بقرارات السيسي.. إمبراطورية الجيش تلتهم الدولة
يذهب المحلل والخبير السياسي الدكتور خليل العناني إلى أن وصاية الجيش على مصر تمتد من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على ما فوق الأرض، فمصر تعيش منذ سبعة عقود تحت حكمٍ أقرب إلى ملكية عسكرية، مع استثناء وحيد، أنّ توارث السلطة وتوريثها لا يحصل داخل عائلة واحدة من خلال رابطة الدم، بل من خلال رابطة مهنية ومصلحية وقبائلية (بالمعنى السياسي) بين كبار قادة المؤسسة العسكرية. وكما أنّ “المخزن” في المغرب مصدر السيادة والسلطة والشرعية، فإنّ الجيش في مصر مصدر السيادة والسلطة والشرعية، وليس الشعب أو الأمة المصرية. فمن بديهيات الحكم العسكري ألّا توجد انتخابات حرّة ونزيهة، ولا برلمان ممثل لإرادة الشعب والأمة، ولا استقلال حقيقي لمؤسسات الدولة عن الحاكم العسكري. وبالتالي، لا توجد نخبة سياسية بالمعني الحقيقي، فالجميع من أحزاب وتيارات وقوى سياسية يدور في فلك السلطة، أي في فلك العسكر. ويؤكد أن المسافة التي حاول كل من السادات ومبارك وضعها بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية من خلال آليات التحييد والزبائنية وشراء الولاء ومنح المزايا الاقتصادية والمالية والاجتماعية، كانت دوماً مسافة تكتيكية وليست استراتيجية. بمعنى أنّ العسكر، تحديداً كبار القادة، على قناعةٍ بأنّهم أهل الحكم وأصحاب السلطة، ومالكو الأرض ومن عليها، ولا يمكن خروجهم أو إخراجهم من السلطة مهما كان الثمن. وبات الأمر كما لو كان عقيدةً سياسية، وحالةً نفسيةً مستقرّة وثابتة، يجري توريثها من جيل إلى آخر.[[1]] وخلال الأيام الماضية أصدر الجنرال عبدالفتاح السيسي عدة قرارات استهدف بها تعزيز وضعية الإمبراطورية الاقتصادية للجيش، وتحويل المؤسسة العسكرية إلى مالك حصري لمعظم أراضي الدولة المصرية. القرار الأول، نشرته الجريدة الرسمية في ذكرى الثورة 25 يناير، تحت رقم 13 لسنة 2022، حيث قرر السيسي تخصيص 37 جزيرة لصالح القوات المسلحة، 36 منها جزر نيلية، وجزيرة واحدة بحرية. ويشمل القرار جزرًا مختلفة المساحة أكبرها جزيرة البدرشين التي حددت إحداثياتها المُعدة من قبل إدارة المساحة التابعة للهيئة الهندسية للقوات المسلحة مساحتها بـ852 فدانًا، وأصغرها جزيرة بحرية أطلق عليها القرار اسم «الجزيرة المواجهة لشركة الأمل» دون تحديد موقعها، بمساحة سبعة أفدنة. وجاءت إحداثيات خرائط الجزر الـ37 تحت عنوان «مقترح وزارة الري بنقل ولاية 526 جزيرة بنهر النيل على مستوى الجمهورية للقوات المسلحة لحمايتها من كافة التعديات».[[2]] وضمت الجزر المخصصة للقوات المسلحة بحسب القرار الأخير: الطرفاية، المسطحات، المرازيق، الشوبك الشرقي، الوادي، المرازيق، البرغوثي، أبو داوود، الشيخ أبو زيد، الطرافة1، الطرافة2، أبو صالح، صراوة، سبالة شارونة، الشيخ فضل، كدوان1، وزاوية سلطان البحرية، السرو خور زعفران، السايح، هلال الكاب، سلوا، منيحة، العرب. واستند القرار إلى قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، والقانون رقم 143 لسنة 1981 في شأن الأراضي الصحراوية، والقانون رقم 102 لسنة 1983 الخاص بالمحميات الطبيعية، والقانون رقم 7 لسنة 1991 بشأن بعض الأحكام المتعلقة بأملاك الدولة الخاصة. واستند أيضاً إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1383 لسنة 2005 في شأن حماية نهر النيل وشواطئه، وصدر بعد موافقة مجلس الوزراء، برئاسة مصطفى مدبولي، وبناءً على ما عرضه “المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة” التابع لرئاسة المجلس. واعتبر بعض أهالي جزيرة القرصاية المشمولة بالتخصيص هذا القرار بداية لـ«تطفيشهم»، فيما دافع وزير الري الأسبق، محمد نصر علام، عن القرار مدعيا أن تواجد الأهالي على هذه الجزر غير قانوني، في وقتٍ رفض فيه مسؤولون