‫الرئيسية‬ الشرق الأوسط الموقف مصر من تشكيل تحالف ضد إيران
الشرق الأوسط - أبريل 20, 2022

الموقف مصر من تشكيل تحالف ضد إيران

الموقف مصر من تشكيل تحالف ضد إيران

 

 

انعقدت قبل الشهر قمة بين السيسي ورئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بمدينة شرم الشيخ في 22 مارس 2022، تبعها انعقاد قمة، في 28 مارس، بين وزراء خارجية كل من إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات والبحرين والمغرب ومصر في النقب. وكان الموضوع الأبرز خلال هاتين القمتين؛ تشكيل جبهة موحدة ضد إيران فى ظل اندفاع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووى الإيرانى، فى محاولة من واشنطن لرفع القيود المفروضة على الغاز والنفط الإيرانى وتصديره بما يعوض النقص فى إمدادات الطاقة لأوروبا على خلفية توقفها عن استيراد الغاز من روسيا، وتقليل حدة ارتفاع أسعار البترول بعد رفض السعودية طلبًا أمريكيًا بزيادة انتاجها النفطى.

وتخشى الدول الخليجية وإسرائيل على وجه الخصوص من أن تتسبب هذه الاندفاعة الأمريكية نحو طهران فى اسقاط واشنطن مخاوف هذه الدول من حساباتها فى مفاوضاتها مع طهران، وهى المخاوف التى تتمثل فى استكمال البرنامج النووى (وهو تخوف إسرائيلي بالأساس)، واستمرار التوغل الإيرانى فى المنطقة العربية فى سوريا والعراق ولبنان واليمن (وهو ما يغضب دول الخليج ومصر على وجه التحديد). وقد تزايدت هذه التخوفات بصورة كبيرة على خلفية ظهور تقارير إعلامية تشير إلى وجود توجه أمريكى لإزالة “الحرس الثورى الإيرانى” من قائمة “الإرهاب”.

وقد أثارت مشاركة مصر فى قمة النقب تساؤلات عن طبيعة الموقف المصرى الحقيقى من الانضمام لتحالف اقليمى موجه ضد إيران، خاصة فى ظل تأكيد تقارير إعلامية على أنه رغم مشاركة مصر فى اجتماع النقب، إلا أنها ترددت كثيرًا في المشاركة فيه، وكانت آخر دولة توافق على دعوتها إليه. ويمكن توضيح الأسباب التى تقف خلف الموقف المصرى المتردد من تكوين تحالف اقليمى ضد إيران كما يلى:

أولًا: الأسباب التى تدفع القاهرة للانضمام إلى تحالف ضد إيران:

1- الأسباب الداخلية:

حيث تعانى القاهرة من أوضاع اقتصادية صعبة طالت جميع قطاعات الشعب المصرى ناتجة عن الحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا، ومن قبلها جائحة كورونا، ما تسبب فى فرض مزيد من الأعباء على الاقتصاد المصرى الذى يعانى بالأساس قبل هذه الأزمات. ولعل أخطر نتائج تلك الأزمات أنها أثرت بالسلب على غذاء المصريين سواء من حيث ارتفاع أسعار القمح أو توفره بالكميات المطلوبة من الأساس، ما يجعل النظام المصرى يشعر بحالة قلق شديد من إمكانية أن يتسبب هذا الوضع فى انفجار الاحتجاجات والاضطرابات ضده.

ومن هنا فإن دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة تعمل على ربط المساعدات الاقتصادية للنظام المصرى بالانضمام لتحالفهم ضد طهران. وكان من الملاحظ أنه بالتزامن مع انعقاد هاتين القمتين عودة الاستثمارات والمساعدات والودائع الخليجية مرة أخرى إلى مصر بعد توقفها لفترة. كذلك فقد وافق صندوق النقد الدولى على منح مصر قرض أخر، ويجادل العديد من المراقبين بأن لأمريكا وإسرائيل الدور الأكبر فى التأثير على قرار الصندوق بالموافقة على هذا القرض. سبب أخر، وإن لم يكن له تأثير كبير على توجهات النظام المصرى الخارجية، ولكنه يمكن أن يكون عامل مساعد فى حالة توجه النظام للانضمام لهذا التحالف، وهو وجود حالة من العداء والشعور بالكراهية تجاه إيران من قبل بعض حلفاء النظام مثل السلفيين والقوميين واليساريين.

