ما وراء توتر العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر

تمر العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر منذ قدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلي الحكم في يناير 2025 بحالة كبيرة من التوتر علي خلفية عدة قضايا، تتمثل في: أولًا: إقامة قاعدة أمريكية في جزيرتي تيران وصنافير: كشف موقع “مدي مصر”، نقلًا عن مسؤولين أوروبيين ومصريين وإقليميين، أن الولايات المتحدة تتناقش مع حلفائها الإقليميين حول إحداث تغيير جذري في منظومة الأمن بالبحر الأحمر، بما يضعها في طليعة القوى المراقبة لهذا الممر البحري. وتبقى المسألة الأكثر إلحاحًا على أجندة الولايات المتحدة هي التهديد الذي تشكله جماعة الحوثي في اليمن. فمنذ نوفمبر 2023 استهدفت الجماعة على الأقل 100 سفينة تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق، ما أسفر عن غرق سفينتين، والاستيلاء على ثالثة، ومقتل أربعة من أفراد الطواقم. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، شنت، بالتنسيق مع المملكة المتحدة، غارات على مواقع الحوثيين في اليمن، أما إدارة الرئيس الحالي، دونالد ترامب، فأطلقت، في 15 مارس 2025، حملتها الخاصة على اليمن، تحت اسم عملية “راف رايدر”. وتوعد ترامب باستخدام “قوة فتاكة ساحقة” حتى تتوقف الجماعة المتمردة المدعومة من إيران عن استهداف حركة الشحن في الممر البحري الحيوي. وقد نُفذت في اليوم الأول من الحملة ما لا يقل عن 40 غارة جوية في أنحاء متفرقة من اليمن، خاصة في العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة. وبحلول نهاية مارس، وبعد 15 يومًا من بدء الحملة، تجاوز عدد الضربات الجوية أي شهر سابق منذ بدء الضربات الأمريكية في اليمن. وتكبد كثافة الضربات وتواترها، الولايات المتحدة تكاليف مالية باهظة. ووفقًا لشبكة CNN، بلغت التكلفة الإجمالية للعملية العسكرية الأمريكية في اليمن، مع بداية أبريل 2025، قرابة مليار دولار، رغم أن تأثيرها في تقويض قدرات الحوثيين ما زال محدودًا. ومن المرجح أن يلجأ البنتاجون إلى طلب تمويل إضافي من الكونجرس لمواصلة العملية، لكن الموافقة على هذا الطلب تبقى غير مؤكدة في ظل الانتقادات المتصاعدة للعملية داخل أروقة الكونجرس. هذه التكاليف المتزايدة أصبحت مصدر قلق واضح للإدارة الأمريكية، ويمثل هذا أحد جوانب ما “تتوقعه في المقابل”. وفي أوائل أبريل 2025، طالب ترامب انخراطًا عسكريًا وماليًا أكبر من مصر في المعركة ضد الحوثيين، معتبرًا أن أي دعم لوجيستي يمكن أن تقدمه مصر للهجمات الأمريكية في اليمن ليس كافيًا لواشنطن. من جانبها، أوضحت مصر أنها لا تملك الموارد المالية اللازمة لتقديم دعم مادي. وعندما رفضت مصر تقديم دعم مالي للمهمة الأمريكية في مارس 2025، أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية السفارة المصرية في واشنطن أنها ستعيد النظر فيما ستطلبه من القاهرة في المقابل. وبحسب الفهم السائد في القاهرة هو أن تصريح ترامب بأن على مصر السماح بمرور السفن الأمريكية في قناة السويس مجانًا، هو نتيجة مباشرة لهذا الطلب السابق. إلا أن هذا الطلب وضع مصر في مأزق لأن الاستجابة له قد تفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى، ما قد يقوض أحد أهم مصادر الدخل القومي التي تعتمد عليها مصر، وهي إيرادات القناة. ورغم عدم صدور موقف رسمي من القاهرة، فإن مصر لم تعلن رفضها الطلب، لكنها شكلت لجنة لدراسة كيفية الرد على الطلب الأمريكي. ورغم الضغوط التي تواجهها مصر للمشاركة في العمليات ضد اليمن، سواء من الولايات المتحدة أو من حلفائها الخليجيين، وخاصة السعودية والإمارات. ورغم تأثر مصر بشكل مباشر من تعطل حركة الملاحة في البحر الأحمر، فإنها تدرك أن المطالب الأمريكية والخليجية تهدف بالأساس إلى حماية مصالح تلك الأطراف أكثر من كونها سعيًا لاستعادة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. كما أن القاهرة لا ترغب في تكرار الورطة التي وقعت فيها في ستينيات القرن الماضي عندما دعمت قوات الجمهورية العربية اليمنية الثورية، خصوصًا بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها مصر في هذه الحرب. ناهيك عن أن الحوثيين في اليمن ليسوا قوة يمكن هزيمتها بسهولة، بالنظر إلى طبيعة اليمن الجغرافية، وسيطرتهم على البلاد منذ 2015، وتحكمهم في إمكاناتها، وطردهم للحكومة الشرعية، إلى جانب الدعم الواسع الذي يتلقونه من إيران ودول أخرى مثل الصين. كذلك، فإن مصر تري أن الولايات المتحدة هي من بدأت الحرب مع الحوثيين دعمًا لإسرائيل، وكان الأجدر بها، قبل أن تطلب الدعم من أصدقائها وحلفائها في المنطقة، أن تضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على غزة وسوريا ولبنان. ولذلك؛ رفضت مصر المشاركة عسكريًا في الحملة الأمريكية علي الحوثيين، واكتفت بعرض تقديم المشورة بشأن المخاطر الأمنية المتصاعدة في البحر الأحمر. وفي ضوء هذا الرفض المصري للمشاركة المباشرة بالضربات الجوية على اليمن، فإن السعودية عرضت السماح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية على جزيرتي تيران وصنافير، الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، بهدف تولى الجيش الأمريكي تأمين قناة السويس ومنع دخول أي سفن مشبوهة يحتمل استخدامها في نقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى قطاع غزة أو الأراضي اللبنانية، خاصة تلك القادمة من إيران. ومن المتوقع أن يكون هذا المقترح السعودي على جدول أعمال زيارة ترامب المرتقبة إلى السعودية في منتصف مايو 2025. ويتمثل أحد الأهداف الأساسية لهذا المقترح هو حصول السعودية على حماية أمريكية في حال تعرضها لأي هجوم. وتثير المقترحات الجديدة الخاصة بإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة انقسامًا داخل دوائر صنع القرار في القاهرة، إذ عبر بعض المسئولين عن رفضهم التام بشأن وجود عسكري أمريكي محتمل لعدة أسباب، تتمثل في: في حين أشار آخرون إلي أن مصر ليست في موقع يمكنها من رفض الطلب السعودي بشكل قاطع، وأنها قد تضطر في نهاية المطاف إلى البحث عن سبل تضمن تحقيق بعض التنازلات لصالحها حيث قد تطلب مصر في المقابل السماح لها بتعزيز وجودها الأمني على الساحل الشرقي لجنوب سيناء. وفي السياق ذاته، فإن وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، ناقش خلال زيارته إلى السعودية، الأسبوع الماضي، مع المسؤولين في المملكة مسألة تفعيل “منتدى البحر الأحمر” المؤجل، حيث أعد الجانبان سلسلة من الاتفاقيات الأمنية المتعلقة بالبحر الأحمر، يرغبان في توقيعها خلال الاجتماعات. وكانت مصر وافقت في 2016 على نقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية، في خطوة رأت فيها القاهرة فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية وجذب الاستثمارات السعودية، لكنها أثارت موجة احتجاجات واسعة داخل البلاد ومعركة قانونية طويلة. ونُظمت التظاهرات يوم عيد تحرير سيناء، ذكرى انسحاب إسرائيل من شبه الجزيرة في 1982، ووصف بعض النشطاء الخطوة على مواقع التواصل الاجتماعي بـ”الخيانة العظمى”. ورغم مصادقة البرلمان رسميًا على الاتفاقية وتوقيع الرئيس عليها، فإن عملية نقل السيادة لم تُستكمل، ما أدى إلى فتور في الدعم السعودي بعدما كان أكثر سخاءً فيما مضى. ففي عام 2023، لم تكن القاهرة قد توصلت بعد إلى اتفاق مع الرياض وتل أبيب بشأن مضمون الرسائل الرسمية المتبادلة التي يفترض أن تُستكمل بها عملية نقل السيادة بشكل نهائي، كما أن تفاصيل الترتيبات الأمنية التي يجب أن تسبق صياغة هذه الرسائل لا تزال محل خلاف. حيث أن…

