الموقف المصري من مطلب ترامب بمرور السفن الأمريكية مجانًا عبر قناة السويس
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه ينبغي السماح للسفن العسكرية والتجارية التابعة للولايات المتحدة بالمرور عبر قناتي السويس وبنما دون دفع أي رسوم. وأضاف ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال”، في 26 إبريل 2025، “طلبت من وزير الخارجية ماركو روبيو أن يتولى هذا الأمر فورًا”، معتبرًا أن قناتي بنما والسويس ما كان لهما أن توجدا لولا الولايات المتحدة، على حد تعبيره1. أولًا: دوافع ترامب للمطالبة بالمرور المجاني عبر قناة السويس: يفترض ترامب أن هناك حقوقًا تاريخية أمريكية يتوجب على المصريين سداد مستحقاتها فيما يتعلق بقناة السويس. حيث يعتبر دونالد ترامب أن نصيبًا من أسهم قناة السويس، كان من المفترض أن يذهب إلى الولايات المتحدة حين انطلق مشروع القناة عام 1859. فآنذاك، حاول صاحب مشروع القناة فرديناند دي ليسبس، أن يجعلها شركة عامة دولية موزعة بين 400 ألف سهم، منها 85 ألفًا لإنكلترا وروسيا والنمسا والولايات المتحدة، وبما أن تلك الأسهم “لم تأخذها هذه الحكومات أضيفت إلى حصة مصر”. كما أن سنوات الحرب الأهلية الأمريكية بين الأعوام 1861 و1864 أدت إلى إعاقة تصدير القطن الأمريكي إلى أوروبا، فمالت الدول الأوروبية إلى القطن المصري، وبذلك ارتفعت صادرات الأقطان من مصر إلى أوروبا من 596 ألف قنطار عام 1861 إلى مليونين ونصف مليون قنطار عام 1865، الأمر الذي أنتج ثراءً مصريًا أسهم في تكوين مشاريع تنموية عديدة. ويذهب باحثون آخرون إلى القول إن جزءًا هامًا من عائدات القطن المصرية كانت تُصرف في تمويل قناة السويس. فضلًا عن دور الولايات المتحدة بالتشارك مع الاتحاد السوفيتي (روسيا حاليًا) في إيقاف حرب السويس عام 1956، أو ما يُعرف بالعدوان الثلاثي الذي شنته إسرائيل وفرنسا وبريطانيا على مصر بعد اتخاذ الرئيس المصري جمال عبد الناصر قرارًا بتأميم قناة السويس، في 26 يوليو 1956، وذلك عبر تقديم الولايات المتحدة قرار إلى مجلس الأمن “يدعو إلى وقف النار فورًا، ويلمح إلى إدانة إسرائيل بالعدوان”. وهو ما أدي إلي إعادة فتح قناة السويس أمام الملاحة في مارس 1957، بعد توقف قسري دام أشهرًا عدة. وعندما دخلت القناة مرة أخرى مرحلة الإغلاق الملاحي بعد حرب يونيو 1967، فإنها فتُحت مرة أخري بفضل الجهود الأمريكي عبر وزير الخارجية الأمريكية هنري كسينجر بين مصر وإسرائيل، والتي نجحت في التوصل إلي اتفاق فصل القوات بين مصر وإسرائيل عام 1974، ما مهد الطريق لإعلان الرئيس أنور السادات فتح القناة مجددًا في أواخر مارس 1975، وليستمر فتح القناة دون تعثر عقب توقيع مصر وإسرائيل معاهدة كامب ديفيد عام 1978، بوساطة أمريكية. وبناءً على ما تقدم، يرى ترامب أسهمًا أمريكية ضائعة في الاكتتاب الأول لقناة السويس قبل 150 عامًا، إضافة إلى أن التمويل المصري للقناة جاء على حساب الخرائب التي خلفتها الحرب الأهلية الأمريكية، والأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة عملت مرتين لإعادة فتح قناة السويس بعد إغلاقها جراء حربين. وعلى ذلك، ألا يحق لها التعويض، ويكون لها نصيب في القناة؟