التحديات الاستراتيجية في سبيل تحقيق المصالحة الفلسطينية
كانت منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) منذ نشأتها 1964 الممثل الشرعي (الوحيد) للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج في مشروعه للتحرر من براثن الاحتلال الإسرائيلي. وقد سيطرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” (تأسست سنة 1957 تأثرًا بالمقاومة الشعبية للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وللاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة) علي منظمة التحرير، بعد انتخاب ياسر عرفات، الناطق الرسمي باسمها، في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الخامسة التي عُقدت ما بين 1 و 4 فبراير 1969، رئيسًا لـ “اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية”1. ولكن منذ الثمانينيات، ظهرت بعض الحركات الخارجة عن منظمة التحرير (حركة الجهاد في فلسطين 1981 تأثرًا بالثورة الإيرانية، وحركة المقاومة الإسلامية حماس المنتمية لتيار الإخوان انبثاقًا من الانتفاضة الأولى 1987). ومع تحول المنظمة الاستراتيجي للاعتراف بدولة إسرائيل والمطالبة بدولة على حدود 1967 في إعلان الجزائر 1988؛ ما فتح الطريق نحو مدريد 1991 ثم أوسلو 19932، بدأت بوادر الانقسام واضحة بين مؤيدي التسوية السياسية ممثلين بحركة فتح وتيار السلطة الفلسطينية التي أُنشئت عقب اتفاق أوسلو، وبين تيار المقاومة ممثلًا بحركتي حماس والجهاد الإسلامي وبعض الفصائل الفلسطينية الأخرى التي اعترضت على قبول منظمة التحرير لقراري مجلس الأمن رقم (242) ورقم (338) بشأن إقامة دولة فلسطين3. بتولي محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية في يناير 2005، على إثر توليه رئاسة كل من منظمة التحرير وحركة فتح خلفًا للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ومع تولي إسماعيل هنية رئاسة الحكومة بعد حصول حركة حماس عام 2006 على أغلبية في الانتخابات التشريعية، وهي الخطوة التي لم تلق ترحيبًا من حركة فتح بدعوي أن هنية أسند المناصب الوزارية الرئيسية لقادة حماس، وفي المقابل، اتهمت حماس حركة فتح بعدم التعاون معها في تسليم مقاليد السلطة للحكومة الجديدة؛ ما تسبب في اندلاع مواجهات عنيفة بين أنصار الطرفين في غزة خلال يناير وفبراير ومايو 2007، وليقوم الرئيس عباس بإقالة هنية في 14 يونيو من نفس العام، وأعلن حالة الطوارئ في غزة اعتراضًا على العنف الذي شهده القطاع. ورغم هذه الإجراءات أعلنت حماس سيطرتها على غزة في 15 يونيو 2007، ما عمق الخلاف مع فتح التي اعتبرت هذا التحرك انقلابًا عسكريًا. ومنذ ذلك الحين، تسيطر كلًا من حماس وفتح على الأرض والإدارة الحكومية في قطاع غزة والضفة الغربية منفردتين على الترتيب، ما أفرز انقسامًا سياسيًا وجغرافيًا وأمنيًا4. ومنذ الانقسام وحتي الآن، تركزت القضايا والملفات الخلافية بين الفصائل الفلسطينية علي مسألة رواتب الموظفين (الذين عينتهم حكومة حماس في قطاع غزة، ويبلغ عددهم تقريبًا 40 ألف موظف)، وإدارة المعابر، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني، وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، ووقف التنسيق الأمني مع إسرائيل5. وقد جرت مبادرات واجتماعات وجهود فلسطينية وعربية ودولية لحل هذه القضايا الخلافية، بعضها انتهى إلى اتفاق، مثل اتفاق مكة (2007)، واتفاق القاهرة (2011)، وإعلان الدوحة (2012)، وإعلان الشاطئ (2014) واتفاق القاهرة 2 (اتفاق التمكين) (2017)، وتفاهمات إسطنبول (2020)، وإعلان الجزائر (2022)، وإعلان بكين (2024). وتم تطبيق بعضها بشكل جزئي ومؤقت، لدرجة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في العام 2007 وحكومة الوفاق الوطني في العام 2014، إضافة إلى عقد الإطار القيادي المؤقت اجتماعين بعد اتفاق القاهرة 2011، وعقد اجتماع الأمناء العامين في العام 2020. في المقابل، لم تفض اجتماعات أخرى لإنهاء الانقسام إلى اتفاق، على الرغم من صدور بيانات عن بعضها، مثل اجتماع صنعاء (2008)، ولقاء موسكو (2019)، واجتماع العلمين في مصر (2023)6. وبناءً عليه؛ ظل التساؤل الرئيسي المطروح علي طاولة النقاش والبحث هو: لماذا لا تتحقق المصالحة الفلسطينية رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة، ورغم ما تمر به القضية الفلسطينية من منعطفات كبري تتطلب ضرورة تحقيق هذه الوحدة الوطنية، والتي كان أبرزها محاولة الرئيس الأمريكي المنتخب حديثًا دونالد ترامب تصفية القضية الفلسطينية “صفقة القرن”، ومؤخرًا، الخطوات الإسرائيلية الفعلية لتصفية القضية عقب “طوفان الأقصي”. ولعل الإجابة علي هذا السؤال تكمن في المحاور التالية: أولًا: العوامل الداخلية: أي تلك العوامل المتعلقة بالفصائل الفلسطينية، وعلي رأسها حركتي حماس وفتح، وتتمثل هذه العوامل في: 1- الافتقاد إلى مشروع التحرير الوطني الجامع؛ فحماس ترفض إقامة دولة فلسطين علي جزء من الأرض وتتمسك بأراضي فلسطين التاريخية، وبالتالي فهي ترفض الاعتراف بإسرائيل وحقها في 77% من أرض فلسطين، بينما تتقبلها قيادة منظمة التحرير والسلطة وفتح؛ نظرًا للاعتبارات الواقعية والعمل المرحلي، واعتبار ذلك استحقاقًا سياسيًا نتيجة اتفاق أوسلو الذي تشكلت على أساسه السلطة الفلسطينية، وانبنى عليه حلم تحويل السلطة إلى دولة فلسطينية7. ولذلك؛ ظلت حركة فتح والسلطة الفلسطينية متمسكة بعدة شروط لتحقيق المصالحة مع باقي الفصائل الفلسطينية، تتمثل في: أولًا؛ انطواء كل الفصائل تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني (حماس والجهاد خارجها)، والالتزام بالتزاماتها، ومن بينها الاتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي، والالتزام بخيار التسوية وحل الدولتين، وثانيًا؛ الالتزام بالمقاومة الشعبية السلمية كسبيل نضال وحيد، بمعنى عدم استخدام السلاح في مقاومة المحتل الإسرائيلي، وثالثًا؛ يجب ألا يكون إلا سلاح واحد ووحيد في الأراضي الفلسطينية، وهو سلاح السلطة فقط، بمعنى تخلي المقاومة عن سلاحها وتسليمه للسلطة. بالمقابل، فإن حماس تتمسك بالمقاومة بكافة أشكالها بما فيها الكفاح المسلح، وضرورة إلغاء أو تجميد اتفاقيات منظمة التحرير مع إسرائيل ووقف التنسيق الأمني معها، وعدم الاعتراف بالقرارات التي صدرت عن الشرعية الدولية وفي ضمنها الاعتراف بإسرائيل، وعدم القبول بتسليم سلاح المقاومة سواء في غزة أو الضفة، مهما كانت الظروف والتفاهمات والاتفاقيات8. 2- الافتقاد إلى الثقة المتبادلة؛ فمفاوضات المصالحة ومقترحاتها لا تسبقها ممارسات من أي من الطرفين لبناء الثقة لدى الطرف الآخر، أو إبداء حسن النية. وتكتفي لقاءات الحوار والمصالحة على عبارات إنشائية، ومناشدات تقارب عامة، دون أية خطوات حقيقية لهذا التقارب. وبالعكس تشغل الدعاية السوداء المتبادلة المسافة بين كل مبادرتين للمصالحة. وقد تعاظم اتهام فتح لحماس بأنها حركة ذات ارتباطات غير وطنية وتنتمي إلى ما يسمى بـ”الإسلام السياسي”، بينما تعتبر ذاتها حركة وطنية محضة، خاصة في ظل تراجع المساندة القومية العربية لها، وتسمي السلطة 2007 انقلابًا على الشرعية. هذا بينما تلح حماس على عدم شرعية مؤسسات السلطة خاصة بعد انتهاء ولاية عباس وعدم تجديدها انتخابيًا، وتذرع السلطة بالمعوقات التي تضعها دولة الاحتلال في عدم إجراء انتخابات جديدة9. 3- افتقاد الآلية الحاسمة للخلاف؛ حيث تتمسك حماس بالشرعية الانتخابية الديمقراطية، وهي التي فازت فيها في آخر انتخابات فلسطينية عام 2006، وشرعية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، فيما تتمسك حركة فتح بالشرعية السياسية لمنظمة التحرير والشرعية العربية والدولية للاعتراف بها10. أضف إلي ذلك، فقد واجهت الآلية الديمقراطية (الانتخابات) في الشأن الفلسطيني مشكلة رئيسية؛ إذ إن نتائجها مشروطة داخليًا وإقليميًا ودوليًا؛ بألا تأتي بطرف مقابل للسلطة الفلسطينية ولا مرفوض إقليميًا (إسرائيليًا) أو دوليًا (أمريكيًا). كما تتخوف حركة فتح والسلطة الفلسطينية – وأطراف عربية ودولية – من النتائج المحتملة لأي انتخابات فلسطينية، والخشية…