حيث يرى السلفيون أن إيران دولة شيعية بالأساس تهدف إلى نشر المذهب الشيعى على حساب المذهب السنى، ويروا أن عودة العلاقات مع طهران قد تسمح للإيرانيين ومشايخهم بدخول مصر ونشر التشيع بين المصريين. فيما يرى القوميين واليساريين أن إيران تمثل القومية الفارسية ذات العداء التاريخى والحديث مع القومية العربية. ولعل ردود الأفعال على زيارة الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد إلى القاهرة فى عام 2013 وتحفظ حزب النور السلفى عليها، ومحاولات الأعتداء عليه فى مسجد الحسين لهو خير دليل على وجود حالة من الرفض الشعبى لعودة العلاقات مع إيران. وعليه فإن النظام المصرى قد يستند إلى حالة الرفض تلك فى الترويج لوجود موافقة شعبية للانضمام للتحالف ضد إيران.

2- الأسباب الاقليمية:

فكما ذكرنا فى الأسباب الداخلية، فإن دول الخليج وإسرائيل قد ترهن تقديم المساعدات الاقتصادية لمصر بانضمام القاهرة للتحالف ضد طهران. كما قد تشترط الإمارات والسعودية وإسرائيل  قيامهما بالضغط على إثيوبيا في قضية سد النهضة؛ من أجل التجاوب مع المقترحات المصرية بشأن هذه القضية، بمدى تجاوب القاهرة بالانضمام لهذا التحالف. من جانب أخر، فإن الدول العربية المجتمعة مع إسرائيل تصنف بأنها “دول محافظة”، أى تهدف إلى بقاء الأوضاع القائمة كما هي، وترفض أى نوع من التغيير خاصة الثورى، وتتحالف فيما بينها من أجل القضاء على أى قوى تطالب بالتغيير وعلى رأسها جماعات الإسلام السياسى (وفى القلب منها جماعة الإخوان المسلمين). وترى هذه الدول أن إيران أصبحت حاليًا هى الدولة الوحيدة التى تدعم قوى التغيير والمقاومة بكافة أشكال الدعم خاصة العسكرى، وذلك بعدما تم تحجيم الدور التركى الداعم لقوى الثورة والتغيير.

وفى الإطار الكلى، فمن الملاحظ أن هذه الدول تتخذ موقفًا مشابهًا فى الأزمة الأوكرانية الحالية، حيث تقف على الحياد بين روسيا من جانب وأوكرانيا وأمريكا والدول الأوروبية من جانب أخر، فيما يبدو محاولة من هذه الدول لتأسيس موقف موحد أشبه بتجربة “حركة عدم الانحياز”  التى كانت نتيجة مباشرة للحرب الباردة بين المعسكرين (الغربي بقياده الولايات المتحدة الامريكية والتي تضم حلف الناتو) و(المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي الذي يضم حلف وارسو). وتخشى هذه الدول من أن تعرضها مواقفها تلك إلى ضغوط أمريكية كبيرة، ما يدفعهم إلى التنسيق فيما بينهم لمواجهة هذه الضغوطات.

كذلك، تدرك هذه الدول أن النظام الدولى الذى تهيمن عليه حليفتهم (الولايات المتحدة) قد تغير بصورة كبيرة، ما يجعل من الحتمى تنسيق الجهود للتعامل مع هذه التغيرات. وفى هذا السياق، تصاعد الحديث عن تشكيل “الشرق الأوسط الجديد” الذى ارتبط فى التاريخ المعاصر بالمبادرات الأمريكية تجاه المنطقة، وكذلك شيمون بيريز رئيس إسرائيل ورئيس وزرائها وواحد من أعلامها التاريخيين والذى جعل السلام العربى – الإسرائيلى حجر الزاوية فى نظام إقليمى جديد يقوم على التعاون الذى أصاب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وأدى من خلال الاقتصاد والتكنولوجيا إلى الاتحاد الأوروبي.