تابع القراءة

على واقع اغتيال (غنيوة), كيف هي خريطة المشهد في ليبيا؟

تشهد ليبيا حالة انقسام بين حكومتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة (المعترف بها دولياً وإقليمياً)، وحكومة الاستقرار الوطني المقامة في بنغازي بقيادة أسامة حماد بدعم من المشير خليفة حفتر. فالحكومة الغربية (طرابلس) نشأت عبر عملية أممية في 2021 بقيادة الدبيبة، بينما أُعلِن عن الحكومة الشرقية (بقيادة فتحي باشاغا ثم حماد منذ مايو 2023) عبر برلمان شرق البلاد (طبرق) عام 2022، ورفض الدبيبة تسليم السلطة لحين إجراء انتخابات. الشرعية والدعم: تحظى حكومة الوحدة الوطنية بدعم تركيا وقطر والأمم المتحدة وغالبية المجتمع الدولي. أما حكومة الشرق (الاستقرار)، فهي مدعومة رئيسياً من مجلس النواب الشرقي وقوات الجيش الوطني بقيادة حفتر، وتحظى بدعم مصر والإمارات وروسيا بدرجات مختلفة. البرلمان الشرقي لم يمنح هذه الحكومة اعترافاً دولياً رسمياً، ما يجعل شرعيتها محل خلاف، في حين لا تزال الأمم المتحدة تعترف رسمياً بحكومة الدبيبة. أهم التطورات السياسية (يناير 2024 – مايو 2025): استمر الجمود السياسي بعد فشل إجراء الانتخابات المقررة ديسمبر 2021. مارس 2022: منح البرلمان الشرقي الثقة لحكومة برئاسة باشاغا، ودخلت في نزاع مع حكومة الدبيبة التي رفضت الرحيل. مايو 2023: حل البرلمان باشاغا وعوّضه أسامة حماد. طوال 2024، واصلت الأمم المتحدة والسفراء الغربيون الضغط لإعادة وحدة المؤسسات والعودة إلى مسار الانتخابات (صيغت مقترحات جديدة في نهاية 2024 لتجاوز نقاط الخلاف الانتخابية). مع حلول أوائل 2025، لم تُحسم الخلافات؛ بل ضاعفت زيارة حماد إلى القاهرة (مايو 2025) توتر العلاقة مع طرابلس التي اعتبرت مصر تخريبية. تضخمت رسالة مصر الداعية لحكومة موحدة جديدة «بلا سياسيين سابقين» في الوقت نفسه الذي أعلنت فيه قوات حفتر تحركات عسكرية نحو الغرب. الوضع الأمني الميليشيات الرئيسية في طرابلس: تهيمن على مشهد العاصمة عدة فصائل مسلحة بارزة، منها «جهاز دعم الاستقرار» بقيادة عبد الغني الككلي (غنيوة)، ولواء 444 قتال بقيادة محمود حمزة، و«قوة الردع الخاصة»، و«لواء 111»، إضافة إلى تشكيلات أخرى مثل «فرسان جنزور» و«رحبة الدروع» في تاجوراء. هذه الميليشيات كانت سابقاً موزّعة على مشيخات متعددة، لكنها باتت اليوم تندرج أساساً تحت جناح حلفاء الدبيبة. الميليشيات في مصراتة: تتوزع فيها أيضاً فصائل مسلحة قوية، أبرزها كتائب الطيبّين (المعروفة محلياً)، و«لواء المحجوب» و«كتائب 777» التي حشدها المحور الشرقي. شاركت هذه القوى في الصراع عبر دعمها لأطراف متباينة في السلطة. بعض الكتائب أعلنت الحياد (مثل «لواء الصمود»)، لكن الأهم هو تمركز كتائب مصراتة في المدينة وموانئها ومطارها تحت نفوذ جماعات متحالفة أو مستقلة. خريطة السيطرة: تخضع مدن الغرب، خصوصاً طرابلس ومحيطها، بقوة لحكومة الدبيبة وميليشياتها، بينما يسيطر الجيش الوطني (حفتر) على معظم مناطق الشرق وجنوب البلاد. ففي طرابلس تسيطر القوات الموالية للدبيبة على وسط المدينة وأغلبها الغربية، فيما كانت ضواحي الجنوب (مثل حي أبو سليم) مواقع للتوتر والاشتباكات الأخيرة. بعد اشتباكات مايو 2025 أعلن الجيش التابع لحكومة الوحدة استعادته كامل منطقة أبو سليم وحصر الميليشيات الأخرى فيها. أما مطار معيتيقة الدولي (طرابلس) فتعطّلت رحلاته مؤقتاً وتحولت العمليات إلى مصراتة كإجراء احترازي. في مصراتة، تتركز السيطرة على المدينة والبنية التحتية تحت لواء ميليشيات محلية شبه متحالفة، مع وجود جزئي لقوات شرق ليبيا حول بعض النقاط الحساسة. الفاعلون الدوليون الدعم الدولي لكل طرف: تتولى تركيا وقطر تأييد حكومة الوحدة الوطنية (الدبيبة)، فالمخابرات التركية زارت طرابلس في 2024 للتنسيق مع قيادتها، وقد أقامت أنقرة تعاوناً عسكرياً عبر إرسال قوات تدريب ودعم للجيش الليبي الموالي للدبيبة. في المقابل، تدعم مصر والإمارات وروسيا بشكل تقليدي المحور الشرقي بقيادة حفتر/حماد. التفاهمات المصرية – الإماراتية مع حفتر معروفة تاريخياً، وشاركت الضغوط الدبلوماسية بمطالبة حل سياسي جديد لصالح حكومة شرق ليبيا. وجود القوات الأجنبية والمرتزقة: تحتفظ تركيا بوجود عسكري محدود (عناصر تدريب ومراقبة) لدعم طرابلس منذ 2020. وتعدّ روسيا حاضرة عبر مرتزقة مجموعة فاغنر المنتشرين في شرق البلاد، وإن كان تراجع دورهم نسبياً مؤخراً. كما أشارت تقارير سابقة إلى وجود مستشارين وعناصر أمن مصرية في ليبيا المحسوبة على حفتر. الأسباب الحقيقية وراء اشتباكات طرابلس – مايو 2025: الشرارة المباشرة لاشتباكات طرابلس الأخيرة كانت اغتيال عبد الغني الككلي “غنيوة”، قائد “جهاز دعم الاستقرار”، داخل مقر “لواء 444 قتال”. لكن هذا الحدث جاء نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وليس صدفة منفصلة. العلاقة بين الدبيبة وغنيوة لم تكن مستقرة في الشهور الأخيرة، بل شابها توتر متصاعد بسبب خلافات على ملفات التعيينات الأمنية وتقاسم النفوذ داخل العاصمة، وخصوصًا السيطرة على الموارد والوزارات السيادية. يشير بعض المراقبين إلى أن عبد الحميد الدبيبة حاول تقليص نفوذ غنيوة مؤخرًا لصالح أطراف أكثر قربًا منه، مثل قيادة اللواء 444، أو عبر دعم كتائب أصغر موازية، ما أدى إلى إحساس غنيوة بالتهميش. كما راجت تقارير في مارس وأبريل 2025 تفيد بوجود صراع داخلي على السيطرة الأمنية بين جهاز دعم الاستقرار ولواء 444 على خلفية توزيع المهام ومراكز النفوذ، خصوصًا في مناطق مثل أبو سليم وعين زارة. بالتالي، يمكن اعتبار الاشتباك انفجارًا متأخرًا لصراع نفوذ مكتوم بين فصائل داخل المعسكر ذاته (معسكر الدبيبة)، لا يعكس انقسامًا أيديولوجيًا، بل صراعًا على من يتحكم بالعاصمة فعلًا. وهذا النوع من الصراعات يُظهر هشاشة التحالفات التي بُنيت عليها حكومة الوحدة الوطنية، حيث الميليشيات أقوى من الدولة، وأحيانا أكثر قدرة على فرض أجندتها. مشهد الاشتباكات:شملت المظاهر العملية لهذه المعارك انتشاراً لعشرات المركبات المسلحة في الشوارع وأغلقت شوارع رئيسية بالحواجز والتدابير الأمنية. انتهت الغالبية العظمى من المواجهات صباح الثلاثاء (13 مايو) بعد تدخل قوات الدبيبة المدعومة عسكرياً. لم تظهر أنباء عن استخدام الطيران الحربي أثناء اشتباكات مايو 2025 في طرابلس. لكن وسائل الإعلام أشارت إلى إطلاق نار كثيف وقصف مدفعي في ضواحي العاصمة (مثل عين زارة والساحل). هذا دفع الحكومة لإغلاق مطار معيتيقة بشكل مؤقت، والتحول إلى نقل الرحلات لمطار مصراتة كإجراء احترازي. بوجه عام، بدا الاشتباك محتدماً بأسلحة الجيش الثقيلة (مدافع هاون ومضادات طيران ثقيلة) دون رصد تدخل جوي خارجي موثق. الجانب الإنساني والإعلامي الضحايا والإصابات: أكد مركز الطوارئ الليبي استعادة ستة جثث من مواقع الاشتباكات في أبو سليم، كما ذكرت وكالة الأنباء الأميركية أن ستة أشخاص على الأقل قُتلوا. وقالت مصادر طبية إن نحو ستة آخرين جُرحوا، دون توضيح ما إذا كانوا مدنيين أو مقاتلين. لم تُشر التقارير إلى أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، لكنّها تحدثت عن محتجزين في المنازل وإجلاء بعض العائلات بسيارات إسعاف من مناطق الاشتباك. أوضاع المدنيين: عمّ الذعر وسط السكان في طرابلس. ودعت وزارة الداخلية المدنيين إلى البقاء في منازلهم. وأفادت وسائل إعلام محلية بانقطاع جزئي للكهرباء في مناطق متفرقة نتيجة قصف البنى التحتية. كما أعلنت إدارة مطار معيتيقة تعليق الرحلات ونقلها إلى مصراتة مخافة تصعيد الاشتباكات. المدارس والجامعات في العاصمة أغلقت أبوابها مؤقتاً صباح الثلاثاء 13 مايو، فيما بدا واضحاً أن الحياة العامة تأثرت بحالة…

