“دراسة” مواقف الفاعلين فى الشرق الأوسط من الأزمة الأوكرانية: التوجهات والمحددات “2”
ثانيًا: تأثير الأزمة الأوكرانية على القوى الاقليمية فى منطقة الشرق الأوسط مصر: قالت وزارة الخارجية المصرية فى بيان لها، فى 24 فبراير، تعليقاً علي الأزمة الأوكرانية بعد التحرك الروسي الأخير، إن جمهورية مصر “تتابع بقلق بالغ التطورات المُتلاحقة اتصالًا بالأوضاع في أوكرانيا، وتؤكد على أهمية تغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية، والمساعي التي من شأنها سرعة تسوية الأزمة سياسيًا بما يحافظ على الأمن والاستقرار الدوليين، وبما يضمن عدم تصعيد الموقف أو تدهوره، وتفاديًا لتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية وأثرها على المنطقة والصعيد العالمي”[1]. ومن الملاحظ أن بيان الخارجية، قد تفادى ذكر كلمة “حرب”، حتى لا تغضب الجانب الروسي. ويبدو من بيان الخارجية المصرية، أن الموقف الرسمى المصرى قد التزم الحياد في أزمة الغزو الروسي لأوكرانيا، خاصة أن طرفي الأزمة الأساسيين (روسيا وأمريكا) يعتبران حليفين استراتيجيين للنظام المصرى وداعمين أساسيين لعبد الفتاح السيسي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، ويمثلان شريان البقاء والشرعية الدولية للنظام العسكري في مصر[2]. وبحسب موقع “العربى الجديد”، فقد أكدت مصادر صحافية متعددة من داخل “المجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية”، التابعة للمخابرات العامة المصرية، والتي تمتلك معظم وسائل الإعلام في مصر، أن تعليمات صدرت من قبل الجهاز إلى رؤساء تحرير ومسؤولي الصحف والمواقع والقنوات، بضرورة التعامل بحيادية تجاه الحرب الدائرة على الحدود الأوكرانية الروسية، وعدم تبني موقف أي من الجبهتين[3]. ويبدو أن هناك مجموعة من المحددات التى تقف خلف هذا الموقف المصرى المحايد من الأزمة الأوكرانية، والتى يأتى فى مقدمتها: 1- العلاقات القوية مع الطرفين: حيث تمتد العلاقات المصرية الأميركية إلى مجالات واسعة، أهمها العلاقات العسكرية المتجذرة بين البلدين، حيث تمنح أميركا معونة عسكرية إلى الجيش المصري منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، تقدر بـ1.3 مليار دولار سنوياً. والجيش المصري، باللغة العسكرية، يعتبر جيشاً أميركياً، نظراً لأن تسليحه الأساسي أميركي، هذا على الرغم من تأكيد القوات المسلحة المصرية دائماً على فكرة تنويع مصادر التسليح. فتنويع مصادر السلاح، لا ينفي أن الجزء الأعظم من تسليح القوات المسلحة المصرية، أميركي الصنع، وأنه حتى الآن تستورد القوات المسلحة المصرية قطع الغيار الأساسية لمعداتها العسكرية من الولايات المتحدة، لا سيما القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي. كما أن صفقات السلاح بين مصر وأميركا لا تتوقف، وكان آخرها عندما وافقت واشنطن، نهاية الشهر الماضي (يناير 2022)، على صفقتي معدات عسكرية لمصر بقيمة 2.56 مليار دولار، تشمل طائرات نقل وأنظمة رادار. وتتضمن الصفقة الأولى، التي تبلغ قيمتها 2.2 مليار دولار بيع مصر 12 طائرة نقل “سي-130 جيه سوبر هيركيوليز” ومعدات أخرى تابعة لها. أما الصفقة الثانية فتتعلق بشراء القاهرة أنظمة رادار للدفاع الجوي بقيمة 355 مليون دولار لمساعدتها في التصدي للتهديدات الجوية. ويأتي ذلك بالإضافة إلى أموال المعونة العسكرية الأميركية، التي جزء منها عبارة عن 300 مليون دولار أموال سائلة، والجزء الأكبر مخصص لشراء أسلحة ومعدات أميركية فقط. كما تقوم القاهرة كل عام بعد إقرار الميزانية الأميركية بالتفاوض مع واشنطن لشراء ما تحتاجه من أسلحة أميركية، على أن يخصم ثمنها من أموال المعونة العسكرية (1.3 مليار دولار) الموجودة في الخزانة الأميركية[4]. نمت التجارة بين مصر وروسيا بشكل كبير، من 3 مليارات دولار فى عام 2013 إلى 7.6 مليا دولار فى