حاليون عن الجزر النيلية بوزارة الري، تفسير ما يعنيه القرار، مطالبين بالرجوع للمتحدث الرسمي باسم الوزارة. وتعتبر القرصاية من أهم الجزر النيلية في مصر، ويعيش سكانها على الزراعة والصيد، وطالما تعرضوا لمحاولات طرد وتهجير قسري من قبل الجيش المصري بدءاً من عام 2007، بدعوى تحويل أراضي الجزيرة إلى محمية طبيعية. وتبلغ مساحة جزيرة القرصاية 139 فداناً، ويزيد عدد سكانها على 5 آلاف نسمة، ويتركز معظمهم في الجهة القبلية، بينما تضم الجهة البحرية للجزيرة مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية. وعانى سكان الجزيرة من اعتداءات متكررة، كان آخرها في نوفمبر2012، حين تورطت قوات من الشرطة العسكرية في قتل ثلاثة مدنيين، وإصابة خمسة آخرين من الأهالي. وكان مجلس الوزراء قد وافق في 18 إبريل 2018 على نقل تبعية جزيرة الوراق إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان والمرافق، تمهيداً للبدء بتنفيذ “مخطط تنميتها وتطويرها” بالتعاون مع الجيش، تحت مزاعم منها “القضاء على العشوائيات” و”تحسين جودة حياة المواطنين”، وهو ما يبرهن على المؤسسة العسكرية لديها أطماع كبرى في هذه الجزر بدعوى تحويلها إلى مشروعات استثمارية على حساب المزارعين والصيادين القاطنين فيها؛ إذ تشير حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري رقم 782 لسنة (62 قضائية) إلى أن “عام 1997 مثل أول ظهور رسمي لمحاولات الاستثمار في هذه الجزر، بعدما طلب محافظ الجيزة من الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية الموافقة على الترخيص بإنشاء مشروع سياحي استثماري على أراضي جزيرة القرصاية”. ولم يلقَ طلب المحافظ ترحيباً من رئيس الوزراء الراحل كمال الجنزوري، الذي أصدر قراراً برقم 1969 لسنة 1998 ينص على “اعتبار كل الجزر الواقعة داخل مجرى نهر النيل بشمال ووسط وجنوب الوادي، وقناطر الدلتا، وفرعي رشيد ودمياط، محميات طبيعية طبقاً لقانون البيئة”. وحظر القرار القيام بـ”أعمال أو تصرفات أو أنشطة أو إجراءات من شأنها تدمير أو إتلاف أو تدهور البيئة الطبيعية، أو الإضرار بالحياة البرية أو المائية أو النباتية، أو المساس بمستواها الجمالي بمناطق المحميات. وعلى وجه أخص إقامة المباني أو المنشآت أو شق الطرق أو تسيير مركبات أو ممارسة أية أنشطة زراعية أو صناعية أو تجارية أو سياحية في المحميات والمناطق المجاورة لها؛ إلا بتصريح من رئيس الوزراء”. وبعد عام واحد من قرار الجنزوري، كُلف وزير قطاع الأعمال السابق عاطف عبيد تشكيل حكومة جديدة ورئاستها، وتغيرت توجهات الحكومة خلال السنوات التالية، في ما يتعلق بملف جزر نهر النيل، فاتخذت قرارات بإخلاء بعض الجزر النيلية، وسمحت بالتنمية السياحية في جزر أخرى.[[3]] من جانب آخر، يخشى سكان القرصاية من تداعيات هذا القرار؛ وينقل موقع “مدى مصر” عن أحد سكانها أنهم كانوا يدفعون، حتى نهاية 2021م، إيجارًا سنويًا أربعة آلاف و800 جنيه عن الفدان الواحد للأرض الزراعية، وثمانية جنيهات عن كل متر مباني إلى الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، وقبلها كانوا يدفعون الإيجار إلى محافظة الجيزة، ولكن بعد القرار الجديد ينتظرون أن تطالبهم القوات المسلحة بإيجار الأراضي والمباني. فيما يتخوف بعضهم من رفع قيمة الإيجارات بما يفوق قدرة السكان على الدفع بعد نقل تبعية الجزيرة للجيش، يقول أحدهم: «هيطفشونا من الجزيرة ومحدش هيقف معانا زي زمان». وكانت المحكمة الإدارية قد قضت في أول فبراير 2010 بإلغاء قرار رئيس الوزراء في 2007 بإخلاء القرصاية من سكانها، وأكدت على أحقية السكان في البقاء بالجزيرة، ورفضت مبررات الحكومة بتحويل أرضها إلى محميات طبيعية. وتلى هذا الحكم مداهمة القوات المسلحة للجزيرة في نوفمبر 2012 ومطالبة أهلها بإنهاء التعاقد وإخلاء الجزيرة،…