ما وراء توتر العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر
تمر العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر منذ قدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلي الحكم في يناير 2025 بحالة كبيرة من التوتر علي خلفية عدة قضايا، تتمثل في: أولًا: إقامة قاعدة أمريكية في جزيرتي تيران وصنافير: كشف موقع “مدي مصر”، نقلًا عن مسؤولين أوروبيين ومصريين وإقليميين، أن الولايات المتحدة تتناقش مع حلفائها الإقليميين حول إحداث تغيير جذري في منظومة الأمن بالبحر الأحمر، بما يضعها في طليعة القوى المراقبة لهذا الممر البحري. وتبقى المسألة الأكثر إلحاحًا على أجندة الولايات المتحدة هي التهديد الذي تشكله جماعة الحوثي في اليمن. فمنذ نوفمبر 2023 استهدفت الجماعة على الأقل 100 سفينة تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق، ما أسفر عن غرق سفينتين، والاستيلاء على ثالثة، ومقتل أربعة من أفراد الطواقم. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن، شنت، بالتنسيق مع المملكة المتحدة، غارات على مواقع الحوثيين في اليمن، أما إدارة الرئيس الحالي، دونالد ترامب، فأطلقت، في 15 مارس 2025، حملتها الخاصة على اليمن، تحت اسم عملية “راف رايدر”. وتوعد ترامب باستخدام “قوة فتاكة ساحقة” حتى تتوقف الجماعة المتمردة المدعومة من إيران عن استهداف حركة الشحن في الممر البحري الحيوي. وقد نُفذت في اليوم الأول من الحملة ما لا يقل عن 40 غارة جوية في أنحاء متفرقة من اليمن، خاصة في العاصمة صنعاء ومحافظة صعدة. وبحلول نهاية مارس، وبعد 15 يومًا من بدء الحملة، تجاوز عدد الضربات الجوية أي شهر سابق منذ بدء الضربات الأمريكية في اليمن. وتكبد كثافة الضربات وتواترها، الولايات المتحدة تكاليف مالية باهظة. ووفقًا لشبكة CNN، بلغت التكلفة الإجمالية للعملية العسكرية الأمريكية في اليمن، مع بداية أبريل 2025، قرابة مليار دولار، رغم أن تأثيرها في تقويض قدرات الحوثيين ما زال محدودًا. ومن المرجح أن يلجأ البنتاجون إلى طلب تمويل إضافي من الكونجرس لمواصلة العملية، لكن الموافقة على هذا الطلب تبقى غير مؤكدة في ظل الانتقادات المتصاعدة للعملية داخل أروقة الكونجرس. هذه التكاليف المتزايدة أصبحت مصدر قلق واضح للإدارة الأمريكية، ويمثل هذا أحد جوانب ما “تتوقعه في المقابل”. وفي أوائل أبريل 2025، طالب ترامب انخراطًا عسكريًا وماليًا أكبر من مصر في المعركة ضد الحوثيين، معتبرًا أن أي دعم لوجيستي يمكن أن تقدمه مصر للهجمات الأمريكية في اليمن ليس كافيًا لواشنطن. من جانبها، أوضحت مصر أنها لا تملك الموارد المالية اللازمة لتقديم دعم مادي. وعندما رفضت مصر تقديم دعم مالي للمهمة الأمريكية في مارس 2025، أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية السفارة المصرية في واشنطن أنها ستعيد النظر فيما ستطلبه من القاهرة في المقابل. وبحسب الفهم السائد في القاهرة هو أن تصريح ترامب بأن على مصر السماح بمرور السفن الأمريكية في قناة السويس مجانًا، هو نتيجة مباشرة لهذا الطلب السابق. إلا أن هذا الطلب وضع مصر في مأزق لأن الاستجابة له قد تفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى، ما قد يقوض أحد أهم مصادر الدخل القومي التي تعتمد عليها مصر، وهي إيرادات القناة. ورغم عدم صدور موقف رسمي من القاهرة، فإن مصر لم تعلن رفضها الطلب، لكنها شكلت لجنة لدراسة كيفية الرد على الطلب الأمريكي. ورغم الضغوط التي تواجهها مصر للمشاركة في العمليات ضد اليمن، سواء من الولايات المتحدة أو من حلفائها الخليجيين، وخاصة السعودية والإمارات. ورغم تأثر مصر بشكل مباشر من تعطل حركة الملاحة في البحر الأحمر، فإنها تدرك أن المطالب الأمريكية والخليجية تهدف