زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى تركيا: الدوافع والتداعيات وردود الأفعال
تتسم العلاقة الإسرائيلية- التركية فى عهد الرئيس رجب طيب أردوغان – سواء عندما كان رئيس للوزراء أو بعدما صار رئيسًا للبلاد- فى طابعها العام بالتوتر، فقد ابتعد إردوغان كثيراً عن “إسرائيل”، واتخذ مواقف علنية شديدة القسوة منها، خاصة بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008، ولتنقطع العلاقات بين البلدين عقب اعتراض البحرية الإسرائيلية “أسطول الحرية” إلى قطاع غزة بهدف فك الحصار عنه، فى مايو 2010، وهو الأسطول الذى توقف بعد تعرض سفينة “مرمرة” التركية لهجوم دام خلف قتلى وجرحى[1]. لكن ظل التأرجح في العلاقات سيد الموقف، ففي أعقاب إعلان تركيا استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل عام 2016، عاد التوتر من جديد جراء موقف تركيا من قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بمجزرة بحق المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة خلال مظاهرات العودة في ذكرى النكبة، فى عام 2018، حيث طلبت من السفير الإسرائيلي بأنقرة مغادرة البلاد، وهو ما ردت عليه تل أبيب بطرد القنصل التركي بالقدس. ومنذ ذلك، أصبحت العلاقات الدبلوماسية على مستوى القائم بالأعمال[2]. ولكن شهدت الأشهر الأخيرة تقاربًا واضحًا بين تركيا وإسرائيل؛ إذ تحدث رئيسا الدولتين مرات عدة منذ تنصيب الرئيس الإسرائيلى إسحاق هرتسوغ، ولعل من أهمها تهنئة أردوغان له بمنصبه الجديد في يونيو 2021، ثم الإفراج عن سائحين “إسرائيليين” اعتقلا للاشتباه بتجسسهما في نوفمبر 2021، وأعقبه اتصال “هرتسوغ” به لشكره على ذلك، ثم اتصال أردوغان في يناير 2022 لتعزيته بوفاة والدته[3]. وفي ديسمبر الماضي، التقى الرئيس التركي مع أعضاء الجالية اليهودية التركية وأعضاء “تحالف الحاخامات في الدول الإسلامية“[4]. كما بادر أردوغان في نوفمبر الماضي إلى الاتصال بنفتالي بينيت، هي الأولى له مع رئيس وزراء إسرائيلي منذ العام 2013، للاطمئنان على صحته بعد الإصابة بفيروس كورونا[5]. وفى هذا السياق، فقد جاءت زيارة الرئيس الإسرائيلى إلى تركيا، فى 9 و10 مارس الحالى، والتى تعتبر أول زيارة لرئيس إسرائيلى إلى أنقرة بعد 15 عامًا من أخر زيارة قام بها الرئيس الإسرائيلى شمعون بيريز إلى تركيا فى عام 2007. وما أظهرته الزيارة من مدى الترحيب التركي بالزيارة من خلال حفل الترحيب المهيب الذي أقيم في أنقرة لاستقبال الرئيس هرتسوغ، حيث حصل على أعلى درجات التكريم وفقًا للمراسم والبروتوكولات. وفيما يخص النقاط البارزة التي تم تناولها في المحادثات بين هرتسوج وأردوغان، فقد اتفقت الدولتان على إحياء الحوار السياسي القائم على احترام الرؤى المتبادلة، وعلى أساس الأهداف والمصالح المشتركة للبلدين، وتم تشكيل لجنة من أجل حل الخلافات ومنع سوء التفاهم بين أنقرة وتل أبيب. وأكد أردوغان على أن وزيري الخارجية والطاقة في تركيا سيزوران إسرائيل قريبًا لإجراء مزيد من المحادثات بشأن زيادة التعاون[6]. وعليه تحاول هذه الورقة الأجابة على مجموعة من التساؤلات التى أثارتها تلك الزيارة، ومن أهمها: ما هى الدوافع التى تقف خلف اقدام تركيا على تحسين علاقاتها مع إسرائيل فى هذا التوقيت؟، وكيف تنظر تل أبيب إلى تحسين العلاقة مع أنقرة؟