3- الأسباب الدولية:

فربما تضغط الولايات المتحدة على القاهرة للانضمام إلى هذا التحالف؛ وذلك فى ظل رغبة واشنطن بتقليل التزاماتها الأمنية والعسكرية فى الدفاع عن حلفائها بالمنطقة من أجل التفرغ لمواجهة كلًا من روسيا والصين. وفى ظل إدراك الولايات المتحدة أن انسحابها من المنطقة قد يخلف فراغًا تملًاه قوى معادية مثل روسيا وإيران، وفى ظل إدراكها بأن هذا الفراغ لن تستطيع أن تملأه دولة من الدول الحليفة لها بصورة منفردة، فإنها تدفع إلى إنشاء نوع من التحالف الأمنى بين الدول الحليفة معها.

وترى واشنطن أن هذا التحالف لن يكون فعالًا بدون انضمام القاهرة إليه لما تمتلكه من قوة عسكرية كبيرة، وأنه باتباع سياسة العصا والجزرة مع مصر فإنها ستنضم لهذا التحالف. وفى هذا السياق، يمكن تفهم قيام واشنطن بتوريد العديد من الأسلحة إلى القاهرة مؤخرًا. كما أنه من المتوقع أن تتغاطى واشنطن عن انتهاكات حقوق الإنسان التى يقوم بها النظام المصرى خاصة فيما يتعلق بالافراج عن الجزء المقطوع أو المحجوب من المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر نتيجة انتهاك حقوق الإنسان. فضلًا عن إمكانية قيام واشنطن بفتح  ملف الوساطة مرة أخرى بين مصر وأثيوبيا فى قضية سد النهضة.

ثانيًا: الأسباب التى تدفع القاهرة لرفض الانضمام إلى تحالف ضد إيران: 

1- الأسباب الداخلية:

يبدو أن هناك قناعة لدى النظام المصرى بأن الدعم الخليجى – السعودى والإماراتى بالأساس- لمصر من أجل مواجهة أزمتها الاقتصادية لن يكون مرتبطًا بموقف من الانضمام لتحالف ضد إيران، وذلك فى ظل إدراك النظام المصرى أن بقائه فى السلطة هو مطلب خليجى بالأساس، وبالتالى فإنهم سيقومون بتقديم الدعم له لضمان بقائه وليس كمقابل لتغيير سياساته الخارجية. حيث تدرك دول الخليج أن قيام ثورة ضد النظام الحالى الحليف لها قد يعنى صعود جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى؛ والأخطر من ذلك، إمكانية انتقال هذه الثورات إلى داخل الدول الخليجية نفسها.

ومن ناحية ثانية، تخشى القاهرة من أن يتسبب انضمامها إلى هذا التحالف فى اغضاب طهران التى تمتلك نفوذ سياسى وعسكرى واقتصادى فى العديد من الدول العربية خاصة سوريا والعراق. ما قد يدفع طهران نحو عرقلة المشاريع الاقتصادية التى عقدتها القاهرة مؤخرًا مع كل من العراق وسوريا ولبنان، خاصة فى مجال إعادة الاعمار. ومن ناحية ثالثة، تتخوف القاهرة من أن يكون هذا التحالف سببًا فى تهديد أمنها القومى المباشر؛ على اعتبار أن انخراطها فى صراع ضد طهران التى تمتلك العديد من المليشيات العسكرية – فى عدة دول مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن – القادرة على الحاق الضرر بالعمال المصريين فى تلك الدول. ومن ناحية رابعة، تخشى القاهرة فى حالة اظهار عدائها لإيران، قيام الأخيرة بخطوة مماثلة تتمثل بصورة رئيسية فى دعم طهران لجماعة الإخوان المسلمين (العدو الرئيسى للنظام المصرى) خاصة عبر توفير ملاذات آمنة لهم، وقد تكون المقر البديل لهم بعد توجه تركيا للتصالح مع النظام المصرى.

