المحادثات المباشرة بين الإدارة الأمريكية وحماس: الدوافع والدلالات
أكد البيت الأبيض إجراء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مباحثات مباشرة مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وكان موقع “أكسيوس” الأمريكي قد أفاد بأن إدارة ترامب تجري محادثات مباشرة مع حماس حول إطلاق سراح أسرى أمريكيين في قطاع غزة، وإمكانية التوصل إلى اتفاق أوسع لإنهاء الحرب. وأشار الموقع إلي أن المحادثات التي أجراها المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المحتجزين آدم بولر، لم يسبق لها مثيل، إذ لم تنخرط أمريكا من قبل بشكل مباشر مع حماس في أي محادثات، منذ أن صنفتها منظمة إرهابية عام 1997. وأضاف أن الاجتماعات عُقدت بين بولر ومسؤولي حماس في الدوحة خلال الأسابيع الأخيرة1. وهو ما أثار التساؤلات حول دوافع الإدارة الأمريكية لإجراء محادثات مباشرة مع حماس في هذا التوقيت، وأسباب موافقة حماس علي هذه المفاوضات، وموقف إسرائيل من هذه المفاوضات. أولًا: الدوافع الأمريكية من المفاوضات المباشرة مع حماس: حرصت الإدارة الأمريكية تقليديًا على تفادي الخوض في محادثات مباشرة مع حركة حماس؛ لأنها تصنفها حركة إرهابية منذ العام 1997، ويردد الساسة الأمريكيون شعار: “نحن لا نتفاوض مع الإرهابيين”، منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بذريعة عدم تعزيز شرعية هذه المنظمات2. فيما أصدرت منذ بداية معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 عشرات القرارات بحق شخصيات قيادية ومؤسسات محسوبة على الحركة، بتجميد أرصدتها ووضع قادتها على قوائم الإرهاب، مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار وصالح العاروري ومحمد الضيف وشخصيات قيادية أخرى3. وظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدار سنوات تضع شروطا تعجيزية أمام أي حوار مع حماس، أبرزها الاعتراف بإسرائيل، ونزع السلاح، والالتزام بالاتفاقات السابقة مع الاحتلال4. وإن كانت الولايات المتحدة قد خرقت قاعدة “التفاوض مع ما تصنفهم إرهابيين” مرارًا. حيث تفاوضت الولايات المتحدة مع منظمة التحرير الفلسطينية عندما كانت تعتبر تنظيمًا “إرهابيًا”، وقبل زمن طويل من اتفاق أوسلو 1993؛ كذلك، شارك موفدو ترامب في المفاوضات المباشرة مع زعماء طالبان، ووقعوا اتفاقًا في فبراير 2020، يقضي بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، والرئيس بايدن احترم الاتفاق. أيضًا التقى موفدون أمريكيون الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، قبل توقفهم عن اعتباره “إرهابيًا”، وألغوا جائزة العشرة ملايين دولار في مقابل رأسه. وطوال سنوات، امتنعت الولايات المتحدة من إجراء محادثات مباشرة مع حزب الله، لكن مسؤولين أوروبيين رفيعي المستوى، بينهم رئيس الاستخبارات الفرنسية، التقوا كبار مسؤولي الحزب من أجل الدفع قدمًا بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ولم تحتج واشنطن على ذلك5. كما كانت الإدارة الأمريكية تتواصل مع حركة حماس من خلال المسؤولين الأوروبيين، أو من خلال مسؤولين سابقين في الحكومة الأمريكية، كالرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا التكتيك أيضًا إلى تفادي تقديم أي التزامات أو مواقف ذات طبيعة ثابتة، فما يقوله الوسطاء أو المسؤولون المتقاعدون غير ملزم للإدارة الأمريكية على العموم6. وفي تحول لافت، فقد أجرت الولايات المتحدة ولأول مرة عبر المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المحتجزين آدم بولر محادثات مباشرة مع كبار مسئولي حماس. وقد جاءت هذه المحادثات مدفوعة بعدة أسباب، أبرزها: 1- جاءت لقاءات حماس وأمريكا التي عقدت في الدوحة في بداية الأمر، لتتجاوز الحوارات غير المباشرة التي تجري بين الاحتلال والحركة عبر وساطة قطرية ومصرية وأمريكية تستهدف الوصول إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعدما انتهت المرحلة الأولى