، وأخيرًا، ما مدى تأثير هذه الزيارة على مكانة تركيا ورئيسها أردوغان لدى الإسلاميين عمومًا والفلسطينيين حصوصًا؟. أولًا: الدوافع التركية لتحسين العلاقة مع إسرائيل: يمكن الإشارة إلى مجموعة من الدوافع والأسباب التى تقف خلف قيام تركيا بتحسين علاقتها مع إسرائيل فى هذا التوقيت، وتتمثل أبرز تلك الدوافع فيما يلى: 1- الحرب الروسية الأوكرانية: اكتسبت زيارة “هرتسوغ” إلى تركيا أهمية استثنائية كونها أتت في خضم هزة عصفت بالنظام الدولي بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، وما قد تتركه من تهديد للاستقرار الإقليمي المحيط بهما معاً، خاصة عقب تقارب موقف أنقرة وتل أبيب من الحرب، مما يجعل من الزيارة فرصة لمزيد من تعاونهما الأمني والسياسي. فقد اختار كلا البلدين شكلًا معينًا من الحياد فى تلك الأزمة، إذ وقفا خطابيًا إلى جانب وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها، بينما حاولا عدم تعطيل علاقاتهما مع موسكو. كما دخلت الدولتين بقوة على خط الوساطة بين كييف وموسكو في محاولة لوقف الحرب المستمرة، وعرض كلًا من أردوغان وبينيت التوسط. فالتقى الأخير بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو بينما تحدث أردوغان معه عبر الهاتف[7]، ومؤخرًا نجحت تركيا بعد مرور أسبوعين على بدء الحرب، في جمع وزيري خارجية البلدين على طاولة واحدة في مدينة أنطاليا جنوب البلاد. وتسعى الدولتين إلى التهدئة بين روسيا وأوكراينا فى ظل وجود مصالح عدة لهما في حدوث هذه التهدئة؛ فتركيا لديها مصالح تجارية واقتصادية واسعة مع أوكرانيا وروسيا، كذلك لديها علاقات متشابكة مع روسيا في ملفات إقليمية في سوريا وليبيا، وفي العمق الآسيوي (أذربيجان وأرمينيا)، الذي تعده موسكو حديقتها الخلفية. وفي المقابل لدى أنقرة علاقات إستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة الأمريكية. من جهتها، وجدت إسرائيل نفسها في موقف حساس، وعلى الرغم من أنها حليفة واشنطن الأولى في منطقة الشرق الأوسط ولديها علاقات مميزة مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن لديها تفاهمات مهمة مع موسكو في ما يخص الملف السوري، واستهدافها الدائم عسكرياً للوجود الإيراني في سوريا، وهذا أمر لن يتم من دون موافقة روسيا بطبيعة الحال[8]. وبالتالى، يسعى الطرفين إلى محاولة التهدئة وإنهاء هذا الصراع لإدراكهما بأنهما سيكونان أكثر المتضررين فى حالة استمرار تلك الحرب، التى سترغمهما على ضرورة الاصطفاف مع طرف على حساب الأخر وهو ما سيضر بمصالحهما الاستراتيجية بصورة كبيرة. أضف إلى ذلك، فربما ترغب تركيا فى استعادة العلاقات المهتزة مع الولايات المتحدة في عهد بايدن، وهنا قد يكون هناك مجال للنقاش حول قدرة “إسرائيل” على تقديم المساعدة، في ظل نفوذها في دوائر القرار الأمريكي خاصة الكونغرس، وطالما اعتقد الأتراك أن بإمكان “إسرائيل” و”اللوبي” التابع لها التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية، فإن تحسين العلاقات معها قد يفيدها على الساحة الأمريكية، ولعل هذا الأمر يزداد أهمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وحاجة أنقرة لعلاقات أفضل مع واشنطن[9]، بعد أن أبرزت حرب أوكرانيا مدى حاجتها للولايات المتحدة وحلف الناتو خاصة بعد لجوء روسيا إلى القوة العسكرية فى حسم خلافاتها مع أوكرانيا، وهو ما يثير تخوف تركيا من رد فعل روسى مشابه ضدها خاصة فى ظل تشابكهما بصورة متناقضة فى العديد من القضايا فى منطقة أسيا الوسطى والبحر الأسود والشرق الأوسط. ويرجع مراهنة أنقرة على تل أبيب فى تحسين علاقاتها مع واشنطن بعدما حاولت تركيا استخدام المغازلة مع الروس من أجل كسر الجليد في العلاقة مع الأميركيين، ولكن أفشلت ذلك الأزمة الروسية الأوكرانية، التي زادت من حساسية حلف الناتو تجاه أي تقارب تركي روسي، الأمر الذي سيهدّد عضوية تركيا في حلف الناتو، وسيفرض عليها عزلة أوروبية وأميركية[10]. وهنا ربما ترغب أنقرة فى قيام تل أبيب بنقل وتبرير وجهة النظر التركية حول ضرورة التواصل مع روسيا إلى واشنطن، خاصة أن إسرائيل هى الأخرى معنية بالحفاظ على قنوات تواصل مع روسيا خاصة فى الملف السورى[11]. 2- الاستجابة للحقائق الإقليمية الجديدة: تبرز قضايا سياسية وأمنية واقتصادية هامة تحفز الاتجاه التصالحي بين…