عام 2018، مما يجعل روسيا الشريك الثالث الأكثر أهمية لمصر بعد الاتحاد الأوروبى والصين، فيما تعد مصر حاليًا أكبر شريك تجارى لروسيا فى الشرق الأوسط وإفريقيا. وتهيمن المنتجات الزراعية والطاقة والأسلحة على هذه التبادلات التجارية. إذ تعد روسيا أكبر مصدر للحبوب لمصر، حيث توفر ما يقرب من 65% من طلبها. وفى مايو 2018، وقعت روسيا ومصر اتفاقًا لانشاء منطقة صناعية فى شرق بورسعيد، والتى من المتوقع أن تزيد من عدد الشركات والاستثمارات الروسية[5]. كما تعمل الشركات الروسية الكبرى مثل “روس نفط” و”لوك أويل” و”لادا” فى السوق المصرية باستثمارات تتخطى 7.4 مليار دولار. كذلك تقوم روسيا ببناء أول مفاعل نووي مصري في شمال غرب البلاد بقيمة 25 مليار دولار[6]. وعلى صعيد المجال العسكرى، شرعت روسيا فى تحديث الترسانة العسكرية المصرية وتزويدها بالسلاح الروسى فى إطار خطة تنويع التسليح التى أعلنتها مصر، خصوصًا أن 30% من الأسلحة الروسية التى حصلت عليها مصر فى فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، لا تزال فى الخدمة فى القوات المسلحة المصرية. ويتركز التعاون العسكري بين مصر وروسيا فى السنوات الأخيرة الماضية على دعم قدرات الدفاع الجوى المصرى، عبر تحديث منظومة الدفاع الجوى قصير المدى إلى منظومة “تور إم 2″، ومنظومة الدفاع الجوى متوسطة المدى إلى منظومة “بوك إم 2″، هذا فضلًا عن إهداء مصر روسيا القطعة البحرية “مولينيا 32 بى” للقوات البحرية المصرية. بالإضافة للتسليح، شهد التعاون بين البلدين فى المجال العسكرى تدريبات مشتركة لوحدات المظلات تحت عنوان “حماة الصداقة”[7]. وعلى الصعيد السياسى، هناك نوع من التوافق فى الرؤي حول العديد من قضايا المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وفى القلب منها اعتبار الجماعات والحركات الإسلامية بشقها السياسى والعسكرى حركات “إرهابية”، والتعاون فى محاربة هذه الجماعات سواء فى سوريا عبر دعم نظام بشار الأسد ضد هذه الجماعات أو فى ليبيا عبر دعم الجنرال خليفة حفتر الذى يخوض هو الأخر معارك عسكرية وسياسية ضد هذه الجماعات. 2- مساومة أطراف الصراع: إن مصر قد تربط بين إمكانية الإعلان عن دعمها لأحد أطراف الصراع (روسيا وأمريكا) بحجم ما ستحصل عليه من مكاسب أو تنازلات من جانب أى منهما. فقد تطلب القاهرة من إدارة بايدن إعادة النظر فى القرر الأمريكى الصادر مؤخراً بالاستمرار في تعليق 130 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر بسبب موضوع حقوق الإنسان الذي يشهره المشرعون الأمريكيون وكبار مسؤولي البيت الأبيض باستمرار في وجه أركان نظام السيسي[8]. كذلك فربما ترى القاهرة أن هذا هو الوقت المناسب لإعادة طرح قضية سد النهضة على مجلس الأمن، فقد قامت القاهرة بالفعل بتوجيه خطاب عاجل إلى مجلس الأمن، دعت فيه إلى جلسة جديدة بِشأن الأزمة، في أعقاب إعلان إثيوبيا أخيراً عن تدشين المرحلة الأولى من عملية توليد الكهرباء من السد. وربما ترى القاهرة أن هذا الوقت مناسب؛ لإمكانية مقايضة الموقف المصرى من الأزمة الأوكرانية لصالح أى من روسيا أو أمريكا بموقفهما من أزمة سد النهضة، وإمكانية عدم قيام روسيا باستخدام الفيتو ضد أى قرار من جانب المجلس فى هذه القضية تقديرًا للدور المصرى المحايد وغير المنحاز لواشنطن (مثلما حدث عندما مررت موسكو قرار تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية تقديرًا للدور الإماراتى الممتنع عن التصويت على قرار مجلس الأمن بإدانة الغزو الروسى لأوكرانيا)، وإمكانية توجه القوى الكبرى إلى الضغط على أثيوبيا لعدم اتخاذ أى خطوات قد تثير الجانب المصرى وقد تدفع نحو تصعيد الأوضاع العسكرية بين الجانبين بما يفتح جبهة صراع أخرى، وأخيرًا، ربما تسعى مصر إلى استغلال تواجد الإمارات كعضو غير دائم فى مجلس الأمن وإمكانية أن يساهم ذلك فى تمرير…