الدور الأمريكي في الانقلاب على الرئيس مرسي
كان الموقف الأمريكي من انقلاب 03 يوليو 2013م مركزيا يتجاوز حدود الانحياز ليصل إلى الضلوع والتورط وفقا للشواهد والتصريحات والأدلة والبراهين، وكان للسفارة الأمريكية بالقاهرة والسفيرة آن باترسون التي تولت منصبها في 2011 وغادرت في أعقاب مذبحة رابعة دورا محوريا في إدارة الدفة وتوجيه جميع الأطراف التي وظفتها واشنطن (الجيش ــ الشرطة ـ القضاء ــ الإعلام ــ الكنيسة ــ العلمانيون ــ أموال الخليج) من أجل تحقيق هدف واحد هو نسف الثورة المصرية والعصف بالمسار الديمقراطي الوليد وإعادة الجيش إلى حكم البلاد منفردا في نسخة أكثر عنفا وتطرفا وفسادا. توزعت أدوار المؤسسات الأمريكية من أجل إنجاح الخطة؛ فباترسون كانت تتواصل بشكل وثيق مع المعارضة العلمانية في القاهرة وتوجههم باستمرار نحو إثارة حالة من الهيجان والرفض والتشكيك في كل إنجاز وتشويه صورة المسار والرئيس، وهي من كانت حبل الربط بينهم وبين الجيش. بينما كان البنتاجون على تواصل مستمر مع السيسي وكان الخط الساخن بين تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي وقتها، والسيسي لا يتوقف وتستغرق المكالمات بينهما ساعات طوال، وعندما وقع الانقلاب تواطأت الإدارة الأمريكية وتجاهلت الموقف عمدا وامتنعت عن وصفه بالانقلاب وضغطت على مرسي وحكومته من أجل التسليم بالانقلاب والقبول به، من أجل تواصل الدعم الأمريكي للسلطة العسكرية الجديدة، ومنح السيسي شرعية لانقلابه؛ لكن ذلك لم يحدث، فباركت واشنطن المذابح التي وقعت ولم تفعل شيئا سوى الاستنكار الباهت بينما كان السلاح الذي يستخدمه الانقلابيون في المذابح أمريكيا. إزاء ذلك، ما كواليس وحدود الدور الأمريكي في الانقلاب؟ وما الخفايا التي قامت بها السفيرة آن باترسون؟ ولماذا جيء بها خصيصا للقاهرة في هذه الفترة الحرجة؟ وما دلالة ذلك؟ وما أهداف واشنطن من رعاية الانقلاب والإشراف عليه؟ وما علاقة ذلك بالمصالح الأمريكية وأمن الكيان الصهيوني؟ وما أهم الدروس التي نستخرجها من هذه التجربة رغم مرارتها؟ دور باترسون والسفارة أولا، يحمل قرار الإدارة الأمريكية بتعيين آن باترسون سفيرة في القاهرة في أغسطس 2011م بعدا مهما للغاية؛ ذلك أن باترسون كانت سفيرة لواشنطن في باكستان خلال الفترة من 2007 حتى 2010، وبذلك تكون باترسون قد انتقلت من أكثر مناطق العالم سخونة في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب إلى القاهرة. في إشارة لا تخفى دلالتها؛ فقد كانت باترسون تملك خبرة كافية في التعامل مع الحركات الإسلامية وتقود غرفة العمليات الأمريكية ضد تنظيمات القاعدة وطالبان، بعد الإطاحة بحكم الأخيرة بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في أعقاب تدمير مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001م. ورغم الاختلاف بين المشهدين في كل من الشرق الأقصى (أفغانستان ــ باكستان) والشرق الأوسط (مصر)، إلا أن القرار الأمريكي بتعيين باترسون ذات الخبرات الكبيرة في الحرب ضد التنظيمات الإسلامية المسلحة هو رسالة واضحة بأن واشنطن تعتبر الساحة المصرية بعد الثورة ساحة حرب جديدة ضد الإرهاب وأن النفوذ الأمريكي فيها بات مهددا على نحو خطير، لا سيما في ظل تقديرات الموقف التي أجمعت على أن الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان هم أكثر التنظيمات الشعبية حضورا وجاهزية لحكم البلاد بإرادة الشعب الحرة مع دخول البلاد تجربة ديمقراطية جديدة في أعقاب الإطاحة بمبارك. مصدر الخطورة على النفوذ الأمريكي هنا أن الإخوان سوف يهددون المعادلة الأمريكية المستقرة في مصر والمنطقة منذ اتفاقية كامب دفيد سنة 1978م، والتي تضع في الاعتبار حماية المصالح الأمريكية وعلى رأسها الأمن الإسرائيلي باعتباره أولوية مطلقة في السياسية الخارجية الأمريكية، وصعود الإخوان هو