تابع القراءة

الفتاوى المسيسة حول طوفان الأقصى والإبادة في غزة

عن الخيال الاستبدادي لرجال الدين وصراع المرجعية تقرأ كثير من الفتاوى المعاصرة، خاصة في الشؤون السياسية، التي تشغل الرأي العام، تدرك أنها اختيارات سياسية لأصحابها، مغلفة في لغة دينية. وعادة ما تجد هذه الفتاوى تكشف عن أمرين؛ الأول: أن أصحابها يستخدمون النصوص الدينية بصورة متعسفة لتبرير تحيزاتهم السياسية. الثاني: أن إدراك أصحابها للواقع وتعقيداته ضعيف للغاية، وفي أحيان كثيرة يتسم بالسطحية والسذاجة. ينجم عن هذا المسلك أن تصير الفتاوى الدينية مادة للاستقطاب وتصفية الحسابات، كما تصبح مادة دعائية لصاحبها وفريقه، بدل من كونها خطاب الشرع للمكلفين. كما أنها تغلق الطريق أمام أي نقاش حقيقي بخصوص الواقع وأحداثه ومقترحات التعامل معه، إذ أن ما يقدمه المفتي هو خطاب الشرع ومن ثم التشكيك فيه والخروج عليه هو ردة أو على الأقل بدعة أو سوء تقدير وقلة دين. وفي ظل فوضى الفتاوى، وتناقضها مع بعضها البعض، تفقد الفتوى السياسية مصداقيتها، ويتراجع تقدير الشارع لها واستنادهم إليها في تحديد مساراتهم السياسية. الفتاوى المسيسة والمزاج السلفي: نستشهد في هذا السياق بفتوى1 أطلقها باحث سلفي ينتمي لسلفية الإسكندرية، عن موقفه “الشرعي” من طوفان الأقصى؛ بمعنى “كيف يقيم حدث الطوفان من منظور شرعي؟”.في البداية يبني الكاتب فتواه على فرضيتين: الأولى: أن الفتوى تتغير بـ (تغير الواقع، تغير العلم بالواقع، تغير رؤيتك للواقع). الثانية: أن المقاومة حق وواجب. لكنه يعود ويقيد ممارسة هذا الحق وتحمل هذا الواجب بشرطين، هما: ميزان القدرة والعجز، ومعيار المصلحة والمفسدة. بعد هذه المقدمات النظرية يؤسس رفضه لقرار الطوفان بالاستناد إلى 4 أسباب: (1) أن قرار الطوفان كان من نتائج تضييق دائرة الشورى داخل حركة حماس. (2) ظهور أصوات علماء من غزة تنكر ما حدث. (3) ظهور أصوات مثقفين وطلاب وناس عاديين من فلسطين تنتقد الطوفان. (4) أن قرار الطوفان نجم عنه نتائج كارثية وكشف عن خلل هائل في موازين القُوَى بين المقاومة والاستعمار الإسرائيلي. لا يكتفي الباحث بالقول أن قرار الطوفان كان فيه تسرع دون اعتبار للمصالح والمفاسد وموازين القوى، وفق حسابات واقعية خالصة، إنما يسعى إلى نزع الغطاء الديني عنه بالكلية؛ عبر الإشارة إلى أن “العهد المطلق” لا يجوز الابتداء بنقضه، وفي حال نقضه الطرف المعاهد، يصبح الأمر للحاكم المسلم، أن ينقض العهد، أو أن يستبقيه؛ إذا رأى في ذلك مصلحة للمسلمين؛ كأنه يقول أن المعاهدة مع إسرائيل هو عهد مطلق لا يصلح البَدَء بنقضه، وفي حال نقضته دولة الاحتلال، يصبح للحاكم الخِيار إما الرد بالمثل أو الإبقاء على المعاهدة القائمة. ويعيب هذا الطرح أمور؛ الأول: أنه احتكم في قراءة الواقع إلى مفاهيم قديمة لا تعبر بالضرورة عن الواقع، دون أن يتساءل إن كان معجم مفاهيم جهاد الدفع وجهاد الطلب ينطبق على حال أهل فلسطين مع الكيان الإسرائيلي، وهل معطيات من قبيل الإبادة والتهجير والاستعمار الاستيطاني الإحلالي يصلح التعامل معه باستخدام هذا المعجم. هذا الاستخدام بدوره يكشف عن أمرين؛ أولهما: ضعف التكوين الفقهي للباحث، إذ يستخدم مفاهيم متقادمة دون أن يفكر لحظة في مساءلة نفسه عن مدى صلاحيتها في محاكمة واقع شديد الاختلاف عن البيئة التي ظهرت فيها هذه المفاهيم. وثانيهما: أنه لم يتوقف لحظة أمام حجم الإجرام الإسرائيلي بحق أهل فلسطين وغزة، الذي لا يصح وصفه بأنه صراع تقليدي بين احتلال ومقاومة، إنما هي عملية إبادة وتهجير للسكان، وتصفية ممنهجة للوجود الفلسطيني؛ فإن ما يجري في غزة ليس “معركة بالمعنى الذي تعنيه كلمة المعركة، بل هو عدوان من جهة واحدة على شعب أعزل؛ إبادة وتدمير ومحو أحياء ومدن بأكملها من الخارطة”2. الثاني: أن تقييم الباحث بشكل سلبي لقرار الطوفان يستند إلى معايير واقعية ومصلحية، ما يعني أن الأمر يقبل تعدد وجهات النظر، بالتالي من غير الرشيد أن تقدم رأيك في الطوفان باعتباره موقف شرعي، في حين أنه مبني على قراءتك أنت للواقع وتقييمك له، فأين الشرعي هنا. وكان من الضروري أن يحاول الوقوف على المبادئ والمقدمات التي استندت إليها المقاومة في اتخاذ قرار الطوفان. هذا فضلا عن كون قراءة الباحث للواقع، التي استند إليها في بناء فتواه، اتسمت بالانهزامية والسطحية والسذاجة. أن الفتوى التي أعلنها الباحث، وتتفق مع ما أفتى به زعيم الدعوة السلفية السكندرية الشيخ ياسر برهامي عن طوفان الأقصى وسبل التعاطي معه عربيًا وإسلاميًا على مستوى الشعوب والحكومات، جاءت كاشفة عن المِزَاج السلفي المحافظ؛ فهو محافظ من جهة تماشيه مع الموقف السعودي من الطوفان، ومن جهة أنه جاء محكومًا بمنطق صفري، أبيض أو أسود، إما نقض المعاهدة والدخول في حالة حرب، أو الإبقاء عليها مهما تغيرت الظروف وتبدلت السياقات، دون أن يعي أن هناك مسارات لدعم الشعب المحاصر دون نقض المعاهدة، إنما بالضغط على الكيان الإبادي في تل أبيب، عبر استخدام أدوات دبلوماسية واقتصادية وشعبية. الفتاوى المسيسة عند جماعات الإسلام السياسي: الفتوى المسيسة لم يفلت منها أحد، فهي لدى كل ألوان الطيف الإسلاموي3، بل هي ممارسة قديمة، “حتي رصد الجلال السيوطي عددا منها، وحذر النووي والتاج السبكي وغيرهما الفقهاء من تسييس الفتوى، ووقع فيها عدد من الفقهاء بغية مصالحهم السياسية أو المادية، مثل العلامة الجلال البلقيني (ابن شيخ الإسلام سراج الدين)! وأهم من كتب فيها الجويني في غير موضع!”، وهي تكشف اليوم عن أزمة فقهية؛ من جهة أولى، فإن الفقيهُ المستقلّ عن المصالح اليوم غير موجود، الفقيه المستقل عن الحزب/ الطائفة/ الفرقة/ الجماعة/ الدولة، غير موجود، الفقيه المستقل ماديًا يأكل من عمل يده غير موجود!، ومن جهة أخرى، فإن الجميع يسعى إلي التكلم باسم الشريعة وحصرها في جماعته أو دولته، ويرى عيوب غيره وخِلال نفسه، فهو معصوم وخصمه مأفون!4“. في 9 أبريل 2025، أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فتوى5 بشأن “استمرار العدوان على غزة ووقف الهدنة”، يصح اعتبارها خطابًا تعبويًا أكثر من كونها فتوى؛ فقد جاءت مغرقة في المثالية، وأبعد ما تكون عن الواقع؛ فهي تضع الجميع أمام مسؤوليته، لكن أصحابها أنفسهم لا يتوقعون تحققها ولا ينتظرون ذلك، وهذا يعيبها بالضرورة. فالدعوة إلى وجوب جهاد الكيان، والتدخل العسكري ضده، والتوقف عن إمداده بالسلع وعدم تسهيل وصولها إليه، وبناء تحالف من الدول الإسلامية كافة لـ “حماية بلاد الإسلام والدفع عن دينها ودمائها ومقدراتها وقرارها وأعراضها”، ومراجعة المعاهدات معه من طرف الدول الإسلامية، مع تحريم التطبيع، معروف أنها مطالب يستحيل تحققها على الأقل في المدى المنظور، في ظل الواقع العربي الراهن بمشكلاته وتعقيداته وحالة الانهيار في جميع دوله البادية للعيان؛ فالمنطقة والعالم في مرحلة انتقالية، يصعب معها توقع اتخاذ سياسات جذرية وحاسمة في ملفات دقيقة وخطرة.ثم أن مطالبة العلماء بوجوب جهاد العدو، والضغط على حكوماتهم بذلك، ومطالبة الشعوب المسلمة بإمداد إخوانهم في غزة بكل ما يقدرون عليه من الدواء والغذاء والكساء والوقود ونحوها، حتى في حال رفض حكوماتهم، يفتح بابًا واسعًا للعنف الدولتي في مواجهة العلماء والشعوب، عنف قد يقود…

تابع القراءة

عِلاقة المجتمعات المهمشة والدولة..غياب التنمية وسيادة منطق العنف

شهدت الفترة الماضية وقوع توترات بين جهاز الشرطة ومجتمع النجيلة في مطروح، وقبلها، مع أهالي قرية العفاردة بساحل سليم في أسيوط بصعيد مصر؛ هذه التوترات حدثت بشكل أساسي من جرّاءِ العنف العاري من أية شرعية الذي مارسته قوات شرطة بحق أفراد بهذه المجتمعات، وهو ما قاد بالضرورة إلى عنف مضاد. أنكرت الداخلية كما هو معتاد تورط أفرادها في عمليات قتل خارج إطار القانون، لكن شهادات المواطنين أكدت حدوث ذلك. نحاول في هذه السطور استعراض هذه الحوادث مع محاولة طرح تفسيرات لها. الصدام بين الشرطة والمجتمع في مطروح: في مطروح، في 9 أبريل الماضي، قتل ثلاثة أمناء شرطة، هم: عمر المصري، ومحمد حسن سلامة، وكريم محمد خليفة، وجميعهم من قوة المباحث في قسم شرطة النجيلة بمحافظة مطروح، خلال تبادل لإطلاق النار، مع شخص محكوم عليه بالسجن 35 عامًا. فمَا كان من قوات الشرطة هناك إلا احتجاز نحو 20 سيدة من أقارب المشتبه به، بغرض استخدامهن كرهائن في الضغط عليه وعلى أقاربه من أجل تسليم نفسه1.بعد تدخل عدد من الأعيان بالمنطقة، جرى الاتفاق على إطلاق سراح السيدات، مقابل تسليم الشابين يُوسُف عيد فضل السرحاني، وفرج رباش الفزاري (17، 18 عام) كبديل عن السيدات المحتجزات لحين ضبط المتهم، بالرغم من عدم تورطهما في الواقعة الأصلية، فمَا كان من الشرطة هناك إلا تصفية الشابين -حَسَبَ شهود- على طريق مطروح – السلوم، فيمَا أعلنت وزارة الداخلية2 في بيان تصفية الشابين خلال تنفيذ حملة أمنية بهدف اعتقالهما، مع وصفهما بـ “العناصر الإجرامية شديدة الخطورة”3، وهو ما نفاه شهود عيان4، ثلاثة منهم كانوا ضمن المجلس الذي اتفق على تسليم الشابين للحكومة بهدف إخلاء سبيل السيدات5. كما نفت الوزارة في بيان لها، صادر في 11 أبريل 2025، “احتجاز سيدات على خلفية استشهاد أفراد من المديرية أثناء تنفيذهم لأحكام قضائية ضد عناصر إجرامية شديدة الخطورة6“، على الرغم أن خبر احتجاز السيدات ذكره كثير من شهود العيان بالمنطقة، كما ذكره نقيب المحامين الأسبق وأحد أعضاء هيئة الدفاع عن سيدات مطروح ممدوح دربالة، وأشار إليه بيان مجلس العمد والمشايخ في محافظة مطروح. ردًا على ما حدث، عقد مجلس العمد والمشايخ في محافظة مطروح اجتماعًا طارئًا، في 12 أبريل 2025، أسفر عن قرار المجلس بـ (1) تعليق جميع أشكال التعاون مع أجهزة الشرطة بالمحافظة. (2) المطالبة بلقاء عاجل مع رئيس الجمهورية لتوضيح الموقف ونقل صوت أبناء مطروح. (3) الإدانة التامة والمطلقة لأي شكل من أشكال احتجاز النساء أو استخدامهن كرهائن في أي نزاع7. كما أسفر الاجتماع عن تشكيل لجنة (14) بمشاركة نقِابة المحامين هناك، وقد خلصت اللجنة إلى استكمال المسار القضائي ورفض كل الحلول والمسارات الأخرى، والدعم الكامل لهيئة الدفاع، والتعاون الكامل معها، في كل الإجراءات القانونية التي تتخذ حفاظًا على حقوق أولياء الدَّم وشباب الصحراء المغدور بهم، وفي كشف كل التجاوزات والانتهاكات التي وقعت من قٍبل جهاز الشرطة في محافظة مطروح أمام قيادات الدولة ومؤسساتها8. خط الصعيد… المجتمع والشرطة خارج القاهرة: شهدت قرية العفاردة بمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط، في يومي 15 – 16 فبراير 2025، اشتباكات بين قوات الأمن وعائلة هناك، استعانت خلالها الشرطة بوحدة “بلاك كوبرا” المختصة بالعمليات الخطرة، “كما استُخدمت خلال الاشتباكات الأسلحة الثقيلة مثل القذائف المضادة للدروع، ما أسفر عن تدمير جزء من البنية التحتية للقرية”، كما أسفر عن سقوط قتلى من الجانبين9؛ إذ سقط ضابط من قوات الشرطة في أثناء المواجهات، إضافة إلى إصابة 6 آخرين بينهم جنود، من جانب المدنيين سقط محمد محسوب كبير إحدى العائلة التي اشتبكت مع الأمن، وشقيقه، وأحد أولاده، وخمسة من معاونيه، كما قتل 4 من الأهالي، إما لتصادف وجودهم في مواقع الاشتباك أو من جراِء الرَّصاص العشوائي10. وفقًا لبيان وزارة الداخلية فإن القوات داهمت مجموعة من الخارجين على القانون، يتزعمهم محمد محسوب، لكن المجموعة بادرت بإطلاق النار تجاه القوات كما فجروا أسطوانات غاز للحيلولة دون تمكين القوات من الوصول إليهم11. أما الرواية التي يطرحها محمد محسوب، في أكثر من فيديو، فهي أنه بريء من القضايا التي لفقت له، وأن استهدافه وأخوه وأقاربه إنما هي جزء من ممارسات انتقامية يرتكبها ضباط فاسدون12، وأنه متهم في قضايا ملفقة13. الدولة والمجتمعات المهمشة… غياب التنمية وغلبة منطق العنف: تصبح الشرطة خارج القاهرة أكثر تحررًا من القانون، وتستند في تعاملها مع المواطن إلى قواعد عرفية، منها: أن جهاز الشرطة ذات طبيعة قبلية؛ فإذا استهدف أحد أفرادها ثأرت له حتى على حساب الابرياء وخارج إطار القانون. أنها في حالة صراع مفتوح مع المطلوبين للعدالة، فلا مانع من القبض على أقربائه لإجباره على تسليم نفسه، أو هدم منزله ومنازل أقربائه، وتدمير زراعته، وقد شهدنا وقوع بعض هذا الممارسات في أحداث النجيلة الأخيرة في مرسى مطروح، كما شهدناه بصورة سافرة في الأحداث التي انتهت بمقتل محمد محسوب إبراهيم، بمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط، في فبراير الماضي. خلال كل حالات القتل خارج إطار القانون، تحرص وزارة الداخلية على تقديم رواية رسمية، تتجنب فيها الحديث عن أية انتهاكات يمكن أن يكون أفرادها قد تورطوا فيها؛ فتنفي احتجاز سيدات للضغط على المطلوبين وأهلهم، وتنفي تصفية مواطنين خارج القانون، وتنفي أن يكون الأفراد الذين تم تصفيتهم سلموا أنفسهم بشكل طوعي، فيمَا يحرص الإعلام الرسمي وشبه الرسمي على ترويج الرواية الرسمية فـ “الشرطة لا تقتل المدنيين المسالمين”، وأن وزارة الداخلية تحرص بشدة على ألا يصاب طفل أو سيدة من أهله خلال الاشتباك»، وأن المواطن المقتول هو عنصر شديد الخطورة، وأن التصفية نهاية «حتمية لأي حد يرفع السلاح في وش الدولة»14. في حين تؤكد شهادات الأهالي على شيوع الممارسات العنيفة للشرطة في الصعيد، التي تدور بين التصفية والاعتقال والإجبار على شراء السلاح وتسليمه للشرطة، وهدم المنازل وتدمير الأراضي الزراعية، وإجبار الأهالي على تسليم ذويهم، بل واستهداف هؤلاء الأهالي في حال رفضهم الانصياع، عنف الشرطة في الصعيد خلال السنوات الأخيرة تؤيده الأرقام؛ إذ تَبَعًا لِرصد أجراه «مدى مصر» في 12 يناير الماضي، قُتل نحو 42 مواطنًا في صعيد مصر خلال 45 يومًا، في أثناء حملات «الداخلية» على «البؤر الإجرامية»15. ليس هناك ما يبرر عنف الشرطة بحق مجتمعات الأطراف، لكن يفهم فقط في إطار حرص الدولة على إبقاء هذه المناطق تحت السيطرة، في ظل غياب التنمية وتفشي الفقر، وغياب الخِدْمَات، وغياب الدولة نفسها إلا عبر وجهها العنيف؛ إذ أن غياب التنمية وتفشي الفقر يقود إلى شيوع الجريمة وانتشار العنف، ومن ثم فإن السعي لإبقاء الأمور تحت السيطرة إما بتنمية هذه المجتمعات أو استبدال التنمية بالقمع والعنف وهو ما يحدث. الخاتمة: بالتأكيد في دائرة العنف تكون الغلبة لأجهزة الدولة، لكن مع انتصارها تفقد الدولة شرعيتها وهويتها وتصبح مجرد ميلشيا احتكارها هو السبيل الوحيد لبقائها واستمرار سيطرتها؛ وهو ما يجعلها هشه في مواجهة أية تحديات حقيقية. ما…

