التعاون الفرنسي المصري وتداعياته المسمومة في ضوء تحقيقات “ديسكلوز”
أبرز ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع «ديسلكوز» الفرنسي يوم 21 نوفمبر 2021م، حول العلاقات الاستخبارية الخفية بين الحكومة الفرنسية ونظام الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي اغتصب حكم مصر بانقلاب عسكري في يوليو 2013م بعدما أطاح بالنظام الديمقراطي المنتخب؛ هو التأكيد على الوجود العسكري الفرنسي على الأراضي المصرية تحت لافتة التعاون العسكري والمخابراتي في الحرب على الإرهاب. حيث كشف الموقع تفاصيل بالغة السرية بعدما حصل على وثائق رسمية (سري للغاية) تخص الجيش الفرنسي، حول عملية استخبارية فرنسية مصرية، بدعوى استهداف الإرهابيين في الصحراء الغربية على الحدود مع ليبيا، تحمل اسم “عملية سيرلي” (Mission Siri). واستنادا إلى هذه الوثائق العسكرية الفرنسية، أشار الموقع الذي غالبا ما ينشر معلومات تُحرج الجيش الفرنسي إلى أن “قوات فرنسية لا تزال منتشرة في الصحراء الغربية وموجودة تحديدا بمدينة مرسى مطروح شمال غربي مصر. التحقيق الذي أطلق عليه “تسجيلات الرعب”، نشر تفاصيل بداية وجود القوات الفرنسية في مصر بحجة محاربة الإرهاب، لكنها تورطت مع السيسي في جرائم ضد الإنسانية. وبدأ التقرير بعبارة: “أرسل إلينا مصدر، مئات من وثائق الدفاع السري التي تكشف تورط فرنسا في جرائم الديكتاتورية المصرية”. وأظهرت الوثائق الاستخبارية الفرنسية أن بداية الوجود العسكري الفرنسي في مصر ترجع إلى 13 فبراير/شباط 2016، حين وصلت قافلة تحمل فريقا فرنسيا إلى ثكنة عسكرية مصرية بمدينة مرسى مطروح. كان ذلك الفريق يضم عشرة ضباط سابقين للجيش الفرنسي، ستة منهم يعملون لصالح متعهدين أمنيين، مجهزين بطائرة استطلاع خفيفة “ميرلين3″، استأجرتها وزارة الدفاع الفرنسية بكلفة 1.45 مليون يورو لكل خمسة أشهر من الخدمة. وكان هدف العملية السرية، التي سُميت “سيرلي”، تأمين 1200 كيلومتر من الشريط الحدودي الليبي-المصري من اختراقات “الإرهابيين”، وتغطية نحو 700 ألف كيلومتر مربَّع بطلعات جوية استطلاعية لرصد تحركات “الجماعات الإرهابية” المحتمَلة. من جهة ثانية، فإن الوجود العسكري الفرنسي في مصر يفتح الباب أمام أسباب ودوافع هذا التواجد الفرنسي لا سيما على الحدود مع ليبيا رغم أن معظم ما يتعلق بالحرب على ما يسمى بالإرهاب يوجد في سيناء وليس مرسى مطروح؛ ولإدراك أبعاد هذه الوجود الفرنسي يمكن النظر إلى ذلك من زاويتين الأولى، تتعلق بالدعم الفرنسي للجنرال الليبي خليفة حفتر، وهو ما يتسق مع توجهات النظام العسكري في مصر وتحالف الثورات المضادة الذي يضم مصر والسعودية والإمارات وتقودهم إسرائيل، وهو التحالف الذي قدَّم ولا يزال دعما سياسيا وعسكريا وإعلاميا لحفتر من أجل استنساخ نظام عسكري في ليبيا على غرار نظام السيسي في مصر. معنى ذلك أن الوجود العسكري الفرنسي في صحراء مصر الغربية بامتداد الحدود مع ليبيا جرى بالاتفاق الكامل والتنسيق المشترك مع نظام السيسي وهو اتفاق ظاهره محاربة الإرهاب وباطنه دعم انقلاب خليفة حفتر ودعم سيطرته عسكريا على كامل الأراضي الليبية وسحق التيارات الإسلامية والثورية كما فعل السيسي تماما مصر في مصر عقب انقلابه العسكري في يوليو 2013م. وهذا ما أقر به وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، في 9 يوليو/تموز 2021 حيث قال إن بلاده دعمت الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا حسبما نقلت صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية. وفي 24 فبراير/شباط 2016 تحدثت وكالة رويترز عن “قوات خاصة فرنسية تشن “حربا سرية” في ليبيا، بالتعاون مع دول أخري، نقلا عن تسريبات من وزارة الدفاع الفرنسية نشرتها صحيفة “لوموند”.