منه. فمع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق مطلع مارس 2025، قامت إسرائيل، في 2 مارس، بإغلاق جميع المعابر المؤدية إلى القطاع لمنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية والوقود للقطاع، في خطوة تهدف إلى استخدام التجويع أداة ضغط على حماس لإجبارها على القبول بإملاءاتها، وقد برر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذلك بالقول أن حماس ترفض التجاوب مع مقترح أمريكي لوقف إطلاق نار مؤقت خلال شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي7. ويريد نتنياهو تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير 2025، للإفراج عن أكبر عدد ممكن من الأسرى الإسرائيليين في غزة، من دون تقديم أي مقابل لذلك أو استكمال الاستحقاقات العسكرية والإنسانية المفروضة في الاتفاق خلال الفترة الماضية. في المقابل، تؤكد حماس وجوب بدء مفاوضات المرحلة الثانية التي تشمل وضع حد للحرب والانسحاب الشامل لجيش الاحتلال من غزة، تمهيدًا للمرحلة الثالثة وأساسها إعادة إعمار القطاع المدمر8. وفي هذا السياق، نددت حركة حماس بخرق الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار وعدم الالتزام بجدول الانسحاب المتفق عليه من قطاع غزة. وقالت الحركة – في بيان لها – إن الاحتلال لم يلتزم بالخفض التدريجي لقواته في محور فيلادلفيا خلال المرحلة الاولى، كما لم يلتزم ببدء الانسحاب منه في اليوم الـ42، حسبما ورد في الاتفاق. وأضافت أنه كان من المقرر اكتمال الانسحاب بحلول اليوم الـ50 للاتفاق، وكان يفترض أن يتم ذلك أمس الاثنين (10 مارس 2025). واعتبرت حركة حماس ما جرى انتهاكًا صارخًا وخرقًا واضحًا للاتفاق ومحاولة مكشوفة من الاحتلال الإسرائيلي لإفشاله وتفريغه من مضمونه9. وتعي حماس جيدًا خطورة تمديد المرحلة الأولى دون الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، حيث المخطط الأمريكي الإسرائيلي الرامي إلى تجريد الحركة من ورقة الأسرى التي تعد الورقة الأهم بحوزتها والأكثر تأثيرًا على طاولة المفاوضات الحالية، وعليه تحاول قدر الإمكان المناورة مع واشنطن والوسطاء لإكمال بقية مراحل الاتفاق، رغم ضيق المساحة التي تناور فيها10. 2- وفقًا لما كشفته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، فإن قرار فريق المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المحتجزين آدم بولر بإنشاء مسار مباشر للمفاوضات مع حماس جاء، وفقًا لمحادثات الأمريكيين مع المقربين من عائلات الرهائن الإسرائيليين لدي حماس، بناءً على الفهم بأن المفاوضات للإفراج عن باقي الرهائن، سواء في إطار المرحلة الثانية من الصفقة الحالية لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في 19 يناير 2025 أو ضمن اتفاق جديد ومختلف، وصلت إلى طريق مسدود. كما أن احتمال استمرار المرحلة الأولى من الصفقة ليشمل الإفراج عن مزيد من الرهائن يبدو حاليًا ضعيفًا للغاية. وأضافت الصحيفة العبرية أن المسؤولين الأمريكيين تلقوا أيضًا تحديثات تفيد بأن إسرائيل تعد لعملية عسكرية واسعة النطاق وعنيفة جدًا في غزة، ويمكن أن تبدأ بها في أي لحظة. وأشارت إلى أنه، ومع تصاعد المخاوف من أن استئناف القتال قد يعرض حياة الرهائن المتبقين للخطر بشكل فوري وخطير، ويقلل بشكل كبير من فرص استعادة جثث الرهائن الآخرين، قررت الولايات المتحدة محاولة تأمين الإفراج عن الرهائن الأمريكيين، ومن بينهم عدان ألكسندر، آخر رهينة أمريكي- إسرائيلي لا يزال على قيد الحياة، بالإضافة إلى استعادة جثث أربعة إسرائيليين- أمريكيين آخرين. ووفقًا للصحيفة، فقد رفضت الحكومة الإسرائيلية باستمرار تقديم المساعدة للجهود التي كانت تركز على استعادة المختطفين غير الإسرائيليين، لأنها قد تثير غضب بقية عائلات الأسرى الآخرين. ولهذا قررت الولايات المتحدة أن الطريق الصحيح لإنجاح هذا الجهد ـ الذي يبدو أن الوقت ينفد أمامه ـ هو إجراء محادثات مباشرة وعاجلة وسرية مع حماس11. 3- مخاوف…