تابع القراءة

تصاعد الاحتجاجات داخل الجيش الإسرائيلي علي الحرب في غزة: الدوافع والتداعيات

تصاعدت الأصوات المعارضة لاستمرار الحرب في غزة داخل وحدات جيش الاحتلال الإسرائيلي بوتيرة متسارعة الأيام الماضية، والتي تطالب باستعادة الأسرى حتى لو كان ذلك على حساب وقف الحرب، وسط تهديدات من رئاسة الوزراء وقيادة الجيش بفصل الضباط والجنود المنضمين إلى هذه المطالبات. وانضم مئات من وحدات عسكرية جديدة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، والذين يتنوعون بين قوات احتياط يمكن استدعاؤهم للخدمة وآخرين متقاعدين، وبينهم قيادات بارزة سابقة وأكاديميون وأطباء عسكريون، إلى العرائض المطالبة باستعادة الأسرى من قطاع غزة عبر وقف حرب الإبادة على الفلسطينيين1. أولًا: تصاعد الاحتجاجات داخل الجيش الإسرائيلي علي استمرار حرب غزة: نشر 1000 جندي احتياطي حالي وسابق في سلاح الجو الإسرائيلي، في 10 أبريل 2025، رسالة تدعو إلى إعادة جميع الأسرى المحتجزين في قطاع غزة “حتى لو كان ذلك على حساب إنهاء الحرب” على القطاع. ودعت الرسالة، التي وقعها أيضًا رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي السابق دان حالوتس، والقائد السابق لسلاح الجو اللواء احتياط نمرود شيفر، والرئيس السابق لسلطة الطيران المدني العقيد متقاعد نيري يركوني، إلى عودة فورية للأسرى الإسرائيليين، مشيرين إلي أن استمرار الحرب كان “لأسباب سياسية”. وكتب الجنود في الرسالة: “نحن، مقاتلو الطاقم الجوي في الاحتياط والمتقاعدين، نطالب بعودة المختطفين إلى ديارهم دون تأخير، حتى على حساب الوقف الفوري للأعمال العدائية (الحرب)”. وأضافوا: “في هذا الوقت، تخدم الحرب بشكل أساسي المصالح السياسية والشخصية، وليس المصالح الأمنية. إن استمرار الحرب لا يسهم في تحقيق أي من أهدافها المعلنة وسيؤدي إلى مقتل المختطفين وجنود الجيش الإسرائيلي والمدنيين الأبرياء، وكذلك استنزاف قوات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي دون جدوى استراتيجية واضحة”. وتابعوا: “كما ثبت في الماضي، فإن التوصل إلى اتفاق (وقف إطلاق نار في غزة وتبادل أسرى) وحده كفيل بإعادة الرهائن سالمين، بينما يؤدي الضغط العسكري بالأساس إلى قتل الرهائن وتعريض جنودنا للخطر، دون أن يحدث اختراقًا حقيقيًا في مسار إعادتهم (الأسري)”. وفي ختام العريضة، وجه جنود الاحتياط دعوة إلى جميع الإسرائيليين للتعبئة العامة، من أجل المطالبة بوقف القتال الفوري وإعادة الرهائن فورًا، مشددين على أن “كل يوم يمر يعرض حياة المختطفين للخطر، وكل لحظة تردد إضافية تمثل وصمة عار أخلاقية ووطنية”2. أعقب ذلك، توقيع مئات من جنود وضباط الاحتياط بالوحدة 8200 الاستخبارية الإسرائيلية، في 11 أبريل 2025، رسالة تدعو لوقف الحرب على غزة من أجل إعادة الأسرى. وقالت “القناة 13” العبرية التي نشرت نص الرسالة: “وقع مئات جنود الاحتياط في الوحدة 8200 على رسالة وقف الحرب وإعادة الرهائن”. وشدد الموقعون على أن الحرب لا تحقق أهدافها، بل “تزيد من المخاطر على حياة الرهائن والجنود، وتستنزف قوات الاحتياط، وتؤدي إلى تراجع الالتزام بالخدمة”. وجاء في نص الرسالة: “نتفق مع الادعاء الخطير والمقلق بأن الحرب في هذا الوقت تخدم بالأساس مصالح سياسية وشخصية، وليس مصالح أمنية”.​كما ورد فيها: “نحن لا نقبل بواقع يواصل فيه المستوى السياسي الحرب كأمر مسلم به، دون أن يخبر الجمهور ما هي استراتيجية تحقيق أهداف الحرب” واتهموا الحكومة بعدم تقديم أي خطة مقنعة للإطاحة بحركة “حماس” في قطاع غزة، وقالوا: “نرى حماس تسيطر على قطاع غزة وتجند نشطاء جدد في صفوفها، في حين أن الحكومة لا تقدم خطة مقنعة للإطاحة بها”. فيما قالت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية إن حوالي 150 ضابطًا من سلاح البحرية وجهوا رسالة إلى الحكومة دعوا فيها إلى وقف الحرب، مؤكدين أن “59 مخطوفًا لا يزالون في غزة”. ووفق الصحيفة، جاء في الرسالة التي وُجهت إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، وأعضاء الكنيست وقيادة الجيش: “نحن مواطنون قلقون، خدمنا ونخدم كضباط عملياتيين وقتاليين في سلاح البحرية، نشأنا على قيم الجيش والدولة وكرسنا سنوات من حياتنا للدفاع عن الوطن”. وأضافوا: “نشعر بدافع عميق لإسماع صوتنا في هذه اللحظة المصيرية، لا يزال 59 مخطوفًا في أنفاق حماس، والدولة تبتعد أكثر فأكثر عن التزامها بإعادتهم، وندعو إلى وقف الحرب”. وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي: “وقع نحو 100 طبيب عسكري من قوات الاحتياط رسالة تدعو إلى وقف القتال لإعادة المختطفين”. وقالوا في رسالتهم، وفق إذاعة الجيش: “بصفتنا ضباطًا طبيين نخدم في قوات الاحتياط التزامًا بقدسية الحياة، وروح الجيش الإسرائيلي، وقسم الأطباء، وتعبيرًا عن المسؤولية المتبادلة في المجتمع الإسرائيلي، نحذر من أن استمرار القتال والتخلي عن المختطفين يتعارض مع هذه القيم، والتزام القوات الطبية بعدم التخلي عن أي من أبناء شعبنا”. وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي: “بحسب المنظمين فإن الغالبية العظمى من الموقعين هم في الخدمة الاحتياطية الفعلية، ومن المتوقع أن يوقع المزيد على الرسالة في الأيام المقبلة”. ونقلت عن المبادرين لهذه الرسالة (لم تسمهم): ” لدينا ثقة في رئيس الأركان (إيال زامير) وقادة الجيش بأنهم سيرسلوننا فقط في المهام المناسبة، نحن لا ندعو إلى عدم الحضور (الخدمة العسكرية) أو حتى التلميح إليه، سوف نقف دائمًا إلى جانب نداء دولة إسرائيل، ولكننا نريد لبلدنا أن تبقى عيناها مفتوحتين”3. وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي، 14 أبريل، أن نحو 150 جنديًا إسرائيليًا خدموا في لواء غولاني وقعوا علي عريضة تطالب بإعادة الأسرى المحتجزين في قطاع غزة، ولو كان الثمن وقف الحرب فورًا. وقالت الإذاعة إن الموقعين أكدوا في بيان “تأييدهم لرسالة الطيارين الموقعة يوم 9 أبريل الحالي التي تطالب بإعادة الأسرى إلى إسرائيل دون تأجيل، حتى إن كان الثمن وقف الحرب فورًا”. ويعد لواء غولاني من وحدات النخبة القتالية في الجيش الإسرائيلي، وشارك في معظم الحروب التي خاضها جيش الاحتلال منذ تأسيسه4. ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، 15 أبريل، أن 500 من خريجي دورة قادة الاحتياط بسلاح البحرية، وقعوا على عريضة تدعو إلى إعادة الأسرى ووقف الحرب. وأشارت هيئة البث إلى أن من بين الموقعين على العريضة التي تدعو لوقف الحرب “4 من القادة السابقين لسلاح البحرية”. فيما نقلت منصة إعلامية إسرائيلية أن 472 مقاتلًا سابقًا في الوحدات الخاصة في الاحتياط، يؤيدون إعادة الأسرى ووقف القتال في غزة5. وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أن ضباط احتياط وعناصر ناشطون وسابقون في وحدات جمع المعلومات التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” وقعوا رسالة احتجاج، جاء فيها: “نحن نعتقد أن الحرب في هذه المرحلة تخدم مصالح سياسية وشخصية، وليس أهدافًا أمنية. إن استمرار القتال لن يحقق أي هدف من أهدافه المعلنة، بل سيؤدي إلى وفاة مخطوفين وجنود ومدنيين أبرياء. كما نشعر بقلق من تآكل حافز جنود الاحتياط وارتفاع نسب الغياب عن الخدمة العسكرية، وهي ظاهرة مقلقة للغاية”. وأصدر نحو 250 عنصرًا سابقًا في جهاز الموساد، بينهم ثلاثة رؤساء سابقين، بيان دعم لـ”رسالة الطيارين” جاء فيه: “نحن، الذين خدمنا سابقًا في الموساد، نعبر عن دعمنا الكامل لرسالة الطيارين التي تعكس قلقنا العميق على مستقبل الدولة. نضم صوتنا إلى الدعوة للتوصل فورًا إلى اتفاق يعيد جميع الأسرى الـ59 إلى ديارهم، ولو كان الثمن وقف القتال”. كما انضم عناصر سابقون في جهاز الأمن…

