فوضى سوق العقارات في مصر.. قراءة تحليلية (1/2)
لسوق العقارات المصري أهمية كبرى في الاقتصاد القومي؛ لأنه يمثل نحو 60% من قيمة الاستثمار والإنتاج الكلي في الدولة، بعد أن كان يمثل نحو 48% منذ عشر سنوات، وبما له من دور رئيسي في تشغيل القوى العاملة من كافة الوظائف والمهن.[[1]] ويؤكد الدكتور أحمد شلبي، رئيس مجلس إدارة شركة تطوير مصر، أن الأسعار ارتفعت بنسبة 30% في أعقاب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، مطالبا بدعم السوق العقاري، الذي تحمل كثيرا من الصدمات والأزمات، وحقق مبيعات تصل إلى 250 مليار جنيه خلال عام واحد فقط، وهو مؤشر على قوة وحجم السوق الذي شهد معدل نمو بمعدل 25% في 2021م.[[2]] وما ذلك فإن هناك حالة من الفوضى التي تضرب قطاع العقارات المصرية وهي الفوضى التي تتخذ أبعادا وأشكالا مختلفة. أولا، أكثر من مائة مليون مصري يعيشون على شريط حول النيل لا يتجاوز نحو 10% من المساحة الإجمالية، بينما تبقى 90% من مساحة مصر غير مستغلة على نحو صحيح لأنها أرض صحراوية. لكن العجيب حقا هو الارتفاع الجنوني في أسعار الأراضي المخصصة للبناء؛ فسعر المتر على أطراف المدن بالصحراء يتجاوز أكثر من 20 إلى 30 وربما 50 ألف جنيه؛ بما يؤكد أن هناك خللا في منظومة العمران، انعكس هذا الخلل على أسعار الوحدات السكنية لتصل إلى مستويات مماثلة في الجنون وتفوق قدرات ودخول الغالبية الساحقة من الناس. وبالتالي لم يعد يلجأ إلى الاستثمار في العقارات والوحدات السكنية والأرض إلا فئة محدودة من الأثرياء الذين يملكون فوائض مالية تسمح لهم بالدخول في مثل هذا النوع من الاستثمار. لهذه الأسباب؛ فإن أشكال الدعاية المبهرة للمدن الجديدة والفيلات والمنتجعات الفخمة التي تقوم بها شركات التطوير العقاري عبر شاشات التلفاز على فضائيات المخابرات لا تستهدف سوى نحو 10% فقط من السكان، وهم الطبقة التي تعيش حياة فاحشة الثراء والرفاهية. وأمام جنون أسعار الأرض والعقارات والوحدات السكنية اضطرت أعداد كبيرة من الفقراء إلى البناء على الأراضي الزراعية بأطراف المدن والقرى، وهؤلاء شن النظام عليهم حربا ضارية وهدم آلاف المنازل والبيوت بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون رقم 17 لسنة 2019م الخاص (التصالح في مخالفات البناء)! ثانيا، نظريا تحتاج مصر التي يبلغ عدد سكانها نحو 103 ملايين نسمة إلى نحو 30 مليون وحدة سكنية للوصول إلى حد الكفاية، لكن الأرقام تؤكد أن السوق المصري يمتلك فعليا ــ طبقا لتصريحات ناجي السرجاني المتحدث باسم مصلحة الضرائب العقارية في يناير 2022م ــ نحو 58 مليون وحدة عقارية حتى نهاية 2021م، منها 45 مليون وحدة سكنية، ونحو 15 مليون وحدة أخرى لأغراض غير سكنية.[[3]] معنى ذلك أن مصر لا تحتاج أصلا للمدن الجديدة التي يهدر عليها السيسي آلاف المليارات؛ فالسوق العقاري متخم بالأساس وفائض عن الحد وفقا لهذه الأرقام الرسمية. من جهة ثانية، فإن هذه الأرقام تكشف أن شريحة الأثرياء تستحوذ على نحو 50% من أعداد العقارات مع الفارق طبعا في التكلفة والمساحة كشكل من أشكال الاستثمار أو الادخار. من جهة ثالثة فإن هذه الأرقام تؤكد حالة الفوضى العقارية؛ فإذا كانت مصر تحتاج سنويا نحو 600 ألف وحدة سكنية استنادا إلى (تصريحات وزير المالية أن بين 500 و650 ألف عقد بيع للوحدات السكنية يتم سنوياً، يتم تحصيل نحو 8.5 مليارات جنيه منها). فهذه الأرقام تبرهن على وجود فجوة بين الموجود ومعظمه غير معروض لأهداف استثمارية وادخارية ، وبين المطلوب وليس كله متاح، فقطاع كبير من الشباب الباحثين عن السكن لا يستطيعون الحصول عليه سواء لعدم القدرة المالية أو لعدم كفاية المعروض الحكومي، فى حين يوجد ملايين الوحدات يتم شراؤها بغرض الاستثمار المالي فيها بدعوى الاستثمار العقاري، والغرض منها تحقيق عوائد مالية بإيجارها لإعادة بيعها وتحقيق أرباح.