الدولة الإسلامية المستحيلة “الأطروحة ونقدها”
ما أكثر ما كتب عن عِلاقة الدولة بالإسلام، وعن مُركب الدولة الإسلامية، باعتباره الأفق النهائي للتحديث من منظور الإسلام السياسي، ولا يزال السؤال عن العِلاقة بين الإسلام والدولة، وعن نموذج الدولة من منظور إسلامي، يستقطب كتاب وباحثين جدد. ولعل من أسباب هذه الجاذبية هو الطلب المستمر على الكتابات التي تتناول هذا السؤال، في هذا السياق جاء الاهتمام الواسع بكتاب الدولة المستحيلة لكاتبه وائل حلاق؛ خاصة أن صدور الطبعة الأولى من الكتاب جاء في أوج التغيير الذي أحدثته الانتفاضات العربية، وفي وقت كان قريب عهد بالصعود الكبير لحركات الإسلام السياسي في مصر، خاصة مع ما آثاره هذا الصعود من جدل حول شكل الدولة في ظل قيادة هذه الكيانات. ولا ننسى أن عنوان الكتاب في حد ذاته، وأيضًا لكون كاتبه “أكاديمي كندي مرموق من أصل مسيحي فلسطيني”، كل تلك الخلفيات زادت من من حجم الجدل المثار حول الكتاب. من جهة أخرى، الكتاب لا يزال راهنًا، من ثم فإن استعادة الجدال حوله يعد مشروعًا ومفهومًا، فلا تزال الحركات الإسلامية التي تبشر بنموذج الدولة الإسلامية قائمة، وباقية، والإسلام وتراثها الضخم لا يزال يلهم شعوب المنطقة، ويشكل وجدانهم. نستعيد في هذه السطور المقولات النظرية الأساسية لكتاب الدولة المستحيلة، كما نستعيد أهم النقاشات التي أثيرت بخصوص هذه الافتراضات. الأطروحة الرئيسة للكتاب: الدولة الحديثة هي نتاج تطور التاريخ الغربي، فهي ابنة المجتمعات الغربية، كما أن المفاهيم التي أسست للدولة الحديثة هي “مفاهيم لاهوتية معلمنة”، وعلى رأسها مفهوم السيادة، الذي بموجبه تحتكر الحق في التشريع، واحتكار العنف المشروع، وهيمنتها الثقافية واحتكارها إنتاج الذات الوطنية، والدولة في بيئتها الأصلية هي غاية في ذاتها، تمتلك جهاز بيروقراطي عقلاني يضمن لها تحقيق الاستمرار والاستقرار. أما الحكم الإسلامي فـ “تحل الأمة محل شعب الدولة القومية الحديثة”، وتحل سيادة الشريعة ومنظومة الأخلاق الإسلامية محل سيادة الدولة، ويكون رضا الله هو غاية الغايات، فـ “الفرد لا يوجد من أجل الدولة، بل العكس هو الصحيح فالدولة توجد لتحقيق رَفَاهيَة الفرد”، في الإسلام يقع الكثير خارج سيادة الدولة، أما الدولة الحديثة فلا تعترف بوجود عِصِيّ على إخضاعه لسيادتها1. لذلك فالسعي للدمج بين الدولة والشريعة/الأخلاق مشروع مستحيل التحقق2، وينطوي على تناقض داخلي؛ فالحكم الإسلامي يؤسس لمنظومة أخلاقية، في حين نجد أن الشأن الأخلاقي تقهقر في ظل الدولة الحديثة؛ حيث تم فصله عن السياسة والاقتصاد والقانون، كما أنه مستحيل التحقق لكون الحكم الإسلامي لم يعد قائمًا منذ نحو قرنين؛ بعدما قضى عليه الاستعمار الغربي، ومن ثم حدث انقطاع بين المسلمين ونموذج الحكم الإسلامي. من ملامح التباين بين الدولة والحكم الإسلامي كما يطرحها حلاق تتعلق بالفوارق بين الشريعة والقانون، فالقانون تعبير عن إرادة السلطة، أو إرادة فاعلين يمتلكون القوة لفرض إرادتهم، أما الشريعة فهي تعبير عن مراد الشرع مع تنزيله على الوقائع، حتى لو أراد الحاكم تمرير إرادته، لا يستطيع تمريرها إلا عبر خطاب الشريعة ووفق معطياتها و أبجدياتها، فـ “الحاكم التنفيذي يقف بمعزل عن السلطة التشريعية، وفي معزِل عن السلطة القضائية كونه خاضعا لأوامرها من نواح كثيرة”3. ومن ملامح التباين أيضًا المتعلقة بالشريعة أيضًا؛ أن الفقهاء في التجربة التاريخية الإسلامية قادمون من الطبقات الوسطى والدنيا، وظلوا مرتبطين بالمجتمع القادمين منه، وكانوا حلقة وصل بين السلطة والمجتمع، وممثلين لمجتمعاتهم وقادة مدنيين له، خاصة مع النزعة المساواتية المنتشرة في القرآن، من ثم كانت الشريعة “ظاهرة اجتماعية في