السلطة والمجتمع في مصر “التعامل مع المجال العام بمنطق الكمين”
الحالة الأولى: أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في 15 يناير 2025، استدعاء نيابة أمن الدولة العليا، لمديرها حسام بهجت، للتحقيق، في 19 يناير 2025. اتضح لاحقًا، أن التحقيقات ستكون على ذمة القضية رقم 6 لسنة 12025. وبحسب متابعين فإن استدعاء بهجت للتحقيق جاء ردة فعل على تقارير نشرتها المبادرة عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وكان من أبرزها تقريرًا2 بخصوص “إضراب عن الطعام وامتناع عن استلام التعيين بسجن العاشر 6 احتجاجًا على الحبس الاحتياطي المطول وسوء أوضاع الاحتجاز”. وهو التقرير الذي ردت عليه وزارة الداخلية، في بيان لها، نفت فيه ما وصفته بـ “الزعم بإضراب عدد من نزلاء أحد مراكز الإصلاح والتأهيل عن الطعام احتجاجًا على تردي أوضاع احتجازهم3“. الحالة الثانية: إلقاء القبض على ندى مغيث زوجة رسام الكاريكاتير أشرف عمر المحبوس احتياطيًا منذ 22 يوليو الماضي، في 16 يناير 2025، وتسليمها إلى نيابة أمن الدولة العليا، التي وجهت لها اتهامات بـ “الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة”، وأدرجتها على ذمة القضية رقم 7 لسنة 2025، ثم أخلت سبيلها بكفالة 5 آلاف جنيه، بعد تحقيق استمر 5 ساعات4. القبض على ندى جاء بعد يوم واحد من صدور بيان عن وزارة الداخلية، نفت فيه صحة ما ورد بمقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي تضمن ادعاء إحدى السيدات (في الإشارة إلى ندى مغيث) إلقاء القبض على زوجها، والتحصل على مبالغ مالية وبعض المتعلقات من محل سكنه أثناء ضبطه ودون إثباتها في محضر الضبط5. الحالة الثالثة: القبض على “مغيث” صاحبه القبض على المذيع بموقع ذات مصر، أحمد سراج، فيمَا رجح رئيس تحرير موقع ذات مصر، صلاح الدين حسن، أن يكون “القبض على سراج سببه الحُوَار6 الذي أجراه مع مغيث، ونُشر قبل نحو شهر، وقالت فيه إن القوة التي قبضت على زوجها أخذت من المنزل «350 ألف جنيه مدخرات شخصية»، لم يثبت منها في المحضر سوى نحو ربعها، وذلك بخلاف المتعلقات الشخصية الأخرى، التي أخذتها القوة من المنزل دون أن كون لها علاقة بالتهم الموجهة لعمر7“. الحالة الرابعة: إلقاء القبض على اليوتيوبر المصري أحمد أبو زيد، في 31 ديسمبر 2024، في إطار ما وصفته الداخلية بـ “إجراءات مقننة لتعامله غير المشروع في الاتجار بالنقد الأجنبي خارج نطاق السوق المصرفي؛ وضُبط بحوزته ( أكثر من 163 ألف دولار – هاتف محمول يتضمن رسائل تؤكد نشاطه الآثم )8“، إعلان الداخلية القبض على أبو زيد جاء بعد أسبوع من القبض عليه، في 7 يناير 2025، بعد “أيام فقط من إعلان ترشحه لجائزة “قمة المليار متابع، وهي جائزة عالمية تُنظم في الإمارات وتُكرم صناع المحتوى الهادف9“. أثار خبر القبض على أبو زيد موجة واسعة من الغضب والتضامن على مواقع التواصل، وأثار حالة واسعة من الاستغراب؛ فلم يكن معروفًا عن أحمد نشاط سياسي أو انتماءات مثيرة للجدل. الفرز على أساس الولاء: المشترك بين الحالات الـ 4 المرصودة، أن أصحابها إما استخدموا حقهم في الكلام في معارضة الوضع القائم، كما يظهر في حالة حسام بهجت ممثلًا للمبادرة المصرية، وبياناتها الكاشفة عن حجم الأزمة التي تعيشها أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ويظهر أيضًا في حالة ندى مغيث التي استنكرت تحريز القوات التي ألقت القبض على زوجها مبلغ مالي كبير، ومتعلقات شخصية، دون أن تدرج ذلك في محضر الواقعة. أو راكم رأسمال مادي أو رمزي عبر قنوات خارج النظام القائم، وهو ما يظهر بشكل واضح في حالة اليوتيوبر أحمد أبو