أكبر تهديد للمصالح الأمريكية والمشروع الإسرائيلي في المنطقة وهو المشروع الذي تراعاه الولايات المتحدة منذ نشوئه في مايو 1948م وتمده بكل أسباب الحياة والديمومة والقوة. ثانيا، معروف عن “باترسون” عداءها الشديد للإسلاميين والإخوان على وجه الخصوص؛ وفي حوار مع صحيفة «جلوبال بوست» الأمريكية فى شهر أكتوبر عام 2011، أعلنت “آن باترسون” رفضها لقاء أعضاء الإخوان المسلمين بسبب عدم ارتياحها. وعندما سئلت عن ذلك في إبريل 2012م أجابت: «أعتقد أن ذلك كان تصريحاً مبكراً، ولكن الأمر قد تغير بعد الاندماج فى العملية السياسية، والتحاور مع مختلف أطياف الأحزاب السياسية بمصر، للتعرف بشكل أكبر عليهم، وذلك بحكم المصالح الاستراتيجية الكبرى لنا فى البلاد، ومجدداً فالأمر يعود فى النهاية إلى رغبة الشعب فى تحديد مصيره، والقرار لا يرجع لنا على الإطلاق».[[1]] ثالثا، المدة التي قضتها “باترسون” في القاهرة، هي أقصر مدة قضاها سفير أمريكي بمصر؛ حيث مكثت سنتين فقط، بدأت في أغسطس 2011 في أعقاب الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك بشهور قليلة وحكم المجلس العسكري خلال الفترة الانتقالية، وانتهت في أغسطس 2013م؛ حيث تم سحق الثورة وإجهاض التحول الديمقراطي؛ معنى ذلك أن باترسون جاءت إلى القاهرة والثورة في حالة صعود وانتشار، وتركتها والثورة في حالة جمود وانكسار، وهذا هو جوهر المهمة التي كُلفت بها باترسون من البيت الأبيض (القضاء على الثورة المصرية تماما وإجهاض حلم المصريين في نظام حكم ديمقراطي رشيد، وسحق الإسلاميين الذين يمثلون مركز القوة والمناعة في المجتمع المصري ضد المصالح الأمريكية). جاءت باترسون إلى القاهرة والثورة في حالة قوة وانتشار؛ حيث الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2011، ثم مؤامرات الدولة العميقة وحل البرلمان والإعلان الدستوري المكمل وانتخابات الرئاسة في يونيو 2012م، والحرب التي خاضها معسكرة الثورة ضد الدولة العميقة التي كانت تعرقل كل خطوات التحول الديمقراطي، والحرب التي شنها العلمانيون على المؤسسات المنتخبة ثم أحداث الاتحادية وصولا إلى مشهد الانقلاب في 03 يوليو، ومذابح الحرس والمنصة ورابعة والنهضة وغيرها، كل هذه الأحداث الساخنة جرت أثناء وجود آن باترسون على رأس السفارة الأمريكية بالقاهرة. ولم تترك باترسون منصبها إلا والثورة في حالة هزيمة وانكسار بعدما تمكن الجيش والدولة العميقة من السيطرة المطلقة على البلاد من جديد. في وجود باترسون جرت كل هذه الفظائع والمذابح وتم نسف جميع المؤسسات المنتخبة بإرادة الشعب الحرة (البرلمان ـ الرئيس ـ الدستور)، وتم سحق الإسلاميين بوصفهم مصدر الخطر الأكبر على المشروع الأمريكي الإسرائيلي في مصر المنطقة. رابعا، خلال هذه الفترة كانت تحركات باترسون والسفارة الأمريكية متناغمة تماما مع التوجهات الأمريكية غير المعلنة (إجهاض الثورة والمسار الديمقراطي ــ تمكين الجيش والدولة العميقة ــ سحق الإسلاميين ــ إعادة عقار الساعة إلى الوراء ما قبل 25 يناير 2011). في سبيل تحقيق هذه الأجندة الخفية جرى استخدام أدوات كثيرة، أبرزها تشكيلات وكتائب الدولة العميقة داخل مؤسسات الدولة (الجيش ــ الشرطة ــ القضاء ــ الإعلام)، كما تم توظيف ورقة العلمانيين ليمثلوا غطاء كثيفا من الهيجان والفوضى والمظاهرات والتصريحات والحرب التي لا تتوقف ضد الإسلاميين وحتى ضد إجراءات التحول الديمقراطي والتشكيك فيها وعدم التسليم بنتائجها بخلاف تشويه كل إنجاز، وتكوين حاضنة جماهيرية لقرارات الدولة العميقة التي تنسف كل إجراءات التحول الديمقراطي باستمرار وتنسف كل المؤسسات المنتخبة وسط ترحيب ومباركة من العلمانيين. كما تم توظيف الكنيسة، لإبراز المخاوف باستمرار من حكم الإسلاميين وتسخين ملف الفتنة الطائفية وكان رعاياها هم السواد الأعظم في حشود 30 يونيو. ولإنجاح كل…