نمت مشاركة دول الخليج في القرن الإفريقي بشكلٍ كبير خلال العقد الماضي، لتصبح نقطة ساخنة أخرى في الصراع الإقليمي. حيث يقع القرن المجاور للبحر الأحمر، والذي يقع بين ممرين بحريين رئيسيين تعتمد عليهما التجارة العالمية وحركة المرور، هما مضيق باب المندب في الجنوب وقناة السويس في الشمال. وبينما تنفتح الصومال أيضًا على حوض المحيط الهندي الأوسع، وهو بحد ذاته طريق رئيسي للأمن البحري والتجارة، ومع احتدام السباق الرئيسي في المحيط الهندي، كانت دول الخليج حريصة على تأمين مصالحها الخاصة، وهكذا صارت منطقة القرن الإفريقي وشمال إفريقيا ساحة للتنافس بين المحورين؛ التركي القطري، والإماراتي السعودي. فمن ناحية؛ يُشكّل القرن الإفريقي ساحة أخرى مثل ليبيا وتونس تسعى فيها تركيا وقطر إلى تعزيز نفوذهم. ومن ناحية أخرى؛ عملت السعودية والإمارات بنشاط في إريتريا وإثيوبيا وأرض الصومال والسودان لمواجهة المحور التركي القطري. ولطالما أدى التنافس بين المحورين إلى توترات سياسية في المنطقة. فما هي أشكال التواجد التركي والإماراتي في إفريقيا؟ وكيف يُمكن أن يؤثر التقارب الأخير بينهما على إفريقيا؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها.. أولًا: التواجد التركي في إفريقيا: تبرز أهمية القارة الإفريقية بالنسبة لتركيا بانفرادها عن باقي الدول المحورية بقربها من إفريقيا من خلال البحر المتوسط؛ على عكس ألمانيا وروسيا وإيران. ويكمن الفرق في الأهمية الجيوسياسية للقارة بين تركيا وإيران في أن الأخيرة يفصلها عن إفريقيا المحيط الهندي؛ بينما يفصل تركيا عن القارة فقط البحر المتوسط، وباستثناء هذا الفارق فإنه كما يأتي شرق إفريقيا في المرتبة الأولى من حيث الأهمية بالنسبة لإيران؛ فإن الأمر نفسه ينطبق على شمال إفريقيا بالنسبة لتركيا، والتي تعوّل عليها بوصفها مدخلًا لتحقيق أهدافها، والمساعدة على تجاوز العقبات التي تعترضها في القارة، إذ تحاول أن تنسّق مع مصر للولوج إلى شرقها، ومع الدول المغاربية لغربها، كما تعوّل أنقرة على الروابط التاريخية والحضارية التي تجمعها مع شعوب شمال إفريقيا في ذلك.[1] ومن الناحية الأمنية؛ فإن دول الشمال الشرقي، وتحديدًا مصر وليبيا، لهما أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا، خصوصًا في ظل صراعها التاريخي مع اليونان والأزمة القبرصية؛ كما حدث عام 1974 عندما ساهمت طرابلس في دعم أنقرة إبان حربها في قبرص، فكانت الطائرات الحربية التركية تتزود بالوقود وغيره من مطار بنغازي العسكري، وساعدت ليبيا تركيا لتجاوز العقوبات في الحصول على طائرات وصواريخ بطرق سرية من إيطاليا ودول أوروبية أخرى.[2] وقامت السياسة التركية تجاه القارة على عدة مستويات.. المستوى السياسي: تبنّت الحكومة التركية عام 1998 وثيقة بعنوان “سياسة الانفتاح على إفريقيا”، وكان ذلك جزئيًا ردًا على رفض الاتحاد الأوروبي ترشيحها لعضويته في قمة 1997، فسعت لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية المستقبلية مع البلدان الإفريقية. وبوصول حزب العدالة والتنمية للسلطة كانت البداية الفعلية لتنفيذ بنود هذه الوثيقة في 2005، عندما أعلنتها الحكومة سنة إفريقيا. وكانت تركيا بدأت من السنة نفسها أيضًا بتنظيم استضافة لعدد كبير من زعماء دول إفريقيا، ما ساعد على إدخالها إلى مجلس الأمن الدولي عام 2008، وساهم في إنجاح مرشحها أكمل الدين إحسان أوغلو في تولّي منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي عام 2005، وأصبحت تركيا عضوًا مراقبًا في منظمة الاتحاد الإفريقي عام 2003، ثم رفعت درجة هذه العضوية إلى مرتبة الشريك الاستراتيجي في 2008.