التجربة المصرية مع صندوق النقد بين عولمة الفقر والغزو بالتمويل
على عكس كل تقديرات الموقف التي يتبناها النظام العسكري في مصر والتي ترى في الإسلاميين ونشطاء الثورة ووسائل إعلام مناوئة للنظام ومنظمات مجتمع مدني وبعض القيادات العسكرية المناوئة للسيسي تهديدا للنظام، ذهب تقدير موقف أعدته صحيفة Haaretz الإسرائيلية في أغسطس 2019م إلى أن «صندوق النقد الدولي» يمثل أكبر تهديد لنظام الجنرال عبد الفتاح السيسي. وراحت الصحيفة تشرح ذلك حيث اعترفت في البداية بهوس السيسي بالتهديدات المحتملة لنظامه وضمان بقائه واستمراره؛ لذلك لاحق الإسلاميين وحظر جماعة الإخوان المسلمين، ويخشى على وجه الخصوص جيل الألفية من الطبقة الوسطى وهو الجيل الذي أشعل فتيل ثورة 25 يناير2011م، كما أحكمت أجهزته الأمنية قبضتها على وسائل الإعلام والإنترنت والمنظمات غير الحكومية. وتؤكد الصحيفة الإسرائيلية أنه حتى المصابين بجنون الارتياب قد يكون لهم أعداء، لكن في حالة السيسي يبدو أن هوسه أغفل أكبر التهديدات على الإطلاق وهم جماعة التكنوقراطيين معسولو اللسان في صندوق النقد الدلي.[[1]] وتشير الصحيفة إلى مفارقة عجيبة، فإن الصندوق على عكس ـ الإخوان ونشطاء والثورة والمنظمات الحقوقية ـ لا يريد إسقاط نظام السيسي، بل إنه مد له يد العون قبل سنوات عندما وجد النظام نفسه في ورطه وأقرضه 12 مليار دولار(اقترض السيسي نحو 8 مليارات أخرى من الصندوق لاحقا). لكن شروط الصندوق كانت قاسية تضمنت تحرير أسعار الصرف وتخفيض دعم الوقود والغذاء وخصخصة الشركات وفرض ضرائب جديدة. وقد لبَّى السيسي معظم ما طُلِب منه في عملية مؤلمة. لكن المشكلة في مصر ـ بحسب الصحيفة العبرية ــ هي أن بعد مضيِّ ما يقرب من ثلاث سنوات، لم يتحقَّق حتى الآن النصف الثاني من قصة النجاحين فتزايدت معدلات الفقر، لكن المؤلم أكثر أن النمو الذي تلا الاتفاق مع صندوق النقد لم تنعكس آثاره على المواطنين، لكن الانتعاش الاقتصادي كان لصفوة الـ1% من المصريين أكثر من أي أحدٍ آخر. لينتهي تقدير الموقف إلى أن المشاكل الاقتصادية في مصر تبدو أعمق من تحسين أوضاع مصادرها التمويلية. ويحذر من التداعيات المحتملة على المشهد المصري جراء الشروط القاسية التي وضعها صندوق النقد، فما زال الاقتصاد خاضعاً لرقابةٍ مشددةٍ، ويتفشَّى فيه الفساد، وصارت إمبراطورية أعمال الجيش أكبر وأكثر تحصيناً من أي وقتٍ مضى. ويصل التحذير منتهاه بالخوف من اندلاع ثورة جديدة يكون سببها الشروط القاسية التي وضعها صندوق النقد ولبَّاها السيسي على الفور دون خوف من العواقب المحتملة. اللافت أن موقع “ميدل إيست آي” البريطاني يذهب إلى نفس ما توصل إليه تقدير الموقف لصحيفة “هآرتس” محذرا من اندلاع انفجار وشيك جراء الإجراءات العنيفة التي يتخذها نظام السيسي لتلبية الشروط القاسية للصندوق، وينتهي إلى أن المعادلة القائمة في الحالة المصرية والتي تضم دكتاتورا (السيسي) ذا سجل حافل بإنفاق مليارات لا تحصى على مشروعات لتمجيد نفسه وكيان اقتصادي غربي ضخم (الصندوق) تتمثل حلوله في “حجم واحد يقلص كل الاقتصاد” سيشقان طريقاً مختصراً لانفجار جديد.[[2]] انتقادات لسياسات الصندوق لكن الصندوق الذي أنشيء في يوليو 1944 قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بشهور ــ يواجه باستمرار انتقادات حادة لسياساته التي تهمين عليها الولايات المتحدة الأمريكية، ويحذر عالم الاقتصاد الكندي ميشيل تشوسودوفيسكي مؤكدا أن “برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيان فقيراً كما كانَ من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراء”. وقد توصل الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي وأحد أهم مساعدي الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى أن “القروض التي يقدمها الصندوق إلى الدول تكون ضارة في حالات كثيرة خاصة التي توجه إلى الدول النامية ودول العالم الثالث. لكن أبرز الانتقادات الموجهة للصندوق تتركز على سطوة الولايات المتحدة الأمريكية وتحكمها وقدرتها على إعطاء القرض من عدمه لأي دولة، حيث إنها الدولة الوحيدة التي تمتلك حق الفيتو من بين الدول الأعضاء. حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك حق تعطيل قرارات صندوق النقد الدولي أو حق الفيتو. ورغم أنّ صندوق النقد الدولي التابع للأمم المتحدة، دوره دعم الاقتصاد العالمي، والمعاملات التجارية بين البلاد المختلفة، فإنّه عادة ما يتم اتهامه بكونه أحد أدوات الشركات العالمية لبناء إمبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتهزم الدول، “ونهب وتدمير اقتصاد الدول النامية”، وفقاً لـ “جون بيركنز”، مؤلف كتاب “اعترافات قاتل اقتصادي” الذي ترجم إلى 30 لغة بما فيها اللغة العربية التي صدر فيها تحت عنوان: “الاغتيال الاقتصادي للأمم”. لكن التصريح الأكثر وضوحا هو لرئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد عندما سئل عن أسباب نهضة ماليزيا على يديه، فأجاب بقوله: “خالفت توصيات صندوق النقد الدولي، وفعلت عكس ما طلبه من إجراءات”.[[3]] عولمة الفقر ولكي ندرك أبعاد الدور الذي يقوم به صندوق النقد ومؤسسات التمويل الدولية الأخرى كالبنك الدولي، فإن ذلك يتطلب العودة إلى جذور نشأة هذه المؤسسات في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومعرفة الفلسفة التي تأسست عليها هذه المؤسسات التي تتحكم فيها القوى العالمية التي خرجت من الحرب منتصرة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. فالصندوق الذي وقَّع على تأسيسه 29 دولة في يوليو 1944 قبل نهاية الحرب العالمية بشهور قليلة، تقوم فلسفته على خمسة محاور؛ تبدأ بتحرير سعر الصرف، ورفع الدعم تدريجيًا عن المحروقات والطاقة، ثم تقليص الجهاز الإداري للدولة، وتاليًا سد عجز موازنة الدولة عبر فرض الضرائب والرسوم الباهظة، وأخيرًا التخلي عن شركات القطاع العام والاعتماد على آليات الخصخصة، وهو ما يحدث حاليًا في مصر منذ سنة 1995م. وفي سنة 1997 دق المفكر والباحث الاقتصادي ميشيل تشوسودوفيسكي، نواقيس الخطر محذرا في كتابه الشهير «عولمة الفقر»[[4]] من قواعد لعبة الفقر التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على شعوب العالم بأدوات مؤسسات التمويل الدولية. وكان تشودوفيسكي يعمل أستاذاً للاقتصاد بجامعة أوتاوا بكندا، وله العديد من المؤلفات التي تعالج معضلة العولمة، منها “حرب أميركا على الإرهاب”، و”عولمة الحرب: حرب أميركا الطويلة ضد البشرية” ومؤلفاتٍ أخرى مهمة ، إلا أن كتابه “عولمة الفقر” كان له صدى كبير وواسع بين أوساط المهتمين بالشأن الاقتصادي في العالم كله. وصدرت ترجمة الكتاب العربية سنة 2012م، حيث يتكون من 5 أجزاء، تدور حول طبيعة المؤسسات المالية العالمية ودورها وسيطرتها على الاقتصاد الدولي، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكيف لعبت سياساتها الاقتصادية دوراً خطيراً في جعل اقتصاديات الدول تتبع سياسات «تخريبية» تحت لافتة «السياسات الإصلاحية»، لكنها في الحقيقة سياسات تقود إلى تدمير الاقتصاد في تلك الدول. يقدم الكتاب تأصيلاً تاريخياً ومعرفياً لسيطرة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي، من خلال سياسة التقويض الكلي للاقتصاد، عن طريق ما عُرف باسم التكييف الهيكلي، وهي سياسة (إصلاحية!) يفرضها صندوق النقد الدولي على كل الدول التي ترغب في الاقتراض من الصندوق، وتقوم على إحداث تغيير جذري في منهجية الدولة السياسية والاقتصادية، مما يضمن عدم تدخل الدولة في حركة السوق، حتى يتحول…