، وتحمل إثيوبيا، بالغة الضعف سياسيًا اقتصاديًا في واقع الأمر، عواقب حرب أهلية، وقدرة نظام آبي أحمد على مقايضة مكانة إثيوبيا التقليدية بقدرتها على خلخلة النظام الإقليمي بالكامل في البحر الأحمر والقرن الإفريقي والاحتفاظ بشبكة معقدة ومتناقضة للغاية من العلاقات الدولية مع الصين وفرنسا وتركيا وروسيا عوضًا عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أهم شركاء إثيوبيا في مجالات شتى لاسيما الأمنية والاستراتيجية. فإلى أين وصلت الأزمة؟ وما هي تداعياتها على الداخل والخارج؟ وكيف يُمكن رسم سيناريوهات المستقبل؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها.. المشهد الراهن: استطاعت قوات دفاع تيجراي منذ استعادة السيطرة على الإقليم بعد طرد القوات الفيدرالية خارجه تغيير موازين القوة على الأرض؛ حيث تحوَّلت استراتيجيتها العسكرية من الدفاع إلى الهجوم، وتوسيع دائرة الصراع إلى مناطق استراتيجية أخرى من خلال فتح ثلاث جبهات للقتال ضد القوات الحكومية بهدف إضعافها، والتي تمثَّلت في إقليمي أمهرا وعفر، والمثلث الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا والسودان في شمال غرب البلاد. وقد ارتبطت هذه الاستراتيجية بعامل آخر حاسم للصراع تستغلَّه جبهة تحرير تيجراي لحسمه لصالحها، وهو السيطرة على معظم الطرق الرئيسية التي تربط بين أديس أبابا والعالم الخارجي خاصةً في إقليمي عفر وتيجراي بهدف تضييق الخناق على نظام آبي أحمد، ومحاولة توريطه في العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية؛ لتأليب الرأي العام الإثيوبي ضده. ويشهد الصراع الإثيوبي مرحلةً جديدةً تُضْفِي المزيد من التأزم على المشهد الأمني في البلاد، وتبدو في منظور العديد من المتابعين أنها مرحلة الحسم؛ حيث تعرَّضت بعض المناطق في إقليم تيجراي في أكتوبر الماضي لعدة ضربات جوية حكومية في محاولة لتخفيف الضغط على القوات الإثيوبية في جبهات القتال، خاصةً بعد تحقيق قوات دفاع تيجراي عدة مكاسب استراتيجية مهمة خلال الأيام القليلة الماضية؛ حيث استطاعت التوغُّل في إقليم أمهرا، والسيطرة على العديد من المدن الرئيسية مثل ديسي وكومبولشا الاستراتيجيتين في جنوب الإقليم، والتوجه شرقًا حتى باتت على بُعْد عشرات الكيلومترات من العاصمة أديس أبابا؛ الأمر الذي يثير المخاوف لدى الحكومة الفيدرالية وحلفائها من احتمالية الإطاحة بالنظام الحاكم وسيطرة تيجراي مرة أخرى على الحكم. في المقابل، اتسم موقف رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، بالارتباك في ضوء التفوق العسكري لجبهة تحرير تيجراي في مناطق الصراع؛ حيث أعلن حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد، ودعا جموع الشعب الإثيوبي إلى حمل السلاح، والمشاركة في القتال، وهي دعوة متكررة للحشد والتعبئة العامَّة لم تحقق أهدافها خلال المراحل السابقة من الصراع؛ بسبب ضعف القدرات القتالية والعسكرية للمدنيين في إحداث تحول جذري في مسار الصراع الدائر في البلاد. كما تعكس فشل القوات الإثيوبية في حسم الصراع وهزيمة قوات دفاع تيجراي، بالرغم من تورط القوات الخاصة التابعة لبعض الأقاليم الإثيوبية في الصراع للقتال إلى جانب القوات الحكومية.