[[4]] ثالثا، رغم هذه التخمة في الوحدات السكنية القائمة بالفعل، والتي تفوق الطلب بمراحل، إلا أن معظم هذه الوحدات لا تسهم في حل المشكلة السكانية؛ لأنها مملوكة لشريحة الأثرياء الذين يستهدفون بها الاستثمار وتحقيق أعلى العوائد والأرباح. ورغم هذا الحجم الهائل (58 مليونا) من الوحدات السكنية التي تزيد عن الحد فإن أسعار الوحدات السكنية تشهد ارتفاعات جنونية تفوق دخول معظم المصريين الذين تتراجع دخولهم بفعل الغلاء الفاحش والتضخم المتزايد وتراجع قيمة العملة المصرية. أسهم في زيادة الأزمة تداعيات تفشي جائحة كورونا من جهة منذ بداية سنة 2020، ثم تداعيات الحرب الروسية الأكرانية في منذ أواخر فبراير 2022م. هذه التداعيات أدت إلى توقف معظم شركات التطوير العقاري عن البيع إلى حين احتساب التكاليف الإنشائية واستقرار الأسعار، لا سيما بعد الارتفاعات القياسية لأسعار مواد البناء منها الحديد الذي ارتفع من 9950 جنيها في 2020 إلى 20 ألف جنيه حاليا في إبريل 2022، وارتفع الأسمنت من 720 جنيها في 2020 إلى 1500 جنيه حاليا، بخلاف القفزات في أسعار الرمل والزلط والطوب والجير والسيراميك والعمالة وغيرها. وحسب دراسات حديثة، آخرها أطلقها المركز المصري للدراسات الاقتصادية، حذر فيها من “مواجهة القطاع العقاري لأزمة نتيجة زيادة المعروض، مع تراجع القدرة الشرائية للمصريين، بما أدى إلى تباطؤ البيع في أسواق التجزئة”. رابعا، من أجل إجبار شركات المقاولات على العمل في مشروعات التشييد والبناء التي تشرف عليها الدولة، ممثلة في الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ووزارة الإسكان، وذلك وفق الشروط والأسعار التي تحددها، وإفساح المجال لبيع الوحدات السكنية في المدن العمرانية الجديدة والعاصمة الإدارية، عوضاً عن حظر البناء في منازلهم وأراضيهم، أو التعاقد مع شركات المقاولات والتنمية العقارية الخاصة.[[5]] ضرب السيسي قطاع المعمار في مقتل بحظر الحكومة البناء منذ 25 مايو 2020م، حيث كلف اللواء محمود شعراوي وزير التنمية المحلية كل المحافظين بوقف إصدار التراخيص الخاصة بإقامة أعمال البناء أو توسعتها أو تعليتها أو تعديلها أو تدعيمها للمساكن الخاصة في القاهرة الكبرى والإسكندرية وكافة المدن الكبرى. كما نص القرار على إيقاف استكمال أعمال البناء للمباني الجاري تنفيذها لحين التأكد من توافر الاشتراطات البنائية والجراجات وذلك اعتباراً من يوم الأحد 24 مايو (2020) ولمدة 6 أشهر.[[6]] وهو القرار الذي لا يزال يتم العمل به حتى اليوم انتظارا لقانون اشتراطات البناء الذي كان يفترض صدوره في منتصف 2021، لكن ذلك لم يحدث. وفي 28 ديسمبر 2020م، أصدرت الحكومة تعديلات قانون البناء وتحديد الاشتراطات الجديدة، لكن مشروع القانون لا يزال قيد البحث داخل لجان البرلمان بعد اعتراضات كثيرة تتعلق بالصعوبة الشديدة في تطبيق هذه الاشتراطات التي تمثل شكلا من أشكال الحصار الحكومي وتقييد البناء تحت لافتة محاربة العشوائية.[[7]] واستثنى قرار وزارة التنمية المحلية بوقف تراخيص البناء لحين صدور قانون اشتراطات البناء الجديدة المشروعات التي تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة التي يطلق عليها النظام (المشروعات القومية الكبرى!)، وكذا المنشأة الصناعية والسياحية، ومشروعات شركات التطوير العقاري، وشركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، والقطاع الخاص بوزارة الإسكان والمدن الجديدة، واستمرار العمل بها بصورة طبيعية. وهو ما يعني…