تابع القراءة

ملفات زيارة نتنياهو إلي واشنطن: التوافقات والخلافات

وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 6 أبريل 2025، إلى واشنطن في زيارة استمرت يومين، التقي خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب1. وتثير زيارة نتنياهو، وهي الثانية لواشنطن منذ وصول ترامب للحكم من جديد في 20 يناير 2025 تساؤلات كثيرة، خاصة أن زيارته الأولى كانت قبل شهرين فقط (وبالتحديد في 4 فبراير 2025). وشهد الشهران الماضيان تطورات مختلفة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية والأوضاع المتوترة بالشرق الأوسط، إذ أعادت إسرائيل عدوانها على قطاع غزة، وتجمد الحوار حول إنهاء الحرب على القطاع والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة. كما صعدت إدارة ترامب بشدة ضد إيران بما يتعلق بملفها النووي والصاروخي، وشنت واشنطن هجمات شبه يومية على الحوثيين في اليمن. وقبل أيام، شملت التعريفات الواسعة التي فرضها الرئيس ترامب على دول العالم فرض 17% تعرفة إضافية على جميع الصادرات الإسرائيلية إلى أمريكا. يذكر أنه قد تم الاتفاق على هذه الزيارة عبر مكالمة هاتفية، في 3 أبريل، أثناء وجود نتنياهو في المجر، بطلب من نتنياهو لمناقشة التعريفات الجديدة التي فرضها ترامب الذي اقترح أن يأتي نتنياهو إلى البيت الأبيض للحديث عن تلك القضية وغيرها من القضايا الثنائية والإقليمية. وقال مكتب نتنياهو إنه سيناقش مع ترامب “الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق المحتجزين بغزة، والعلاقات الإسرائيلية التركية، والتهديد الإيراني، ومواجهة المحكمة الجنائية الدولية”2. وتحاول هذه الورقة الوقوف علي أبرز ملفات المباحثات بين نتنياهو وترامب (فيما عدا ملف غزة الذي تم تناوله في تقرير منفصل)، وإبراز مواضع الاتفاق والخلاف بين الطرفين حول هذه الملفات. أولًا:: ملف النووي الإيراني: خلال ولايته الرئاسية الأولى، اعتمد ترامب سياسة “الضغوط القصوى” على إيران، إذ أعلن بشكل أحادي انسحاب بلاده من الاتفاق الدولي بشأن برنامج إيران النووي، وإعادة فرض عقوبات على طهران التي ردت بالتراجع تدريجيًا عن التزاماتها ضمن الاتفاق. وزادت العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها ترامب على إيران وإشرافه على عمليات مثل اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليمان من حدة الخلافات ودفعتها إلى حافة المواجهة العسكرية. وعقب عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، عاود ترامب اعتماد سياسة “الضغوط القصوى” تجاه طهران3، والتي تمثلت في: 1- رسالة ترامب: بعث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برسالة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، استهلها بالتعبير عن رغبته في فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، بعيدًا عن سنوات النزاع وسوء التفاهم والمواجهات غير الضرورية التي شهدتها العقود الماضية، كما أبدى استعداده لتحقيق السلام، ورفع العقوبات، ودعم الاقتصاد الإيراني ومع ذلك، لم تخل الرسالة من التحذيرات، حيث تضمنت تهديدات بإجراءات صارمة، بما في ذلك احتمال شن هجوم عسكري وفرض عقوبات إضافية على إيران، في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي خلال شهرين. 2- الموقف الإيراني من التفاوض :وفقًا لوكالة الأنباء الرسمية الإيرانية “إيرنا”، نقلًا عن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ترفض التفاوض بشكل مباشر تحت سياسة الضغوط القصوي حول برنامجها النووي، لكنها منفتحة حول التفاوض بشكل غير مباشر عبر سلطنة عمان كوسيط للتواصل، مشيرًا في ذلك إلى عدم ثقة طهران من إجراء مفاوضات مباشرة مع ترامب نظرًا لانسحابه الأحادي من الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس أوباما عام 2015، وأنه لا جدوي من تلك المفاوضات مثلما ذكر خامنئي ذلك عدة مرات قبل سنوات. 3- رؤية واشنطن: يدرس البيت الأبيض الاقتراح الإيراني بشأن المفاوضات غير المباشرة، حيث يرى البعض أن التوصل إلى اتفاق ممكن، وأن المفاوضات المباشرة تعد أداة أكثر فاعلية، رغم عدم اعتراضهم على دور الوساطة العمانية بين البلدين. في المقابل، يعتبر آخرون أن هذه المفاوضات مجرد مناورة إيرانية لكسب الوقت وتحقيق أهدافها، ويؤيدون توجيه ضربات للمنشآت النووية الإيرانية، إلى جانب حشد قوات عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط تحسبًا لأي تصعيد عسكري محتمل. 4- التحركات الأمريكية: أرسل البنتاجون ست قاذفات من طراز B-2، ما يمثل ثلث أسطول القاذفات الشبحية التابعة للقوات الجوية الأمريكية، إلى جزيرة دييجو جارسيا في المحيط الهندي. وتتميز هذه القاذفات بقدرتها على حمل قنابل تزن 30,000 رطل،مصممة لتدمير الأهداف الصلبة والمحصنة تحت الأرض. كما يشمل الحشد العسكري مقاتلات من طراز F-35، ومن المتوقع وصول مجموعتين من حاملات الطائرات، هما USS Harry S. TrumanوUSS Carl Vinson، خلال الأسبوعين المقبلين، في خطوة وُصفت بأنها رسالة مباشرة إلى إيران، سواء لوقف دعمها للحوثيين في اليمن أو للتوصل إلى اتفاق نووي جديد.  وكثف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضربات الجوية ضد الحوثيين منذ منتصف مارس 2025، وأشار مسؤولون في إدارة ترامب إلى أن الضربات الأمريكية على مواقع الحوثيين في اليمن وجهت رسالة تحذير إلى طهران. 5- قوة  الردع الإيرانية: في ظل التصعيد العسكري، دعت القوات المسلحة الإيرانية إلى توجيه ضربة استباقية للقاعدة الأمريكية البريطانية في دييجو جارسيا، قبل أن تستخدمها الولايات المتحدة لشن هجمات على المنشآت النووية الإيرانية. وأكد مناصرو النظام الإيراني أنه كان ينبغي استهداف الجزيرة، قبل أن تتمركز فيها القوات الأمريكية بمعداتها العسكرية. في المقابل، يقترح بعض الخبراء والسياسيين الإيرانيين إطلاق صواريخ تحذيرية باتجاه الجزيرة دون استهداف أي منشآت، وذلك لإرسال رسالة ردع إلى واشنطن. وتضم القاعدة حوالي 4000 عسكري بريطاني وأمريكي. ومن جانبه، علق المرشد الإيراني علي خامنئيعلى تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن العداء مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليس بجديد، مستبعدًا وقوع هجوم أمريكي، لكنه حذر من رد إيرانيقوي في حال حدوث أي اعتداء. في السياق ذاته، هدد قائد الحرس الثوري الإيراني باستهداف 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، مؤكدًا أن إيران قادرة على ضرب ما لا يقل عن 10 قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في الشرق الأوسط4. ويتصدر الملف النووي الإيراني قائمة القضايا الخلافية بين إيران والولايات المتحدة إذ تشتبه بلدان غربية، تتقدمها الولايات المتحدة، في أن طهران تسعى إلى التزود بالسلاح النووي. وتنفي طهران هذه الاتهامات وتؤكد أن برنامجها النووي مصمم لأغراض مدنية. ولا يخفي ترامب امتعاضه من “النفوذ الإقليمي لإيران” ويرى في دعم طهران لجماعات مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق، تهديدا للاستقرار الإقليمي وحلفاء واشنطن (إسرائيل)5. وفي خطوة مفاجئة، قال الرئيس ترامب، في المؤتمر الصحفي بالبيت الأبيض، الذي أعقب المباحثات الثنائية مع نتنياهو، إن واشنطن وطهران تجريان “محادثات مباشرة”. وأضاف: “نجري محادثات مباشرة مع إيران، وقد بدأت وستستمر، يوم السبت (12 أبريل) لدينا اجتماع مهم للغاية، وسنرى ما يمكن أن يحدث. وأعتقد أن الجميع متفق على أن التوصل إلى اتفاق سيكون أفضل”. وأشار ترامب إلى أنه يفضل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج إيران النووي على المواجهة العسكرية. وقال ترامب: “الجميع موافق على أن إبرام اتفاق سيكون مفضلًا على القيام بما هو واضح، وما هو واضح أمر لا أريد صراحة أن أكون ضالعًا فيه، وبصراحة، لا تريد إسرائيل أن تكون ضالعة فيه إذا ما أمكن تجنبه”6. وبإعلانه إجراء مباحثات مباشرة مع طهران في سابقة، يكون ترامب قد نقل الملف بعيدًا عن مخاطر الصراع العسكري وخفف سياسة الضغوط القصوى التي اعتمدها منذ وصوله إلى البيت الأبيض. ورغم أن إيران أكدت أن المفاوضات ستكون بشكل غير مباشر…

تابع القراءة

هل يوجد خلاف بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية حول الحرب علي غزة؟

