العلاقات المصرية الألمانية بعد ميركل
أسفرت الانتخابات الألمانية التي أجريت في 26 سبتمبر 2021م عن مفاجأة من العيار الثقيل؛ حيث كان من المتوقع أن يفوز الحزب المسيحي الديمقراطي الذي كانت تقوده المسشارة إنجيلا ميركل، بالمرتبة الأولى، غير أن هذه الانتخابات قلبت المعادلة رأسا على عقب؛ إذ تصدر فيها الحزب الاشتراكي بزعامة أولاف شولتز الذي قاد ائتلافا حكوميا ضم إلى جانب حزبه كل من حزبي الخضر والليبراليين. وانتهت مرحلة ميركل التي دامت 16 عاما، وبدأت مرحلة المستشار شولتز. الدرس الأهم في هذه الانتخابات أن الإنجازات الكبرى التي حققتها المستشارة ميركل، إضافة إلى نظافة يدها وشخصيتها الكاريزمية لم تشفع لحزبها المسيحي الديمقراطي بالفوز، فالتداول السلمي للسلطة عبر أدوات الديمقراطية هي من ثوابت المانيا والتي تضمن لها نظام حكم رشيد ومكانة عالمية مرموقة؛ كما أنه يمنحها طاقة وتجديدا تماما كالنهر الجاري تتجدد مياهه باستمرار، على عكس دول الاستبداد التي يبقى فيها الحكام متسلطين حتى مماتهم فهم كالماء الآسن لا يروي من ظمأ ولا تتحقق به فائدة. وفي أعقاب الانتخابات عادة السيدة ميركل إلى صفوف الموطنين تعيش حياتها كمواطنة ومستشارة سابقة دون أن تمن على بلادها بما حققته من إنجازات فذلك هو الدور الطبيعي المنتظر من كل مسئول ولهذا ينتخبه الناس أو يختارون غيره، دون أي تدخل من أجهزة الدولة التي تبرهن باستمرار أن ولاءها للوطن وليس لحزب أو مؤسسة أو قيادة تحظى بالزعامة، فليس في مثل المانيا زعماء بل حكام منتخبون من الشعب باعتباره سيد البلاد وصاحب السلطة الحقيقية فيها يفوض من يشاء وينزع من يشاء وفق نصوص الدستور وأدوات الديمقراطية. الدرس الثاني، هو أن الصحافة العربية راحت تكيل المديح للمستشارة الألمانية وتصنفها في دائرة الأساطير؛ فقد سألت صحفية ذات مرة ميركل ـ لماذا ترتدين نفس الملابس؟ ويتكرر ظهورك بها؟ .. فردت عليها أنها تعمل موظفة عند الشعب، وليست عارضة أزياء تقوم باستعراض الملابس، وسألتها تلميذة في إحدى المدارس: هل لديك خادمة تساعدك في أعمال المنزل؟.. فردت عليها أنها هي من تقوم بأعمال المنزل بمساعدة زوجها، وفي أحيان كثيرة تضبطها الكاميرا وهي تقوم بالشراء بنفسها من الأسواق، وعندما تعطلت طائرتها المخصصة لها من وزارة الدفاع مرتين تم استبدالها بطائرة أخرى بعد أن ظلت الطائرة عشرين عاما في الخدمة، وفي المرتين استخدمت طائرات تجارية عادية لإكمال رحلتها كانت آخرها في أمستردام عندما تعطلت الطائرة وهي في طريقها إلى اجتماع الدول الصناعية في الأرجنتين، وأكملت الرحلة في طائرة ركاب عادية، وجلست بجوار شاب لا تعرفه، وعندما سألت الصحافة الشاب عن شعوره عندما تفاجئ بركوب المستشارة بجواره قال: إنها سيدة هادئة، كانت تقرأ طول الوقت ولم تتناول طعام غير الزبادي! [[1]] معنى ذلك أن مديح الصحافة العربية لميركل يعكس حجم الظمأ العربي نحو نظام حكم رشيد يكون فيه الحاكم مجرد موظف يخدم الشعب، لكن الصحافة الألمانية لم تفعل ذلك مطلقا، فميركل ليست قديسة في بلادها، ولا أحد يتغنى بها على غرار الصحافة العربية، فالتقشف ونظافة اليد واحترام الديمقراطية ليس تفضلا منها على الشعب، بل هي أسس لا يمكن الحياد عنها في ظل دستور قوي يحاسب بقوة وشدة ولا أحد يستطيع الخروج عليه، ولم يكن عمل المستشارة في مفهوم العقلية الألمانية أكثر من موظفة تؤدي عملها تجاه الشعب. فميركل كانت شديدة التواضع رغم أنها كانت تقود ثالث أكبر اقتصاد على مستوى العالم، لكنها لا تملك قصورا ولا سيارات فارهة على غرار طغاة العرب رغم أنها كانت تحكم البلد الذي ينتج أفخم ماركات السيارات، ويبدو أن مديح الصحافة العربية لها دون الصحافة الألمانية إنما يعود في جزء منه إلى حالة السأم من الحكام اللصوص في بلادنا العربية والمتاجرين بأقوات الشعوب الذين لا يكفون عن النهب والمن على الشعوب في ذات الوقت. ما يعنينا هو مستقبل العلاقات المصرية الألمانية في ظل حكومة المانية جديدة، تتمتع بأجندة مختلفة في رؤيتها وتصوراتها حيال قضايا المنطقة التي تتسم بكثير من التعقيد والتشابك. فهل تمضي حكومة شولتز على خطى حكومة ميركل التي فضلت الانحياز للمصالح على حساب القيم؟ أم تتخذ مسارا مغايرا ينحاز بشكل أوضح نحو القيم الديمقرطية الإنسانية التي ترفعها المانيا؟ وهل يمكن لحكومة اشتراكية جديدة في المانيا أن يكون لها تأثير ملموس على سياسات النظام العسكري في مصر؟ وهل يمكن أن تنتقل من دائرة البيانات والشجب والإدانة في ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مصر إلى دائرة الفعل والتأثير وفرض عقوبات على نظام السيسي لدفعه نحو احترام حقوق الإنسان حقيقة لا ادعاء وجوهرا لا شكلا دون التفاف على هذه الحقوق الإنسانية؟ صدام الماني مع السيسي البداية كانت مع صدام خفيف بشأن الملف الحقوقي، حيث بدأت الحكومة الجديدة برئاسة المستشار أولاف شولتز في التعبير عن مواقفها بشكل أكثر حدة من حكومة ميركل بشأن الموقف من نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي في مصر؛ فقد استبقت الخارجية الألمانية النطق بالحكم في القضية التي يحاكم فيها النشطاء علاء عبدالفتاح ومحمد الباقر ومحمد إبراهيم المعروف باسم «أكسجين»، وأصدرت بيانًا يوم الخميس 16 ديسمبر 2021م، قبل يومين من النطق عليهم بالحكم في القضية 1228 لسنة 2021م، قالت فيه “إن الحكم سيكون بمثابة إشارة للاتجاه الذي ستسير فيه قضية العدالة وحقوق الإنسان في مصر”. وفي إشارة ضاغطة ورافضة للحكم قبل النطق به، قال البيان إن الحكومة الألمانية “تتوقع الإفراج عن الموقوفين، خاصة أنهم رهن الاعتقال منذ عام 2019 على خلفية اتهامات بنشر أخبار كاذبة، مع أنها تعتبر أن حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي”. وأشارت الحكومة الاتحادية في المانيا إلى أن «حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي ومشاركة جميع الأوساط الاجتماعية والاستقرار المستدام»، معبرة عن أملها في أن تعمل مصر على تحقيق المحاكمة العادلة، وأن يكون حكم الغد «إشارة للاتجاه الذي تتطور إليه حالة حقوق الإنسان في مصر»، حسب البيان. وكانت نيابة أمن الدولة العليا أحالت عبدالفتاح و«أكسجين» والباقر إلى محكمة أمن الدولة طوارئ، نهاية أكتوبر 2021، بتهمة «نشر أخبار كاذبة باستخدام أحد مواقع التواصل الاجتماعي»، وذلك في قضية منسوخة من القضية 1356 لسنة 2019، جنايات أمن دولة، والمتهمين فيها بتهم أخرى مثل «الانضمام لجماعة إرهابية». قوبلت الانتقادات الألمانية من جانب نظام السيسي بعدة إجراءات: أولها، رفض وزارة الخارجية المصرية للبيان الألماني، وعدته تدخّلا سافرا وغير مبرر في الشأن الداخلي المصري، وقالت إن “افتراض نتيجة محددة مرفوض رفضًا تامًّا، لأن ذلك يمثل ضياعًا للعدالة المصرية ومبادئ سيادة القانون وفصل السلطات المنصوص عليها في الدستور”.[[2]] وثانيها، هو تنظيم حفلة مسائية جماعية على جميع الفضائيات التي تهمين عليها أجهزة السيسي المخابراتية والأمنية؛ حيث وجه إعلاميو السلطة نقدا لاذعا للبيان الألماني، وكالوا ركاما من السباب والشتائم إلى كل منظمات حقوق الإنسان العالمية التي تدين الانتهاكات التي يمارسها النظام العسكري في مصر بحق معارضيه، متهمين هذه المنظمات بالخيانة والعمالة والعمل ضد مصر. وبالطبع كان الهدف منها التغطية…