[3] وفي هذا الإطار اتخذت تركيا في توجّهها نحو إفريقيا عدة مسارات: أولها؛ المسار الإغاثي: فقد عملت بالتعاون مع المنظمات الدولية على تطوير إفريقيا، حيث خصّصت 50 مليون دولار لتمويل مشروعات تنموية في دول إفريقية في الفترة بين 2008 و 2013، و 7,5 ملايين دولار لعدة دول إفريقية في منظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، والهلال الأحمر، لمساعدة تلك الدول لمواجهة الآثار السلبية للتصحر والجفاف والكوارث الطبيعية الأخرى. وثانيها؛ المسار الدبلوماسي: ويتمثل في تطور حجم الدبلوماسية التركية في إفريقيا، فلتدعيم تحركاتها في القارة سارعت إلى افتتاح 19 سفارة جديدة في الدول الإفريقية، ليرتفع بذلك عددها إلى 39 سفارة،[4] ثم إلى 43 سفارة عام 2021. وثالثها؛ المسار العسكري: حيث حققت أنقرة بالقاعدة العسكرية التي أقامتها في مقديشيو الكثير من الأهداف الهامة في تشكيل دورها في القارة، لاسيما أنها بذلك تمكّنت من تأمين مصالحها الاقتصادية بالقارة حيث تُعتبر الصومال بوابة الدخول الأولى إلى إفريقيا، وفى مايو2010 وبرعاية الأمم المتحدة استضافت تركيا “مؤتمر إسطنبول” بشأن الصومال، والذي تمخض عنه صدور إعلان إسطنبول كخارطة طريق لتسوية الصراع الصومالي، وهو ما أفضى إلى صياغة دستور للبلاد، وانتخاب البرلمان، الذي انتخب بدوره “حسن شيخ محمود” كأول رئيس غير انتقالي للصومال منذ عام 1991، كما استضافت المؤتمر الصومالي الثاني عام 2012.[5] المستوى الاقتصادي: استطاعت تركيا تحقيق نجاح في الحصول على حصة مهمة في أسواق إفريقيا، وتتمثل أهدافها ضمن هذا السياق في محاولة خلق مجال حيوي لطاقاتها وإمكانياتها الإنتاجية والفنية، على نحوٍ يؤدي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، من زيادة التبادل التجاري، وفتح سوق واسعة للصادرات الصناعية التركية، وضمان مورد مهم للخامات، وتدبير مجالات عمل جديدة للخبرات الفائضة لدى تركيا. وأصبحت تركيا العضو الخامس والعشرين في بنك التنمية الإفريقي من خارج القارة، ومن أجل تقييم المرحلة التي وصلت إليها العلاقات بين الطرفين ولتحديد الطرق والوسائل الكفيلة بتعزيزها، عُقدت في إسطنبول قمة التعاون التركية الإفريقية الأولى عام 2008 بمشاركة 49 دولة إفريقية وممثلو 11 منظمة إقليمية ودولية من ضمنها الاتحاد الإفريقي، والتي تمخضت عن”إعلان إسطنبول للتعاون التركي الإفريقي”.[6] وفي الجانب التجاري سجّلت الصادرات التركية إلى الدول الإفريقية معدلات نمو عالية خلال السنوات الأخيرة، فقد كان قرابة 9 مليارات دولار في 2005؛ ثم 15,87 مليار دولار في 2009؛ 14,1 مليار دولار في 2010، ليرتفع مجددًا إلى 17,1 مليار دولار في عام 2011، ونحو 50 مليار دولار في 2015، مشيرين إلى أن هذا سيساعد رجال الأعمال الأتراك على منافسة رجال الأعمال الأمريكيين والأوروبيين، بحيث لا يتبقى أمامهم سوى الشركات الصينية واليابانية التي سبقت تركيا إلى القارة الإفريقية.[7] المستوى الثقافي والديني: أولت حكومة العدالة والتنمية أهمية كبيرة للعلاقات الدينية في تحقيق أهدافها، فبعد أن احتضنت عام 2006 الدورة الأولى لقمة القيادات الدينية الإسلامية بإفريقيا، عقدت في نوفمبر 2011 باسطنبول القمة الثانية بحضور 110 مشارك، قدموا من 46 دولة إفريقية. وعلى الصعيد الثقافي استقبلت تركيا، في الفترة نفسها، مئات الطلبة الأفارقة، كما افتتحت عشرات المدارس التركية بالعديد من المدن الإفريقية.[8] ثانيًا: التواجد الإماراتي في إفريقيا: بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة قبل عدة سنوات مشروعًا سياسيًا استراتيجيًا تعدى حدود الطموح الاقتصادي بكثير -وإن ظل الاقتصاد ركنًا أساسيًا فيه-، حيث لم يعد البترول وحده هو المحرك ولا عمود الأساس للإمارات التي تعلم جيدًا أن مخزونها من النفط والغاز الطبيعي لن تستمر إلى الأبد، وأنه لابد من أعمدة أخرى يستند إليها الاقتصاد الإماراتي.وقامت السياسة الإماراتية تجاه القارة على عدة مستويات.. المستوى السياسي: هناك توجه إماراتي…