2- الأسباب الاقليمية:

فإن انخراط مصر وانشغالها بحرب ضد إيران سيكون له تأثير سلبى كبير على أهم ملف بالنسبة للقاهرة ألا وهو: ملف سد النهضة؛ لأن مصر فى حالة انشغالها بحرب ضد إيران لن تكون قادرة على فتح جبهات صراع أخرى مع أثيوبيا. ومن ناحية ثانية؛ فمن المعروف أن هناك تنافس مصرى- سعودى على قيادة المنطقة، وهو الخلاف الذى من المتوقع أن يتجدد على خلفية من يتولى قيادة هذا التحالف. فقد سبق أن انسحبت مصر من تحالف مشابه فى عام 2019، وكان من الأسباب التى تناقلتها وسائل الإعلام الأجنبية وقتئذ هو رغبة مصر فى قيادة التحالف بدلًا عن السعودية.

ومن ناحية ثالثة، ترى مصر أن هذا التحالف يقوى من الموقف التركى (الخصم الرئيسى للنظام المصرى)؛ فهو من جانب يجعل من مواجهة التدخلات التركية فى ليبيا وسوريا وغيرها فى مرتبة أدنى من مواجهة التدخلات الإيرانية. أكثر من ذلك، فإن تركيا ستكون جزءًا من هذا التحالف الموجه ضد طهران ما يعنى النظر إلى أنقرة كحليف وليس كخصم.    ومن ناحية رابعة، فإن هذا التحالف الذى تتواجد فيه إسرائيل قد يسحب البساط من تحت اقدام القاهرة باعتبارها الحليف العسكرى الأهم لدول الخليج فى مواجهة إيران، وهى الورقة التى تعتمد عليها القاهرة بصورة رئيسية فى الضغط على الدول الخليجية للحصول على مساعدات مالية.

3- الأسباب الدولية:

تتخوف القاهرة من أن يتسبب انضمامها إلى هذا التحالف فى إغضاب روسيا، ما يؤثر بالسلب على المشاريع المشتركة بينهما خاصة مشروع الضبعة النووى، وعلى التنسيق المشترك فى القضايا الاقليمية خاصة ليبيا. فقد تنظر روسيا إلى هذا التحالف الذى يأتى بالتزامن مع انخراطها فى حرب مع أوكرانيا باعتباره نوع من تخفيف الأعباء عن الولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط من أجل تفرغ واشنطن لمواجهة موسكو فى أوكرانيا. كما تدرك موسكو أن هذا التحالف المدعوم أمريكيًا يهدف بصورة رئيسية إلى وقف التدخلات التى تراها واشنطن معادية لها فى منطقة الشرق الأوسط، والتى يأتى فى القلب منها التدخلات الروسية. فضلًا عن تيقن روسيا بأن تلك الدول – ومنها مصر- لا تزال تسير فى الفلك الأمريكى، وأن كل ما يٌقال عن قيام هذه الدول بخلق نوع من التوازن فى العلاقات بين موسكو وواشنطن هو محض دعاية لا أساس له.

وعليه؛ فمن المتوقع أن يستمر الموقف المصرى كما هو، حيث يقف فى المنتصف فهو لا يقيم علاقات بصورة مباشرة مع إيران ولكنه لن يدخل أيضًا فى صراع مباشر معها. أى أن القاهرة ستدعم من الخلف دول الخليج ضد طهران، وفى الوقت نفسه ستفتح قنوات تواصل غير مباشرة معها عبر وسطاء. كذلك، فمن المتوقع أن تشارك مصر فى هذا التحالف على المستوى السياسى والدبلوماسى والمخابراتى فقط، ولكنها لن تغامر مطلقًا بإرسال جنودها للدفاع عن الدول الخليجية، وسيقتصر الأمر على إرسال المستشارين والخبراء العسكريين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

توتر العلاقات المصرية – الإسرائيلية: خلفياتها ومداها

أقر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، في 22 أغسطس الحالي، بوجود أزمة في العلاقة مع مصر عل…