جاءت زيارة نتنياهو إلي واشنطن، في 4 فبراير 2025، لتبرز أهمية العلاقات الخاصة والاستثنائية التي تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث كان نتنياهو أول مسؤول أجنبي يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض بعد وصوله الثاني إلى سدة الحكم.وكانت الحرب على غزة محور لقاءات الطرفين التي شارك فيها كبار مسؤولي ملفات السياسة الخارجية الأمريكيين والإسرائيليين، وطرح ترامب للمرة الأولى فكرة تهجير سكان غزة للخارج، وأن تأخذ بلاده القطاع وتطوره كي يصبح “ريفيرا جديدة” في الشرق الأوسط.كذلك ألغى ترامب عقوبات فرضها الرئيس السابق جو بايدن على المستوطنين الذين يرتكبون جرائم ضد الفلسطينيين بالضفة الغربية، وأمر بشحن أسلحة لإسرائيل احتجزها بايدن. شهد الشهران الماضيان منذ زيارة نتنياهو الأولي وحتي زيارته الثانية في 6 أبريل 2025 تطورات عديدة مثيرة ومهمة فيما يتعلق بالحرب الإسرائيلية علي غزة. وبداية انهار اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الذي تم التوصل إليه يوم 19 يناير 2025، برعاية أمريكية قطرية مصرية مشتركة. ونص الاتفاق على 3 مراحل بما يشمل انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من غزة، وهو ما لم يحدث. وخرقت إسرائيل الاتفاق بعد رفضها تنفيذ المرحلة الثانية وطالبت حماس بالإفراج الفوري عن بقية المحتجزين، الأحياء منهم والأموات. وأعادت حربها على القطاع يوم 18 مارس الماضي، وقتلت أكثر من 1300 مواطن وجرحت آلافا آخرين، أضيفوا إلى أكثر من 50 ألف شهيد قتلوا منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة بعد 7 أكتوبر 2023. كما منعت إدخال المساعدات للقطاع منذ أكثر من شهر، في محاولة للضغط على حماس1. وخلال زيارة نتنياهو إلي واشنطن، تصدر ملف الحرب علي غزة محور المباحثات بينه وبين ترامب، ومن المتوقع أن تكون هذه المباحثات قد تركزت حول ثلاثة ملفات رئيسية فيما يتعلق بالحرب علي غزة، تتمثل في: 1- اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسري: خلال الزيارة،التقي نتنياهو مع مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيفن ويتكوف، لإحياء مفاوضات وقف الحرب علي غزة وتبادل الأسري. وبدعم من ويتكوف، سعت إسرائيل لتأمين مرحلة أولى ممتدة من الاتفاق الموقع في يناير يطلق بموجبها المزيد من المحتجزين الأحياء، بدلًا من الدخول بالمرحلة الثانية من الاتفاق التي ستلزمها بإنهاء الحرب والانسحاب الكامل من غزة2. وحسب التأكيدات الإسرائيلية، لا تزال حماس تحتجز 59 شخصًا في قطاع غزة، يقول جيش الاحتلال إن 35 منهم قُتلوا، وتعتقد الاستخبارات الإسرائيلية أن بينهم 22 ما زالوا على قيد الحياة، بينما وضع اثنين آخرين غير معروف. ومن بين المحتجزين 5 أمريكيين3. بينما يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 9500 فلسطيني، يعانون تعذيبًا وتجويعًا وإهمالًا طبيًا، أودى بحياة العديد منهم، بحسب تقارير حقوقية وإعلامية فلسطينية وإسرائيلية. وفي هذا السياق، قالت صحيفة “يسرائيل هيوم” إن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وافقت على إطلاق سراح 5 محتجزين، لكن إسرائيل تصر على الإفراج عن 11 محتجزًا من الأحياء وإعادة 16 جثمانًا وتقديم معلومات عن جميع المحتجزين الإسرائيليين، مقابل وقف القتال 40 يومًا وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين، وهو ما رفضته حماس التي تصر على الالتزام بإنهاء الحرب وإعادة إعمار قطاع غزة. ودعا مقترح المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى وقف إطلاق النار لمدة 40 يومًا مقابل إطلاق سراح 10 أو 11 محتجزًا حيًا، يليه استمرار المحادثات لإنهاء الحرب بشروط تشمل نزع سلاح قطاع غزة وإبعاد حماس عن السلطة، ولكن قيادة حماس تطالب بوقف إطلاق نار يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الحرب وانسحاب إسرائيل من غزة وإعادة إعمار القطاع، حسب الصحيفة4. كما أن الحركة ترفض بشكل قاطع تسليم السلاح وتعتبره خطًا أحمر، وإن كانت تبدي مرونة فيما يتعلق بتراجعها عن حكم غزة. ومؤخرًا، تلقت دولة الاحتلال مقترحًا مصريًا جديدًا لصفقة تبادل أسرى مقابل وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يشمل الإفراج عن ثمانية أسرى إسرائيليين أحياء مقابل وقف لإطلاق النار لمدة تصل إلى 70 يومًا. وذكرت “القناة 12” العبرية أن المقترح المصري “يتضمن إعادة 8 أسرى إسرائيليين أحياء، بينهم الجندي الإسرائيلي الأمريكي عيدان ألكسندر، إضافة إلى جثث 8 أسرى، ويتضمن أيضًا إعادة فتح محور نتساريم، وعودة سكان غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، والنقاش حول المرحلة الثانية، مع ضمانات من الوسطاء”. وأشارت القناة إلى أن “الحديث يدور حول محاولة وساطة للتقريب بين موقف حركة حماس، التي وافقت على الإفراج عن 5 مختطفين، وبين المطلب الإسرائيلي بالإفراج عن 11 مختطفًا”. وتابعت القناة: “ترفض إسرائيل مناقشة المقترح المصري بسبب البند الذي يتطلب مناقشة إنهاء الحرب، وهو الأمر الذي تعارضه إسرائيل بشدة، وحتى الآن تحظى إسرائيل بدعم أمريكي في معارضتها، وتأمل الأطراف أن يساعد لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض في الضغط على إسرائيل”5. وفي المقابل تطالب قيادات حماس بتطمينات لمدى التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار بعد تسليم الرهائن، فتم التوصل لصيغة تقضي بألا يكون تسليم الرهائن الثمانية دفعة واحدة، بل قد يكون الإفراج عن رهينة كل يوم على مدى أسبوع حتى يكتمل العدد المتفق عليه، وأن توقف إسرائيل القصف وتسمح بإدخال المساعدات مع أول تسليم للرهائن، وكذلك الإفراج عن معتقلين في سجون إسرائيل، وبشكل متزامن يتم استئناف المفاوضات من أجل تنفيذ المراحل المتفق عليها في الهدنة الأصلية. لكن الرد النهائي من حماس علي المقترح المصري لم يصل بعد، كما أن الجانب الإسرائيلي يدرس المقترح المعدل، ويبدو أنه سيرد بعد لقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في واشنطن6. وتزامنًا مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن، أجرى قادة مصر وفرنسا والأردن، بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 7 أبريل، مكالمة هاتفية مشتركة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش القمة الثلاثية التي عُقدت في القاهرة، حسب بيان للرئاسة المصرية. وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، إن “القادة الثلاثة ناقشوا مع الرئيس ترامب سبل ضمان وقف إطلاق النار بشكل عاجل في قطاع غزة”. وأكدوا “ضرورة استئناف الوصول الكامل لتقديم المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح جميع الرهائن والمحتجزين على الفور”. وأضاف المتحدث باسم الرئاسة المصرية أن “القادة الثلاثة شددوا على أهمية تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق أفق سياسي حقيقي وتعبئة الجهود الدولية لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، واستعادة الأمن والسلام للجميع، وتنفيذ حل الدولتين”7. ويبدو من زيارة نتنياهو لواشنطن التي جاءت بالتزامن مع القمة الثلاثية بين مصر والأردن وفرنسا أنه في حين يسعي نتنياهو للضغط على الدول الوسيطة، قطر ومصر، من خلال واشنطن؛ للالتزام بالشروط الإسرائيلية في مفاوضات التهدئة وتبادل الأسري مع حماس. فإن هؤلاء الوسطاء يعملون علي محاولة اقناع واشنطن بضرورة الضغط علي إسرائيل لتخفيف شروطها. 2- مخطط التهجير: من المتوقع أن يتناقش نتنياهو مع ترامب حول مخطط التهجير الذي يسرع جيش الاحتلال بتنفيذه عمليًا، فمن المرجح أن تتركز النقاشات حول الخطوة التالية في هذا المخطط، والبحث عن إجابة للسؤالين الملحين: التهجير إلى أين؟ وكيف؟ تشير المؤشرات…