الأساس وليست سياسة”، بعكس ما عليه الحال في الدولة الحديثة. أما في الدولة فقد كان القانوني ومعه السياسي كلاهما منفصل عن الأخلاقي، حيث كانت المعرفة في خدمة القوة. ومن التباينات بين النموذجين أن تكوين الذات، ذات المواطن، في ظل الدولة الحديثة، تشكلت عبر تحكم جهاز الشرطة وهيمنة نظام التعليم والثقافة؛ وكلاهما أنتج ذات المواطن. أما في ظل الحكم الإسلامي؛ فالدولة لا تتدخل في التعليم، كما لم تعرف أدوات مراقبة قاسية؛ لذلك فهي تنتج ذوات مباينة للذات التي تنتجها الدولة الحديثة4. الكتاب لا ينتقد فقط محاولة الدمج بين الدولة الحديثة والحكم الإسلامي، إنما ينتقد أيضًا التصورات السائدة لدى طيف واسع من الشرقيين عن الشريعة، وهي التصورات المستفادة من حضور الشريعة في ظل الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، وليست الشريعة كما تتجلى طوال التاريخ الإسلامي ما قبل الحديث. فالشريعة في ظل الدولة الحديثة قد جردت من كل فاعلية وصار دورها ثانويًا. إن هدف “حلاق” تبيين جينالوجيا مفهومي “الشريعة” و”الدولة”، وتخليص مفهوم الشريعة مما لحق به من تشويه، مع تسليط الضوء على السيرورة التي تحولت بها الشريعة إلى قانون. فالكتاب ينتقد محاولة استنساخ الدولة وكأنها مجرد بنية بلا معنى؛ بحيث يمكن ملؤها بأي معنى نريد، مشددًا على أنها بنية مسكونة بمعاني محددة، وتظل بنيتها ووظيفتها وأدوارها ونتاجها محكوم بالميتافيزيقيا والتصورات المؤسسة عليها. وأن هذا المضمون الميتافيزيقي للدولة الحديثة يختلف بشكل جذري عن الرؤية الفلسفية الكامنة في نموذج الحكم الإسلامي المستند للشريعة. فالدولة التي يحكم عليها وائل حلاق بالاستحالة هي دولة الإسلام السياسي المتخيلة؛ دولة تستند إلى أخلاق ميتافيزيقية متعالية، وفي الوقت نفسه تستند إلى منطق الدولة الحداثية ذات السيادة. المنهجية التي اعتمدها وائل حلاق في بناء أطروحته: استخدم وائل حلاق في أطروحته مفهوم النطاق المركزي لدى كارل شميت، في المقارنة بين الدولة الحديثة والحكم الإسلامي، والنطاق لدى شميت هو المنظور الذي يُقرأ منه الواقع، إذ دائمًا هناك في كل حضارة نطاق مركزي، يفسر من خلاله المفكر تاريخ العالم، وموقع اللحظة الراهنة، ونفهم من خلاله مشهد العالم، ويمنحنا أيضًا اللغة التي نقول بها العالم. والعقلية الأوروبية خلال القرون الـ 4 الأخيرة، بدلت نطاقها المركزي 4 مرات؛ في المرة الأولى كانت تنظر للواقع من منظور روحاني/ ديني، في المرة الثانية من منظور ميتافيزيقي، في الثالثة من منظور اقتصادي، وفي الرابعة والأخيرة من منظور تقني. في النطاق الروحي يكون مرجع النظام لاهوتيًا، وفي النطاق الميتافيزيقي يكون مرجع النظام عالم طبيعي نسقي، وفي النطاق الاقتصادي يكون مرجع النظام عالم اقتصادي. كما استخدم حلاق مفهوم اركيولوجيا الخطاب عند فوكو، في تطوير مقولة شميت عن النطاق المركزي والنطاقات الهامشية. نقد أطروحة الدولة المستحيلة: نقد المنهج: تبني مقولة النطاق المهيمن في حضارة ما، يتجاهل ما تفعله السلطة الزمنية من تجاهل للنطاق تحقيقًا لمصالحها وتثبيتا لسيطرتها، وهو ما نشاهده في تجرِبة هيمنة الشريعة في العالم الإسلامي قبل الحديث، إذ “هيمنت الشريعة بالفعل، لكن افتقارها إلى القوة القاهرة التي امتلكها الملوك والسلاطين المسلمون أدّى إلى إشكالات سياسية ضخمة عاناها المسلمون عبر تاريخهم، وأدّت بفقهائهم وأصولييهم إلى التنظير اضطرارًا لحكم التغلُّب”، بالتالي يمكن أن يصلح مفهوم النطاق المركزي في فهم تاريخ أوروبا؛ إذ كان النطاق المركزي في تصور شميت يضمن هيمنته عبر الاستناد إلى سلطة الدولة، ما يحقق له الاستقرار، أما كون الشريعة نطاق مركزي لم يستند إلى سلطة تدعم هيمنته، جرفها إلى الهامش تحت…