إفريقيا بين عامي 2021 و2022
شهدت القارة الإفريقية في العام 2021 تطورات مُتفاوتة؛ حيث نجحت في تجاوز بعض عقبات وتداعيات سلبية ألمَّت بالعالم كله جرّاء جائحة كوفيد-19 وما تلاها، وحقَّقت العديد من دولها اختراقات اقتصادية مهمة يُتوقع تعميقها في العام 2022. غير أن العام 2021 شهد وقوع العديد من الانقلابات العسكرية، فيما وُصفه بعودة عهد الانقلابات؛ بعد سلسلة من الانقلابات الناجحة في غينيا ومالي والسودان وتونس والمحاولات الانقلابية في دول أخرى. كما تعاظمت في هذا العام كبرى الأزمات الإفريقية الراهنة في إثيوبيا التي تضم مقر الاتحاد الإفريقي، إضافةً إلى توتر إفريقي- فرنسي ملحوظ، في مُقابل صعود روسي تركي. كما شهد عام 2021 تآكل واضح لأدوار منظمة الاتحاد الإفريقي بشكل كبير، وفي كافة ملفاته تقريبًا، وعجز المنظمات الإقليمية الفرعية مثل إيكواس عن معالجة الأزمات المتصاعدة داخل دول المجموعة لاسيما مالي وغينيا كوناكري، وتعطل مسار منطقة التجارة القارية الإفريقية والاقتصار على إعلانات متكررة عن خطوات مستقبلية وتحالفات محتملة مع دول أخرى (مثل ما تم في القمة التركية- الإفريقية في ديسمبر 2021). انقلابات إفريقيا عام 2021 ومعضلة الانتقال الديمقراطي: شهدت دول تشاد ومالي وغينيا والسودان عودة إلى سبعينات وثمانينيات القرن الماضي حين كان الجنود يقومون بانقلابات على الحكومات المدنية بانتظام، وبعدما تغير هذا النهج؛ عاد من جديد للظهور بقوة في إفريقيا هذا العام. وفي تونس انقلب الرئيس المُنتخب قيس سعيد على الحكومة والبرلمان؛ مُستئثرًا بمعظم السلطات في خطوات وُصفت بالانقلاب الناعم، بعد تجميده للبرلمان وتعليق العمل بالكثير من مواد الدستور، لكنه ظل يدافع وأنصاره عن شرعية إجراءاته وقانونيتها معتمدًا على مواد من الدستور نفسه. هذا وتتمركز معضلة الانتقال الديمقراطي في إفريقيا في حالتين بارزتين؛ أولهما السودان الذي يمر بمرحلة انتقالية منذ سقوط الرئيس عمر البشير (أبريل 2019)؛ وثانيهما إثيوبيا ثاني أكبر دول إفريقيا عددًا في السكان، والتي أطلق رئيس وزرائها قبل نهاية العام 2021 دعوة لحوار وطني شامل، ربما تكون لها تداعياتها الحقيقية في العام 2022. وقد تسارعت الأحداث في السودان منذ انقلاب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ثم عودة حمدوك ثم استقالته. أما إثيوبيا، التي مثَّلت البؤرة الأكثر دموية في إفريقيا في العام 2021؛ إلا أن العام 2021 قد انتهى بإعلان رئيس الوزراء آبي أحمد نهاية المرحلة الأولى من عمليات القوات الفيدرالية العسكرية في عدد من أقاليم البلاد أبرزها العفر والأمهرا المجاورين لإقليم التيجراي، ثم إطلاقه حوارًا وطنيًا شاملًا يتوقع أن يشمل إقليم التيجراي وقيادته السياسية رغم التحفظات المبدئية التي أعلنها نظام آبي أحمد وفسَّرها البعض بأنها لتعزيز موقفه التفاوضي ليس أكثر. ارتدادات ديمقراطية تقابلها تطورات: من الارتدادات الديمقراطية التي حدثت في القارة عام 2021؛ نجد إعادة انتخاب يوري موسيفيني حاكمًا لأوغندا لولاية سادسة في يناير. والذي فاز رسميًا في الانتخابات بنحو 59% من الأصوات، والتي اعتُبرت أكبر عملية تزوير انتخابي في تاريخ أوغندا. وتحت دريعة كورونا؛ تمكَّن الحكام المستبدين على غرار يويري موسيفيني من توسيع سلطتهم في عام 2021. برغم كل ما سبق تظل شعوب دول إفريقيا تفضل الديمقراطية على أي شكل آخر من أشكال الحكم. ويتضح هذا من خلال الاحتجاجات الحاشدة في العديد من دول إفريقيا، كما حدث في السودان ضد الانقلاب العسكري للبرهان، وفي السنغال ضد الرئيس الاستبدادي ماكي سال. كما اندلعت مظاهرات عنيفة ضد الملك الاستبدادي مسواتي الثالث في إيسواتيني أيضًا، لكن قوات الجيش والشرطة نكلوا بهم وقمعوا تظاهراتهم. وفي الشمال الإفريقي شهد عام 2021 تراجع للتيار الإسلامي بدا واضحًا في انتخابات الجزائر