تابع القراءة

عِلاقة الدولة بالمجتمع في صعيد مصر… الملامح ومحاولة للتفسير

هذه السطور محاولة لإثارة النقاش حول العِلاقة المتوترة بين الدولة والمجتمع في الصعيد، توترات وجدت ترجمتها في لحظات الصدام بين الجانبين التي كثيرًا ما تكررت منذ نشأة الدولة الحديث في 1805. نستحضر هنا مشهدين؛ الأول… أحداث العنف في ساحل سليم: حيث شهدت قرية العفاردة بمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط، في يومي 15 – 16 فبراير 2025، اشتباكات بين قوات الأمن وعائلة هناك، استعانت خلالها الشرطة بوحدة “بلاك كوبرا” المختصة بالعمليات الخطرة، “كما استُخدمت خلال الاشتباكات الأسلحة الثقيلة مثل القذائف المضادة للدروع، ما أسفر عن تدمير جزء من البنية التحتية للقرية”، كما أسفر عن سقوط قتلى من الجانبين1؛ إذ سقط ضابط من قوات الشرطة في أثناء المواجهات، إضافة إلى إصابة 6 آخرين بينهم جنود، من جانب المدنيين سقط محمد محسوب كبير إحدى العائلة التي اشتبكت مع الأمن، وشقيقه، وأحد أولاده، وخمسة من معاونيه، كما قتل 4 من الأهالي، إما لتصادف وجودهم في مواقع الاشتباك أو من جراِء الرَّصاص العشوائي2. تدخل الشرطة جاء بعد اندلاع اشتباكات بين عائلتين بالقرية على قطعة أرض، وفي محاولة منها للقضاء على بؤرة إجرامية هناك تتجر في المخدرات والسلاح، وتفرض إتاوات على أصحاب الأعمال، يتزعمها محمد محسوب، البالغ من العمر 40 عامًا، ومطلوبًا في 1200 قضية متنوعة، حصل فيها على أحكام بالسجن والسجن المؤبد بمدد بلغت 191 سنة، وفقًا لبيان وزارة الداخلية فإن القوات داهمت مجموعة من الخارجين على القانون، يتزعمهم محمد محسوب، لكن المجموعة بادرت بإطلاق النار تجاه القوات كما فجروا أسطوانات غاز للحيلولة دون تمكين القوات من الوصول إليهم3. أما الرواية التي يطرحها محمد محسوب، في أكثر من فيديو، فهي أنه بريء من القضايا التي لفقت له، وأن استهدافه وأخوه وأقاربه إنما هي جزء من ممارسات انتقامية يرتكبها ضباط فاسدون4، لكنه قال أنه متهم في قضايا ملفقة5. المشهد الثاني… مقتل شاب على يد ضابط شرطة في الأقصر: في 20 سبتمبر 2020، توجهت قوة أمنية إلى قرية العوامية في محافظة الأقصر، للقبض على شاب شارك في تظاهرات سبتمبر التي دعا لها المقاول محمد علي، فلم تجده، “فاعتدت على عائلته وقام ضابط الشرطة بصفع والده، فمَا كان من ابنه عويس الراوي إلا أن صفع الضابط الذي رد بإطلاق عدة رصاصات في رأسه وأرداه قتيلًا”6. يلاحظ في الحالتين، أن في حالة قرية العوامية قام الأهالي باحتجاز 3 أمناء شرطة احتجاجًا على مقتل عويس الراوي، وفي حالة قرية العفاردة، شيع الأهالي محمد محسوب في جِنازة مهيبة. كما نلاحظ في الحالتين أن الشرطة قطعت الكهرباء عن قرية العفاردة وقرية العوامية كجزء من تكتيكات الضغط والحصار. فمَا ملامح هذا العداء وهل ثمة نظرية لتفسيره؟ سياسات الإفقار التهميش في الصعيد: يعود التوتر في العِلاقة بين الدولة والمجتمع في الصعيد إلى بدايات الدولة الحديثة في مصر، مع وصول محمد علي إلى الحكم7؛ إذ لم يتمكن محمد علي من دخول الصعيد والسيطرة عليه، إلا في 1811، أي بعد مرور 6 سنوات من تقلده السلطة، كما عبر هذا التوتر عن نفسه في احتجاجات شعبية متكررة، وفي ظهور حالات التمرد الفردي. أما عن أسباب التوتر بين الدولة والمجتمع في الصعيد، يمكن الوقوف عليها إذا عرفنا أن طوال سنوات حكم محمد علي “لم تتوقف الحكومة المركزية التي أسسها “الباشا” في القاهرة عن نهب الجَنُوب وجمع الضرائب”؛ وقد حكت الدكتورة زينب أبو المجد في كتابها امبراطوريات متخيلة عن “آلاف الشكاوى التي كانت تعج بها السجلات الرسمية المحفوظة في دار الوثائق القومية وتنم عن عِلاقة شديدة الاضطراب بين الصعيد والحكومة المصرية في القاهرة8“. استمر التوتر في العِلاقة بين الدولة والمجتمع في الصعيد في عهد عبد الناصر، إذ تبنى سياسة التصنيع السريع المتمركزة في القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد، وفي عهد السادات استمر التهميش، إذ يكفي أن نعرف أن نسبة الاستثمارات العامة المخصصة للصعيد في عهده كانت 9% فقط من إجمالي استثمارات الدولة، وهو ما انعكس بدوره على مستوى الدخل، ففي الوقت الذي وصل فيه متوسط الدخل في القاهرة عام 1976 إلى 230 جنيهًا كان المتوسط في محافظة سوهاج بصعيد مصر 135 جنيهًا، وبينما بلغت نسبة العائلات المحرومة من الماء النقي في القاهرة نحو 11.3% فقط، وصلت النسبة في بني سويف إلى 88.4%9. بدأ مبارك عهده وملامح التمييز ضد الصعيد قائمة، وتأثيراتها السلبية مستمرة، “ففي عام 1980 كان نصيب المواطن في سوهاج من الاستثمارات العامة حوالي 6.6% من نصيب المواطن في القاهرة، كما حصل الصعيد كله على إجمالي 17.2% من هذه الاستثمارات بالرغم من أن عدد سكانه كان يتجاوز 32% من إجمالي عدد السكان حينئذ”10. في بداية التسعينيات ومع اندلاع المواجهات المسلحة بين نظام مبارك والجماعات الإسلامية الراديكالية حاولت الحكومة تجريف تربة التطرف في الصعيد عبر التنمية ومكافحة الفقر والبطالة، إلا أن هذه المحاولات لم تلاق النجاح المتوقع، ومن ثم استمر التهميش والفقر؛ حيث أكد تقرير البنك الدولي لعام 2002 ارتفاع نسبة الفقراء في الصعيد من 47.8% عام 1991 إلى 67% عام 200011. في ظل النظام الحالي استمر التهميش، وبقي الفقر ينهش في جسد المجتمع بالصعيد، فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في 2017 – 2018، احتلت محافظة أسيوط المرتبة الأولى على مستوى الجمهورية في الفقر، إذ تبلغ نسبة الفقراء فيها 66.7% من إجمالي السكان، تليها محافظة سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر بنسبة 55.3%، فيمَا يعجز 51.9% من سكان ريف الوجه القبلي، عن تلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغيره12. المجال السياسي الغائب في الصعيد: لا يتمتع الصعيد بوجود مجال سياسي حقيقي ومكتمل، بل يسهل القول أن الصعيد بلدان ليس بها مجالًا سياسيًا، أما المواسم الانتخابية فإن المرشحين فيها يستندون إلى موقعهم الطبقي وعائلاتهم الممتدة وشبكات علاقاتهم الاجتماعية التي يتم توظيفها سياسيًا خلال المواسم الانتخابية، من جراء غياب بِنَى وهياكل سياسية متخصصة، إنما هناك بِنَى اجتماعية مثل العائلة تلعب أدوار سياسية خلال المواسم الانتخابية، وسرعان ما تعود إلى ممارسة أدوارها التقليدية. القِوُى الإسلامية كانت الفاعل الوحيد الذي سعى إلى خلق مجال سياسي في الصعيد، عبر تنظيم احتجاجات تعقيبًا على بعض السياسات، ومن خلال خوض المنافسات الانتخابية بالاستناد إلى هياكل سياسية حقيقية فاعلة -كالأحزاب الإسلامية، المساهمة في استنبات خطاب سياسي يشتبك مع القضايا السياسية، ويحاول بلورة موقف منها، ما ينتج عنه ظهور خطابات سياسية أخرى تناهض الخطاب الإسلامي وتحاول تأسيس خطابات سياسية بديلة. عدم ظهور أو بلورة مجال سياسي في الصعيد يعود بصورة أساسية إلى عدم وجود انتخابات للمجالس المحلية، وكون جهاز الحكم في محافظات الصعيد مكون من موظفين، يخضعون للسلطة المركزية في المحافظات، التي تخضع بدورها للسلطة المركزية في القاهرة، أما الانتخابات البرلمانية كل 4 – 5 سنوات ليست كافية لاستنبات مجال سياسي، خاصة مع التدخلات الأمنية وغياب المنافسة الحقيقة، وغياب الفاعل السياسي مع إقصاء الإسلاميين، في حين تبقى الأدوار السياسية…

تابع القراءة

الموقف الإسرائيلي من مفاوضات المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار في غزة: المحددات والأبعاد

أقرت الحكومة الإسرائيلية اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير 2025، وهي غير متصالحة مع جميع مركباته، وجاء قبولها بضغط من إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عشية تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية. وكانت مقاربة إسرائيل للاتفاق بأنه سينهي حكم حماس وينزع السلاح عن غزة من خلال ربط الإعمار بنزع السلاح. للتذكير في هذا الصدد، فإن الاتفاق الحالي هو مقترح الرئيس الأمريكي السابق، جوزيف بايدن، وكانت إسرائيل قد عارضته وطالبت بتطبيق “المرحلة الأولى” منه، وذلك للحصول على أكبر عدد من المحتجزين الإسرائيليين الأحياء1. أولًا: محددات الموقف الإسرائيلي من مفاوضات المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار في غزة: يفضل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع عليه مكرهًا بضغط من المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وخاصة في مرحلته الثانية والثالثة، لعدة أسباب أهمها: 1- تعد المرحلة الثانية هي المرحلة الأهم في الاتفاق؛ فمنطق الاتفاق برمته قائم على المرحلة الثانية التي من المفروض أن تؤدي إلى وقف مستدام للقتال، وانسحاب القوات الإسرائيلية من محور فيلادلفيا، وتحرير جميع المحتجزين الإسرائيليين، لاسيما الأحياء منهم، بحيث يحقق الطرفان مرادهما: حماس بوقف الحرب، وإسرائيل باستعادة جميع أسراها من قطاع غزة، والتمهيد لبدء مباحثات المرحلة الثالثة حول مستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار. بمعنى أن المرحلة الثانية هي التي ستحدد مستقبل الحرب، لكنها لن تحدد مستقبل قطاع غزة. لا يرغب نتنياهو بهذا المسار للمرحلة الثانية، ويعتقد أن الثمن التي ستدفعه إسرائيل كبيرًا قياسًا بالنتائج. فهي عمليًا سوف تحقق هدفًا واحدًا من أهداف الحرب: إغلاق ملف الأسرى والرهائن الإسرائيليين دون ضمان تحقيق باقي الأهداف (وعلي رأسها القضاء علي حماس سياسيًا وعسكريًا)، مع التأكيد على أن هدف استعادة الأسرى والرهائن، لم يكن يومًا يحتل الأولوية لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية، بل كان الهدف الأخير2. أضف إلي ذلك، فإن المرحلة الثانية تشمل الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، ومنهم من يحمل رتبًا عسكرية عالية. وبالتي يتضمن الإفراج عنهم أن تقبل إسرائيل بإطلاق سراح معظم الأسرى الفلسطينيين المحكومين بالمؤبدات، والذين كانت ترفض الإفراج عنهم سابقًا. وبما أن المرحلة الأولى من الاتفاق تشمل الإفراج عن 33 محتجزًا من مجمل 99 أسيرًا بقوا لدى الفصائل الفلسطينية، فإن المرحلة الثانية تتضمن إطلاق سراح ممن هم على قيد الحياة من بين 66 جنديًا وضابطًا إسرائيليًا، على أن يتم تبادل رفات الموتى منهم في المرحلة الثالثة. وبالنظر إلى مفاتيح التبادل التي شملتها المرحلة الأولى، فإنه مقابل كل مجندة أفرجت عنها فصائل المقاومة الفلسطينية، أطلقت قوات الاحتلال مقابلها 50 أسيرًا من أصحاب المؤبدات والمحكوميات العالية، فإن ذلك يعني أن ما ستقدمه إسرائيل مقابل كل جندي وضابط سيكون أكبر من ذلك، مما سيلاقي معارضة من قبل مكونات الحكومة اليمينية الإسرائيلية “المتطرفة”، وبالتالي وضع عراقيل جديدة أمام استكمال الصفقة3. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “معاريف” عن مصادر في وزارة الجيش الإسرائيلي، إلى أنه “خلال المحادثات التي جرت في الأيام الأخيرة في القاهرة، قدمت حماس مفاتيح جديدة للإفراج عن الأسرى. وتشير التقديرات في إسرائيل إلى أن عدد المختطفين الأحياء يتراوح بين 22 و24”. ونوهت إلى أنه “حتى الآن، كان مفتاح كل رهينة هو عشرات الأسرى الأمنيين. وقالت أن “حماس تطالب بالإفراج عن 500 إلى ألف أسير مقابل كل أسير، وهذا يعني أن حماس تريد إخلاء كافة السجون الإسرائيلية، بما في ذلك عناصر النخبة الذين نفذوا هجوم السابع من أكتوبر”4. 2- فرض تمرير المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار مزيدًا من الهشاشة على استقرار الائتلاف الحكومي، حيث أعاد للمشهد مرة أخرى حالة الابتزاز التي يخضع لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من شركاءه في الائتلاف من الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة، من خلال التهديد بدفع الائتلاف للانهيار عبر الانسحاب منه، ورغم تكرار وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تهديده بالانسحاب طوال فترة الحرب إلا أنه نفذ هذه المرة تهديده وانسحب من الحكومة في أعقاب التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، بينما هدد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بالانسحاب في حال عدم استئناف الأعمال العسكرية بعد الانتهاء من المرحلة الأولى. ويبدو أن الأخير قد أبدى مرونة تكتيكية للحفاظ على الائتلاف ودفعه للاستمرار حتى عام 2026، لقطع الطريق أمام نتنياهو للجوء لشبكة أمان من المعارضة، تعويلًا على فرص تمرير رؤيته اليمينية المتطرفة بشأن التوسع الاستيطاني، وضم أراض جديدة بالضفة الغربية، عبر هذا الائتلاف اليميني المتطرف، وذلك اعتمادًا على مجئ إدارة جمهورية أمريكية مفضلة، وهو ما كان قد عبر عنه سومتريتش في تصريحات له في 19 يناير 2025، لتوضيح موافقته على تمرير المرحلة الأولى من الاتفاق، حيث وصف الظرف الناشئ باعتباره يشكل “فرص تاريخية كامنة في عامين من حكم الحكومة اليمينية المدعومة من إدارة ترامب”، موضحًا هذه الفرص في “منع قيام دولة فلسطينية، وتوسيع اتفاقيات إبراهيم، وتعزيز الهوية اليهودية للبلاد (في إشارة لعمليات الضم المحتملة لأراضٍ جديدة في الضفة الغربية)”. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أنه ربما يعول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ظل هامش الحركة الذي تعزز على خلفية زيارته الأخيرة لواشنطن التي عززت موقفه الداخلي في مواجهة شركاءه خاصة على وقع أصداء تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، على كسب مزيد من الوقت من أجل تمرير ميزانية عام 2025، المتوقع التصويت عليها بالقراءة الثانية والثالثة بحد أقصى في 31 مارس 2025، وهو إجراء يعد بمثابة تصويت بسحب الثقة من الائتلاف إذا ما فشل في تمريره5. وجدير بالذكر هنا، أنه عقب استئناف إسرائيل الهجمات الجوية علي قطاع غزة، في 18 مارس 2025، فقد أعلن حزب النائب اليميني المتشدد إيتمار بن غفير، إنه سيعود إلى حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكان حزب “القوة اليهودية” قد ترك الائتلاف الحكومي بعدما وافق نتنياهو على وقف إطلاق النار في قطاع غزة في يناير 2025. وتمثل عودة بن غفير تعزيزًا للائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو6. 3- التزام نتنياهو بوقف الحرب على غزة والانسحاب التام، حسب الاتفاق، قد يؤدي لانهيار ائتلافه الحكومي، ومن ثم الذهاب لانتخابات برلمانية، ترجح كافة استطلاعات الرأي أنه لن يفوز فيها، بمعنى تحوله إلى أقلية في الكنيست، وخروجه من رئاسة الحكومة، وهذا يشكل له نهاية لحياته السياسية البائسة. كما سيتعرض نتنياهو للجنة تحقيق رسمية، ربما تحمله مسؤولية تاريخية عن الفشل في السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى)، وعن فشله في تحقيق أهداف الحرب المتوحشة على غزة، والتي كان لها تداعيات استراتيجية على إسرائيل داخليًا وخارجيًا7. 4- يستخدم نتنياهو الحرب أداة داخلية لتخفيف الضغط عن الحكومة الإسرائيلية. حيث تعاني من احتجاجات داخلية حادة، وخلافات بين الأجهزة الأمنية، إضافة إلى الضغوط السياسية والدبلوماسية المتعلقة بالحرب. في هذا السياق، يستخدم نتنياهو التصعيد العسكري أداة سياسية داخلية لإعادة توحيد الشارع الإسرائيلي خلف حكومته، وتحويل الاهتمام عن الأزمات الداخلية8، خصوصًا بعد المأزق…