[1] عزلة نظام آبي أحمد: مع مرور عام على “حملة حفظ القانون والنظام” في إقليم التيجراي وتمكُّن قوات الأخير من الاستيلاء على مدينتي ديسي وكومبولشا الواقعتان على طريق رئيس إلى العاصمة أديس أبابا، تزايدت عزلة نظام آبي أحمد الإقليمية والدولية بشكلٍ واضح، ولم تجدِ سياسة احتواء تناقضات وصراعات القوى الدولية الفاعلة في إقليم القرن الإفريقي نفعًا في نجدة النظام الذي يتوقع محللون أنه في أيامه، أو ساعاته، الأخيرة. واتضح هذا الفشل الإثيوبي في تعليق فرنسا في أغسطس الماضي اتفاق تعاونها العسكري مع أديس أبابا، وتراجُع تركيا عن تعميق صلاتها مع إثيوبيا في أكتوبر بعد تقارير عن زيارة مُرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الشهر نفسه، ووسط انتقادات أمريكية لوحظت منذ مطلع العام الجاري وتصاعدت رسميًا نهاية أكتوبر حسب وزارة الخزانة الأمريكية لما اعتبرته تعاونًا إيرانيًا- إثيوبيًا لتزويد نظام آبي أحمد بمسيرات “درونز” يمكن أن تُستخدم في الحرب على إقليم التيجراي. وإزاء هذه العزلة المُستحكمة لجأ آبي أحمد إلى إعلان حالة الطوارئ العامة (2 نوفمبر) في أرجاء البلاد، ومتبنيًّا لاحقًا خطابًا شعبويًا ومضطربًا للغاية بدعوته مواطنيه حمل السلاح لمواجهة قوات جبهة تحرير التيجراي (المتحالفة مع قوات جبهة تحرير الأورومو وحقَّقتا معًا انتصارات كبيرة ضد القوات الفيدرالية في الأسابيع الأخيرة). كما جاء الإعلان بعد أن لفت في 1 نوفمبر إلى مشاركة جنسيات بيضاء وسوداء من غير الأصول الإثيوبية في الحرب، ساهموا في تضحيات مع الجماعة الإرهابية (جبهة تحرير التيجراي).[2] تأثيرات الوضع الراهن على إثيوبيا ودول الجوار: بالنسبة لإثيوبيا؛ تتعدد المخاطر المحتملة المترتبة على استمرار الصراع الداخلي في البلاد، ففي حالة نجاح جبهة تحرير تيجراي في السيطرة على العاصمة أديس أبابا، قد تنزلق البلاد إلى حرب أهلية شاملة، نتيجة الإطاحة بحكومة آبي أحمد التي ستقاوم إلى جانب معظم الأقاليم الإثيوبية سيطرة تيجراي على السلطة مرة أخرى. وما يصاحب ذلك من تنامي احتمالات تفكك الدولة الإثيوبية إلى دويلات صغيرة. في ذات الوقت، يعني استمرار الصراع دون حسم استنزافًا لمقدرات الدولة الإثيوبية وتفاقم حالة الاستقطاب والانقسام الداخلي بين الأطراف السياسية في البلاد؛ الأمر الذي يُلْقِي بظلاله على تدهور الاقتصاد الإثيوبي والمزيد من التفكك المجتمعي وتفاقم الاضطرابات السياسية والأمنية والعرقية. ونتيجة لتفاقم التداعيات الاقتصادية للحرب، اتخذ البنك المركزي الإثيوبي في 12 أغسطس 2021، خطوة استباقية أولية، بتجميد جميع التعاملات في ما يتعلق بالقروض والتحويلات، بالإضافة إلى وقف جميع عمليات الاستيراد المباشر من الخارج، بعد ارتفاع سعر الدولار الموازي من 52 بر إلى 75 بر، الذي أعقب إعلان الحكومة التعبئة العامة للقتال ضد جبهة تحرير تيجراي. تأتي هذه الإجراءات على خلفية أوضاع اقتصادية صعبة تعاني منها إثيوبيا منذ شهور في ظل ارتفاع أسعار الموادّ الغذائية، مما اضطر أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى النزوح الداخلي خوفًا من شبح مجاعة، كما اضطُرت الحكومة الإثيوبية عبر سفاراتها في الخارج إلى مطالبة جميع الإثيوبيين بدفع تبرعات مالية إجبارية، وسط ضغوط كبيرة تتعرض لها أديس أبابا. أما بالنسبة لدول الجوار؛ فقد بات واضحًا أن تصميم الحكومة الإثيوبية على تنحية الأدوات السلمية جانبًا ومحاولة حسم الحرب في إقليم تيجراي بالوسائل العسكرية، سيقود المنطقة إلى تداعيات وخيمة، تتجاوز مسألة نزوح اللاجئين التقليدية، وقد تصل إلى حد التدخل المباشر، بحكم التشابكات العرقية والسياسية والأمنية في المنطقة. وحذَّرت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي أخيرًا من احتمال امتداد القتال إلى مناطق أخرى في إثيوبيا، وزعزعة استقرار منطقة القرن الإفريقي برمتها، وهي إشارة تنطوي على دلالة بالغة بأن الحرب يُمكن أن…