والمغرب، وكذلك في الانقلاب الناعم للرئيس التونسي قيس سعيد. لكن في دول أخرى ما زالت المؤسسات الديمقراطية تواصل عملها، ففي زامبيا مثلًا قادت انتخابات أغسطس إلى تغيير سلمي للسلطة. وفي جنوب إفريقيا قضت إحدى المحاكم بسجن الرئيس السابق جاكوب زوما، الذي تم إطلاق سراحه بعد ذلك بوقت قصير لأسباب صحية. وشهدت صوماليلاند تجربة انتخابية رائدة. القوى الدولية وإفريقيا عام 2021: شهد عام 2021 صعودًا للنفوذ الروسي في المنطقة على حساب التراجع الفرنسي، مع محاولات تركية للتوغل في منطقتي القرن والساحل الإفريقيين، وكذلك محاولات أمريكية لاستعادة السيطرة في إفريقيا. ومن المُلاحظ خلال العام أن الاعتبارات الجيوسياسية أضحت هي الحاكمة في تعاملات القوى الكبرى مع إفريقيا. وقد أدَّى التكالب الدولي المتزايد على استغلال الموارد الإفريقية إلى نشوب صراعات بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة؛ حيث تتنافس الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها من القوى الكبرى التقليدية والقوى المتوسطة الصاعدة من أجل السيطرة على الموارد الطبيعية وطرق التجارة الاستراتيجية. وقد صاحب ذلك وجود اتجاهين رئيسيين: أولهما؛ يتمثل في تمدُّد الشبكات الإرهابية العابرة للحدود في الساحل وشرق إفريقيا بالمعنى الواسع، والذي يستند على وجود وفرة من المقاتلين الأجانب المتجولين. وثانيهما؛ يتمثَّل في انتشار القواعد العسكرية الأجنبية وسط التوترات الجيوسياسية الصينية الأمريكية المتزايدة. ومن المُرجَّح أن يؤثِّر الوجود الأجنبي على تأجيج الصراعات الإفريقية، كما باتت السياسة الأمريكية تؤكد على مفاهيم الاحتواء القديمة التي تعتبر الحروب بالوكالة أرخص تأمين في العالم؛ نظرًا لمخاطرها السياسية المحدودة، والتكاليف البشرية التي تتحملها الأطراف المحرِّكة لها من الخارج. إفريقيا عام 2022: سيأتي عام 2022 باختبارات جديدة لميل سكان دول إفريقيا إلى الديمقراطية، وهناك ثلاثة اتجاهات حاكمة تُشكِّل ملامح المستقبل الإفريقي خلال المرحلة القصيرة القادمة. أولها؛ زيادة النفوذ الروسي؛ فمن المرجَّح أن تحاول روسيا استغلال الفراغ الناجم عن خفض الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، ممَّا سيؤدِّي إلى تغيير بِنية التحالفات مع الجماعات المسلحة وفيما بينها. وقد دفعت خطة فرنسا لخفض عدد القوات الموجودة في منطقة الساحل اعتبارًا من فبراير 2022 حكام مالي العسكريين إلى اللجوء إلى روسيا لملء هذا الفراغ الأمني. وإذا قررت فرنسا التركيز على مهام مكافحة الإرهاب في جنوب الساحل؛ فإن ذلك يعني تخفيف الضغط على الجماعات الإرهابية التي تستفيد منه لتوسيع نطاق سيطرتها على السكان المدنيين في شمال ووسط مالي، واستخدام الأراضي التي تم الاستيلاء عليها كقواعد لشن هجمات إقليمية. ومن المرجَّح أيضًا أن تتغير التحالفات بين الجماعات الإرهابية مع تغيُّر النفوذ الجيوسياسي. ربما ينشق مسلحون من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتنظيم داعش في غرب إفريقيا، وينضمون إلى الجماعات المتنافسة مع تغيُّر ديناميات السيطرة على الأراضي، ممَّا قد يتسبَّب في تشكيل تحالفات فضفاضة بين الجماعات، وتكون النتيجة هي زيادة قدرة هذه الجماعات على البقاء والتمدُّد نتيجة زيادة قدرتها على شنّ الهجمات. وثانيها؛ استمرار الصراع في القرن الإفريقي؛ فحتى إذا تم التوصل إلى حل للنزاع الإثيوبي بين النخب السياسية، فسوف تتعمق التوترات العرقية، وستتفاقم الأزمة الإنسانية خلال العام المقبل، مما يُلحق الضرر بالاقتصادات الإقليمية في القرن الإفريقي بأَسره. حيث ستُلحق تلك الأزمة الإنسانية الضرر بالاقتصادات المجاورة في الصومال وإريتريا وكينيا، فضلًا عن الأضرار التي تلحق بالجهود الجارية لدمج اقتصادات إثيوبيا والصومال وإريتريا فيما عُرف بتجمع القرن الإفريقي. علاوةً على ذلك، قد تتأثر…