بالأساس إلى حماية مصالح تلك الأطراف أكثر من كونها سعيًا لاستعادة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس. كما أن القاهرة لا ترغب في تكرار الورطة التي وقعت فيها في ستينيات القرن الماضي عندما دعمت قوات الجمهورية العربية اليمنية الثورية، خصوصًا بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها مصر في هذه الحرب. ناهيك عن أن الحوثيين في اليمن ليسوا قوة يمكن هزيمتها بسهولة، بالنظر إلى طبيعة اليمن الجغرافية، وسيطرتهم على البلاد منذ 2015، وتحكمهم في إمكاناتها، وطردهم للحكومة الشرعية، إلى جانب الدعم الواسع الذي يتلقونه من إيران ودول أخرى مثل الصين. كذلك، فإن مصر تري أن الولايات المتحدة هي من بدأت الحرب مع الحوثيين دعمًا لإسرائيل، وكان الأجدر بها، قبل أن تطلب الدعم من أصدقائها وحلفائها في المنطقة، أن تضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على غزة وسوريا ولبنان. ولذلك؛ رفضت مصر المشاركة عسكريًا في الحملة الأمريكية علي الحوثيين، واكتفت بعرض تقديم المشورة بشأن المخاطر الأمنية المتصاعدة في البحر الأحمر. وفي ضوء هذا الرفض المصري للمشاركة المباشرة بالضربات الجوية على اليمن، فإن السعودية عرضت السماح للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية على جزيرتي تيران وصنافير، الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، بهدف تولى الجيش الأمريكي تأمين قناة السويس ومنع دخول أي سفن مشبوهة يحتمل استخدامها في نقل أسلحة ومعدات عسكرية إلى قطاع غزة أو الأراضي اللبنانية، خاصة تلك القادمة من إيران. ومن المتوقع أن يكون هذا المقترح السعودي على جدول أعمال زيارة ترامب المرتقبة إلى السعودية في منتصف مايو 2025. ويتمثل أحد الأهداف الأساسية لهذا المقترح هو حصول السعودية على حماية أمريكية في حال تعرضها لأي هجوم. وتثير المقترحات الجديدة الخاصة بإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة انقسامًا داخل دوائر صنع القرار في القاهرة، إذ عبر بعض المسئولين عن رفضهم التام بشأن وجود عسكري أمريكي محتمل لعدة أسباب، تتمثل في: في حين أشار آخرون إلي أن مصر ليست في موقع يمكنها من رفض الطلب السعودي بشكل قاطع، وأنها قد تضطر في نهاية المطاف إلى البحث عن سبل تضمن تحقيق بعض التنازلات لصالحها حيث قد تطلب مصر في المقابل السماح لها بتعزيز وجودها الأمني على الساحل الشرقي لجنوب سيناء. وفي السياق ذاته، فإن وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، ناقش خلال زيارته إلى السعودية، الأسبوع الماضي، مع المسؤولين في المملكة مسألة تفعيل “منتدى البحر الأحمر” المؤجل، حيث أعد الجانبان سلسلة من الاتفاقيات الأمنية المتعلقة بالبحر الأحمر، يرغبان في توقيعها خلال الاجتماعات. وكانت مصر وافقت في 2016 على نقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية، في خطوة رأت فيها القاهرة فرصة لتعزيز العلاقات الثنائية وجذب الاستثمارات السعودية، لكنها أثارت موجة احتجاجات واسعة داخل البلاد ومعركة قانونية طويلة. ونُظمت التظاهرات يوم عيد تحرير سيناء، ذكرى انسحاب إسرائيل من شبه الجزيرة في 1982، ووصف بعض النشطاء الخطوة على مواقع التواصل الاجتماعي بـ”الخيانة العظمى”. ورغم مصادقة البرلمان رسميًا على الاتفاقية وتوقيع الرئيس عليها، فإن عملية نقل السيادة لم تُستكمل، ما أدى إلى فتور في الدعم السعودي بعدما كان أكثر سخاءً فيما مضى. ففي عام 2023، لم تكن القاهرة قد توصلت بعد إلى اتفاق مع الرياض وتل أبيب بشأن مضمون الرسائل الرسمية المتبادلة التي يفترض أن تُستكمل بها عملية نقل السيادة بشكل نهائي، كما أن تفاصيل الترتيبات الأمنية التي يجب أن تسبق صياغة هذه الرسائل لا تزال محل خلاف. حيث أن…