2. ويسعي ترامب من خلال ذلك (العبور المجاني عبر قناة السويس) إلي تحقيق أهداف عدة، تتمثل أبرزها في: يذكر أن الولايات المتحدة تشن حملة عسكرية واسعة ومكثفة على المناطق الخاضعة للحوثيين في اليمن منذ الخامس عشر من مارس 2025. وقد أفادت شبكة CNN بأن التكلفة الإجمالية للعملية العسكرية تقترب من مليار دولار في أقل من 3 أسابيع، على الرغم من أن تأثير الهجمات كان محدودًا في تدمير قدرات الجماعة التي تصنفها واشنطن كـ”جماعة إرهابية”5. وقدر البنك المركزي المصري أن عائدات قناة السويس انخفضت بنسبة 62.3% إلى 1.8 مليار دولار في الفترة من يوليو 2024 إلى ديسمبر 2024، بعدما كانت 4.8 مليارات دولار في نفس الفترة من العام السابق6. ويريد ترامب أن يتم التعامل مع قناة السويس كما تم التعامل مع قناة بنما، فقد أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بقرب السماح للقوات الأمريكية بالانتشار حول قناة بنما وفقًا لاتفاق ثنائي، وهو “تنازل كبير حصلت عليه واشنطن” حتى لو لم تتمكن من إقامة قواعد عسكرية. وبحسب الاتفاق الذي وقعه كل من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث -الذي زار بنما مؤخرًا- ونظيره البنمي فرانك أبريغو، سيتمكن الجيش الأمريكي والشركات العسكرية الخاصة العاملة مع الولايات المتحدة من استخدام المواقع المسموح بها والمنشآت والمناطق المخصصة للتدريبات والأنشطة الإنسانية. كما ينص الاتفاق -ومدته 3 سنوات قابلة للتجديد- على أن المنشآت ستكون ملكًا للدولة البنمية، وستكون مخصصة “للاستخدام المشترك” من جانب قوات البلدين8. وفي هذا السياق، يمكن قراءة التقارير الإعلامية التي تتحدث عن أن السعودية عرضت السماح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية على جزيرتي تيران وصنافير، الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، بهدف تولى الجيش الأمريكي تأمين قناة السويس ومنع دخول أي سفن مشبوهة يحتمل استخدامها في نقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى قطاع غزة أو الأراضي اللبنانية، خاصة تلك القادمة من إيران. بجانب حصول السعودية على حماية أمريكية في حال تعرضها لأي هجوم9. ثانيًا: الموقف المصري من مطلب ترامب بمرور السفن الأمريكية مجانًا: علي الرغم من أن الاعتبارات التاريخية والقانونية والسياسية تصب في صالح مصر وضد الولايات المتحدة فيما يتعلق بمطالب المرور المجانية عبر قناة السويس. حيث يؤكد كثيرون علي أنه لا فضل للولايات المتحدة في تأسيس قناة السويس، كما يدعي ترامب. فعندما تم العمل علي مشروع قناة السويس في عهد والي مصر سعيد باشا منتصف القرن التاسع عشر، بجهود قادها المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس؛ شاركت الولايات المتحدة حينها إلى جانب دول أخرى في تمويل الامتياز الممنوح لشركة القناة، لكنها انسحبت لاحقًا بعد أن اعتبرت المشروع غير مجد اقتصاديًا، وهو ما أدى بمصر إلى الاستدانة لاستكمال الحفر. ومن ثم، فإن ادعاء ترامب بأن القناة مدينة لأمريكا عار من الصحة العلمية والتاريخية. كما أن قناة السويس، التي افتتحت في 17 نوفمبر 1869، تُدار وفق نظام قانوني معترف به، يستند إلى اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إضافة إلى قرار رئيس الجمهورية عام 1975، وجميعها تؤكد سيادة مصر على القناة. فقد أكد اتفاق القسطنطينية لعام 1888 علي حياد القناة، واعترف بسيادة مصر عليها، وأقر حقها في تحصيل رسوم المرور، مع منع الأعمال العسكرية في القناة، ومنح الدولة المصرية – ممثلة آنذاك في الخديوي والسلطان العثماني- حق اتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عنها. تأكدت هذه السيادة المصرية لاحقًا عبر معاهدة 1936، واتفاقيات الجلاء مع بريطانيا عامي 1936 و1954. وعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم القناة عام 1956، نص في المادة الأولى من قانون التأميم على تعويض المساهمين وحملة الحصص، مما أقر استرداد حقوق الغير بشكل مشروع. وقد رسخت القوانين المصرية الحديثة حقوق السيادة والإدارة على القناة. فقد نص القانون رقم 161 لسنة 1963 على إمكانية الحجز الإداري ضد السفن الممتنعة عن دفع الرسوم. كما أكدت المادة الثامنة من القرار الجمهوري رقم 30 لسنة 1975، أن…