زيد، الذي يبدو أن مشكلته مع الأمن أنه حقق نجاحًا كبيرًا في مجاله، وحقق شعبية وانتشارًا، وفي الوقت نفسه ظل بعيدًا عن دوائر السلطة، ولم يكن على اتصال بقنواتها10. فالهدف النهائي للسلطة أن يبقى خطاب السلطة مهيمنًا في المجال العام، مع إقصاء الخطابات المعارضة، وأن تظل نخبة الحكم وحلفائها محتكرين للرأسمال المادي والرمزي دون غيرهم، وأن تظل قُوَى المعارضة، والمجموعات المتضررة من الحكم القائم، أو المستقلة عنه، دون خطاب يحدد موقعهم من السلطة القائمة، ودون قوة أو نفوذ، ودون أطر تجمعهم وتفتح المجال أمامهم للحركة والعمل. الاستثناء الدائم في مصر: القانون في طبيعته من المفترض أن يحول دون تمييز نخبة الحكم والمقربين منها، وأن يمنع انتهاك حق المعارضين لمجرد تبنيهم لخطاب مناهض لخطاب القائمين على السلطة، لأن شرعية القانون تأتي من كونه تعبيرًا عن الإرادة العامة، لكن واقعيًا يمكن للقانون أن يصبح أداة للتهميش والإقصاء والقمع والتمييز، لكن في الوقت ذاته، يظل الجانب الإجرائي والشكلي للقانون يبطء من سياسات العصف بحقوق المواطنين؛ من هنا يأتي حرص السلطة على اللجوء لقوانين الطوارئ أو حالة الاستثناء بحثا عن السرعة والإنجاز في تنفيذ الممارسات السلطوية، كذلك من باب الحرص على تأسيس عِلاقة بالمواطن مبنية على السيطرة اللامحدودة، وهو ما لا تتيحه الإجراءات القانونية العادية. من ينظر في تاريخ عِلاقة المجتمع والمواطن بالأجهزة الشرطية يجد أن “تاريخ مصر الحديث هو تاريخ طويل من الاستثناء الدائم”، والاستثناء هنا يشير إلى “استثناء المصريين من جملة حقوق وحريات وضمانات قانونية ودستورية”11، الاستثناء هنا هدفه السيطرة الكاملة على السكان دون التقيد بأية قيود يمكن أن تبطء أو تعرقل السيطرة. وفي محاولة ممتدة من السلطة لتكريس الاستثناء باعتباره الأصل جرت بصورة مستمرة “محاولة إدماج ما يعرف بالأعمال البوليسية في نطاق صلاحيات السيادة”، وكذلك محاولة إدماج “الأحكام العرفية نفسها وما ينتج عنها من محاكم عسكرية في أعمال السيادة أيضا”12. وإن كان الأمر مختلف في ظل النظام الحالي؛ إذ ليست هناك محاولات لإدماج الأعمال البوليسية والأحكام العرفية في أعمال السيادة فقط، إنما هناك محاولة، واعية أو غير واعية، لإحلال الاستثناء مكان القانون الطبيعي؛ ولعل مشروع الإجراءات الجنائية13 المطروح حاليًا أمام البرلمان أبرز هذه المحاولات. المجال العام وسياسة الكمين: السيطرة على المجال العام جزء من مشهد كلي قوامه مجتمع سجين وسلطة حارسة لا تكف عن المراقبة والتنكيل، حيث تتعامل الأجهزة الأمنية مع المجال العام بمنطق الكمائن، والتي تعمل كأدوات حجز وتنقية واستبعاد للذوات التي يجب عليها ألاّ تتواجد في مساحات معينة14“؛ بالتالي الحيلولة دون ظهور خطاب يناهض الخطاب الذي تتبناه نخبة الحكم، ويعوق الصعود الاجتماعي لفئات خارج المجموعات ذات الحظوة لدى القائمين على الحكم. الملفت أن التعامل مع المجال العام وفق منطق الكمين يدفع الناس إما للهجرة والهروب، أو التخفي الذي أصبح إحدى الأدوات المعتمدة للتكيف مع تكثيف الاشتباه والتضيق الأمني والإرهاب. ما ينجم عن الهروب أو التخفي من جرّاءِ إتباع سياسة الكمين، هو نجاح السلطة في إقصاء وتهميش المختلف “وخلق وتحديد ذوات يحق لها التمتع بالموارد وبحقوقها الدستورية وذوات أخرى سيتم إبطال هذه الحقوق لها ولو لبعض الوقت”15. منطق الاشتباه وسياسة الكمائن اتسعت حتى استوعبت داخلها المساحات التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد أن استحدثت «وحدة الرصد» في الأجهزة الأمنية وكذلك في النيابة العامة “الّتي تتابع الأنشطة على…