[[1]] وخلال زيارة السيسي إلى فرنسا في 6 ديسمبر/كانون الأول 2020 قال المتحدث باسم الرئاسة بسام راضي أن التعاون العسكري مع فرنسا لا يقتصر على صفقات السلاح بل يمتد للتدريب والمناورات المشتركة وتبادل الخبرات والمعلومات لمكافحة الإرهاب. الثانية، تتعلق بامتداد الوجود العسكري الفرنسي في دول الساحل والصحراء الكبري في إفريقيا، وهو وجود قديم يتعلق بالأطماع الفرنسية في السيطرة على حكومات هذه الدول حتى تحافظ فرنسا على نفوذها الواسع الذي تسعى لحمايته وبسطه في مرحلة مع بعد الاستقلال الشكلي في منتصف القرن العشرين. وهو أيضا وجود بدواعي الحرب على الإرهاب والحركات الإسلامية بدعوى التشدد المزعوم في المناطق التي تمتد من موريتانيا ومالي والنيجر وصولا إلى ليبيا ومصر. وذلك حتى تكتمل حلقة النفوذ الفرنسي على معظم دول القارة التي ظلت تئن تحت الاحتلال الفرنسي لعقود طويلة لا سيما دول غرب أفريقيا. هذه الوجود بحسب صحف فرنسية يتعلق بالعملية “برخان” التي أطلقتها فرنسا في مالي سنة 2014م، بدعوى الحرب على الإرهاب والقضاء على الجماعات المسلحة في منطقة الساحق الإفريقي[[2]] التي تسيطر باريس على حكوماتها سياسيا واقتصاديا منذ عقود ما بعد الاستقلال الشكلي، ولدى فرنسا في هذه الدول حاليا وفق تقارير فرنسية نحو 5 آلاف جندي. لكن تحطم مروحتين فرنسيتين في هذه المنطقة في نوفمبر 2020م في عملية خاصة مجهولة ومقتل 13 عسكريا فرنسيا هز الأوساط الفرنسية ودفع الإعلام الفرنسي إلى التساؤل حول دوافع وأسباب التواجد العسكري الفرنسي في هذه المنطقة وفقا لمجلة إيكونوميست البريطانية. غير أن ماكرون مع تصاعد عدد ضحايا الجيش الفرنسي بالمنطقة والمخاوف من تأثير ذلك على حظوظه الانتخابية، قرر في يونيو/ حزيران 2021 إنهاء العملية وتقليص الوجود العسكري وتعديل شكل القتال ضد الإرهاب المزعوم في المنطقة. وبالتالي فإن الوجود العسكري الفرنسي الغامض في صحراء مصر الغربية هو امتداد للوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل والصحرء بهدف بسط نفوذ باريس على القارة الإفريقية، والقضاء على الحركات الإسلامية بدعوى التشدد والإرهاب ودعم الحكومات الديكتاتورية لتأمين المصالح الفرنسية. البعد الثالث في تحقيق “ديسكلوز” أنه كشف شيئا من جرائم نظام السيسي وانتهكات المروعة لحقوق الإنسان؛ حيث أثبت الوثائق العسكرية الفرنسية ضلوع نظام السيسي في استخدام معلومات استقصائية وفرتها خلية المخابرات الفرنسية المتواجدة في مرسى مطروح لاستهداف مهربين مدنيين على الحدود المصرية الليبية. هذه المهمة العسكرية المُشتركة بين البلدين التي سُميّت «سيرلي» كان هدفها توفير معلومات استخباراتية عن المسلحين الذين يشكلون خطرًا إرهابيًا على مصر من خلال حدودها الغربية. لكن أعضاء فريق الاستخبارات الفرنسي لاحظوا استخدام الجانب المصري للمعلومات لاستهداف مهربين لا علاقة لهم بالإرهاب، وقد أبلغ أعضاء الفريق الفرنسي رؤساءهم بهذه التجاوزات عدة مرات دون جدوى.[[3]] ويُتهم نظام السيسي بالمبالغة في الإرهاب القادم من جهة الغرب والحدود مع ليبيا. ووفقاً لجليل حرشاوي، الباحث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية- وهي منظمة غير حكومية سويسرية- فإنَّ “الجيش المصري يبالغ إلى حد كبير في تقدير التهديد الإرهابي القادم من ليبيا من أجل كسب الدعم على المسرح الدولي”. فاعتباراً من عام 2017، لم تتأسس أية جماعة إرهابية أو جماعة متطرفة جديدة تدعي أنها إسلامية في الجزء الشرقي من ليبيا. ثم جاء في مذكرة ثانية بتاريخ 3 سبتمبر 2016: “لم يكن هناك أي دليل على معالجة قضية الإرهاب”. وبحسب مذكرة بتاريخ 1 يونيو 2017 فإن الإرهاب يأتي في المرتبة الثالثة بين أولويات الشراكة عقب مكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية. بما يعني أن السيسي استخدم الحرب على الإرهاب المزعوم وبالغ فيها بهدف قتل…