تابع القراءة

المحادثات المباشرة بين الإدارة الأمريكية وحماس: الدوافع والدلالات

أكد البيت الأبيض إجراء إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مباحثات مباشرة مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وكان موقع “أكسيوس” الأمريكي قد أفاد بأن إدارة ترامب تجري محادثات مباشرة مع حماس حول إطلاق سراح أسرى أمريكيين في قطاع غزة، وإمكانية التوصل إلى اتفاق أوسع لإنهاء الحرب. وأشار الموقع إلي أن المحادثات التي أجراها المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المحتجزين آدم بولر، لم يسبق لها مثيل، إذ لم تنخرط أمريكا من قبل بشكل مباشر مع حماس في أي محادثات، منذ أن صنفتها منظمة إرهابية عام 1997. وأضاف أن الاجتماعات عُقدت بين بولر ومسؤولي حماس في الدوحة خلال الأسابيع الأخيرة1. وهو ما أثار التساؤلات حول دوافع الإدارة الأمريكية لإجراء محادثات مباشرة مع حماس في هذا التوقيت، وأسباب موافقة حماس علي هذه المفاوضات، وموقف إسرائيل من هذه المفاوضات. أولًا: الدوافع الأمريكية من المفاوضات المباشرة مع حماس: حرصت الإدارة الأمريكية تقليديًا على تفادي الخوض في محادثات مباشرة مع حركة حماس؛ لأنها تصنفها حركة إرهابية منذ العام 1997، ويردد الساسة الأمريكيون شعار: “نحن لا نتفاوض مع الإرهابيين”، منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بذريعة عدم تعزيز شرعية هذه المنظمات2. فيما أصدرت منذ بداية معركة “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023 عشرات القرارات بحق شخصيات قيادية ومؤسسات محسوبة على الحركة، بتجميد أرصدتها ووضع قادتها على قوائم الإرهاب، مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار وصالح العاروري ومحمد الضيف وشخصيات قيادية أخرى3. وظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدار سنوات تضع شروطا تعجيزية أمام أي حوار مع حماس، أبرزها الاعتراف بإسرائيل، ونزع السلاح، والالتزام بالاتفاقات السابقة مع الاحتلال4. وإن كانت الولايات المتحدة قد خرقت قاعدة “التفاوض مع ما تصنفهم إرهابيين” مرارًا. حيث تفاوضت الولايات المتحدة مع منظمة التحرير الفلسطينية عندما كانت تعتبر تنظيمًا “إرهابيًا”، وقبل زمن طويل من اتفاق أوسلو 1993؛ كذلك، شارك موفدو ترامب في المفاوضات المباشرة مع زعماء طالبان، ووقعوا اتفاقًا في فبراير 2020، يقضي بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، والرئيس بايدن احترم الاتفاق. أيضًا التقى موفدون أمريكيون الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، قبل توقفهم عن اعتباره “إرهابيًا”، وألغوا جائزة العشرة ملايين دولار في مقابل رأسه. وطوال سنوات، امتنعت الولايات المتحدة من إجراء محادثات مباشرة مع حزب الله، لكن مسؤولين أوروبيين رفيعي المستوى، بينهم رئيس الاستخبارات الفرنسية، التقوا كبار مسؤولي الحزب من أجل الدفع قدمًا بوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، ولم تحتج واشنطن على ذلك5. كما كانت الإدارة الأمريكية تتواصل مع حركة حماس من خلال المسؤولين الأوروبيين، أو من خلال مسؤولين سابقين في الحكومة الأمريكية، كالرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. وتسعى الولايات المتحدة من خلال هذا التكتيك أيضًا إلى تفادي تقديم أي التزامات أو مواقف ذات طبيعة ثابتة، فما يقوله الوسطاء أو المسؤولون المتقاعدون غير ملزم للإدارة الأمريكية على العموم6. وفي تحول لافت، فقد أجرت الولايات المتحدة ولأول مرة عبر المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المحتجزين آدم بولر محادثات مباشرة مع كبار مسئولي حماس. وقد جاءت هذه المحادثات مدفوعة بعدة أسباب، أبرزها: 1- جاءت لقاءات حماس وأمريكا التي عقدت في الدوحة في بداية الأمر، لتتجاوز الحوارات غير المباشرة التي تجري بين الاحتلال والحركة عبر وساطة قطرية ومصرية وأمريكية تستهدف الوصول إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعدما انتهت المرحلة الأولى منه. فمع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق مطلع مارس 2025، قامت إسرائيل، في 2 مارس، بإغلاق جميع المعابر المؤدية إلى القطاع لمنع دخول المساعدات الإنسانية والطبية والوقود للقطاع، في خطوة تهدف إلى استخدام التجويع أداة ضغط على حماس لإجبارها على القبول بإملاءاتها، وقد برر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذلك بالقول أن حماس ترفض التجاوب مع مقترح أمريكي لوقف إطلاق نار مؤقت خلال شهر رمضان وعيد الفصح اليهودي7. ويريد نتنياهو تمديد المرحلة الأولى من الاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ في 19 يناير 2025، للإفراج عن أكبر عدد ممكن من الأسرى الإسرائيليين في غزة، من دون تقديم أي مقابل لذلك أو استكمال الاستحقاقات العسكرية والإنسانية المفروضة في الاتفاق خلال الفترة الماضية. في المقابل، تؤكد حماس وجوب بدء مفاوضات المرحلة الثانية التي تشمل وضع حد للحرب والانسحاب الشامل لجيش الاحتلال من غزة، تمهيدًا للمرحلة الثالثة وأساسها إعادة إعمار القطاع المدمر8. وفي هذا السياق، نددت حركة حماس بخرق الاحتلال الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار وعدم الالتزام بجدول الانسحاب المتفق عليه من قطاع غزة. وقالت الحركة – في بيان لها – إن الاحتلال لم يلتزم بالخفض التدريجي لقواته في محور فيلادلفيا خلال المرحلة الاولى، كما لم يلتزم ببدء الانسحاب منه في اليوم الـ42، حسبما ورد في الاتفاق. وأضافت أنه كان من المقرر اكتمال الانسحاب بحلول اليوم الـ50 للاتفاق، وكان يفترض أن يتم ذلك أمس الاثنين (10 مارس 2025). واعتبرت حركة حماس ما جرى انتهاكًا صارخًا وخرقًا واضحًا للاتفاق ومحاولة مكشوفة من الاحتلال الإسرائيلي لإفشاله وتفريغه من مضمونه9. وتعي حماس جيدًا خطورة تمديد المرحلة الأولى دون الدخول في مفاوضات المرحلة الثانية، حيث المخطط الأمريكي الإسرائيلي الرامي إلى تجريد الحركة من ورقة الأسرى التي تعد الورقة الأهم بحوزتها والأكثر تأثيرًا على طاولة المفاوضات الحالية، وعليه تحاول قدر الإمكان المناورة مع واشنطن والوسطاء لإكمال بقية مراحل الاتفاق، رغم ضيق المساحة التي تناور فيها10. 2- وفقًا لما كشفته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، فإن قرار فريق المبعوث الرئاسي الأمريكي لشؤون المحتجزين آدم بولر بإنشاء مسار مباشر للمفاوضات مع حماس جاء، وفقًا لمحادثات الأمريكيين مع المقربين من عائلات الرهائن الإسرائيليين لدي حماس، بناءً على الفهم بأن المفاوضات للإفراج عن باقي الرهائن، سواء في إطار المرحلة الثانية من الصفقة الحالية لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في 19 يناير 2025 أو ضمن اتفاق جديد ومختلف، وصلت إلى طريق مسدود. كما أن احتمال استمرار المرحلة الأولى من الصفقة ليشمل الإفراج عن مزيد من الرهائن يبدو حاليًا ضعيفًا للغاية. وأضافت الصحيفة العبرية أن المسؤولين الأمريكيين تلقوا أيضًا تحديثات تفيد بأن إسرائيل تعد لعملية عسكرية واسعة النطاق وعنيفة جدًا في غزة، ويمكن أن تبدأ بها في أي لحظة. وأشارت إلى أنه، ومع تصاعد المخاوف من أن استئناف القتال قد يعرض حياة الرهائن المتبقين للخطر بشكل فوري وخطير، ويقلل بشكل كبير من فرص استعادة جثث الرهائن الآخرين، قررت الولايات المتحدة محاولة تأمين الإفراج عن الرهائن الأمريكيين، ومن بينهم عدان ألكسندر، آخر رهينة أمريكي- إسرائيلي لا يزال على قيد الحياة، بالإضافة إلى استعادة جثث أربعة إسرائيليين- أمريكيين آخرين. ووفقًا للصحيفة، فقد رفضت الحكومة الإسرائيلية باستمرار تقديم المساعدة للجهود التي كانت تركز على استعادة المختطفين غير الإسرائيليين، لأنها قد تثير غضب بقية عائلات الأسرى الآخرين. ولهذا قررت الولايات المتحدة أن الطريق الصحيح لإنجاح هذا الجهد ـ الذي يبدو أن الوقت ينفد أمامه ـ هو إجراء محادثات مباشرة وعاجلة وسرية مع حماس11. 3- مخاوف…

تابع القراءة

رؤية تحليلية للأخبار السياسية والاقتصادية في العالم العربي والإسلامي والعالمي، ودراسات استراتيجية للوضع السياسي المحلي والإقليمي والعالمي

اشترك في النشرة الإخبارية لدينا لتلقي التحديثات على البريد الإلكتروني الخاص بك

You have been successfully Subscribed! Ops! Something went wrong, please try again.

جميع الحقوق محفوظة لرؤية للتخطيط والدراسات الاستراتيجية ©2022