الاتفاقية الأمنية بين السعودية وأمريكا وآفاق التطبيع مع اسرائيل
منذ نهاية أبريل الماضي توالت التقارير الصحفية المتعلقة بإبرام اتفاقية أمنية دفاعية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، عقب اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين أنتوني بلينكن والأمير فيصل بن فرحان، على هامش الاجتماع الخاص لمنتدى الاقتصاد العالمي في الرياض. لقاء الوزيرين كان مناسبة رسمية لإعلان “قرب” توقيع الاتفاقية من دون إعطاء المزيد من التفاصيل حول الموعد أو حول نوعية الاتفاقية، ذلك أن لواشنطن أنواعا مختلفة من الاتفاقيات الدفاعية التي تبرمها عادة مع حلفائها، إذ لا تتشابه تلك الاتفاقيات لا في البنود ولا في التعهدات. من جانب واشنطن، أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أمام لجنة بالكونغرس، أن إبرام الاتفاقيات الأمنية والدفاعية مع السعودية قد يتم “بعد أسابيع”، وتشمل الاتفاقيات مجالات الطاقة النووية والتعاون الأمني والدفاعي ضمن مساعي اتفاق أوسع للتطبيع بين الرياض وإسرائيل. وفي حديثه خلال جلسة استماع بمجلس النواب، حذر بلينكن في المقابل من أنه لا يمكن الشروع في عملية التطبيع على نطاق أوسع، ما لم يتحقق هدوء في غزة وما لم يُعبَّد طريق لإقامة دولة فلسطينية. وقال بلينكن أمام لجنة المخصصات بمجلس النواب: “هذه الاتفاقيات من حيث المبدأ قريبة جدا من الاكتمال. الآن بالطبع سنأتي إلى الكونغرس بها حين تكون جاهزة للمراجعة، لكننا، ربما نكون على بعد أسابيع من القدرة على إنجازها“. وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بحث مع مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان “الصيغة شبه النهائية لاتفاقيات استراتيجية بين الرياض وواشنطن وكذلك سبل إيجاد مسار ذي مصداقية نحو حل الدولتين في فلسطين.. وذكرت وكالة الأنباء السعودية الأحد 19 مايو 2024، أن ولي العهد السعودي ومستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان التقيا في مدينة الظهران السعودية لبحث “الصيغة شبه النهائية” لاتفاق بين واشنطن والرياض. وجاء في بيان أنه جرى خلال اللقاء “استعراض العلاقات الاستراتيجية بين البلدين وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، كما تم بحث الصيغة شبه النهائية لمشروعات الاتفاقيات الاستراتيجية بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية التي قارب العمل على الانتهاء منها“. مضمامين الاتفاق وتأتي المباحثات في أعقاب تقارير ذكرت أن البلدين على وشك التوصل إلى اتفاق بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية ومساعدة واشنطن للرياض في مجال الطاقة النووية المدنية، بيد أن اتفاق التطبيع الإسرائيلي السعودي المأمول في إطار “صفقة كبرى” في الشرق الأوسط لا يزال بعيد المنال. وبحث الأمير محمد بن سلمان وسوليفان الحاجة إلى إيجاد “مسار ذي مصداقية نحو حل الدولتين” لإسرائيل والفلسطينيين وضرورة وقف الحرب في غزة وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية. والسعودية، باعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم، لا تبدو مرشحا بارزا لإبرام اتفاق نووي عادة ما يهدف إلى بناء محطات طاقة لتوليد الكهرباء. لكن المملكة تسعى إلى توليد قدر كبير من الطاقة المتجددة وخفض الانبعاثات بموجب خطة طموح طويلة الأجل. في حين يقول منتقدون للأمر إن الرياض ربما ترغب في اكتساب الخبرة النووية تحسبا لرغبتها يوما في الحصول على أسلحة نووية، وإن كان أي اتفاق مع واشنطن سينص على ضمانات للحيلولة دون ذلك. اتفاق ثنائي: ويسعى المتفاوضون للتوصل إلى اتفاق ثنائي يدعو على الأرجح إلى ضمانات أمريكية رسمية للدفاع عن المملكة، بالإضافة إلى حصول السعودية على أسلحة أمريكية أكثر تقدما، مقابل وقف مشتريات الأسلحة الصينية، والحد من الاستثمارات الصينية في البلاد. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض جون كيربي، إن الجانبين اقتربا “أكثر من أي وقت مضى” من اتفاق ثنائي صار الآن “شبه نهائي“. ويسعى مفاوضون أمريكيون وسعوديون إلى التوصل إلى اتفاق ثنائي يدعو على الأرجح إلى ضمانات أمريكية رسمية للدفاع عن المملكة، بالإضافة إلى حصول السعودية على أسلحة أمريكية أكثر تقدما، مقابل وقف مشتريات الأسلحة الصينية والحد من الاستثمارات الصينية في البلاد. وقال مسؤول أمريكي إن المفاوضين يناقشون بيع الولايات المتحدة طائرات مقاتلة من طراز إف-35 وأسلحة أخرى للسعوديين في إطار الاتفاق. وتذهب ترجيحات استراتيجية، إلى أن بيع طائرات إف-35 للسعوديين غير مضمون لعدد من الأسباب، لكن إدراجها في المناقشات له أهمية نظرا لأن الرياض أبدت رغبتها في شراء الطائرة منذ سنوات. ويتعين على أي صفقة الالتزام باتفاق أمريكي إسرائيلي قديم يضمن ألا تضعف الأسلحة التي تبيعها واشنطن بالمنطقة “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل، بحيث تكون الأسلحة الأمريكية المقدمة لإسرائيل “متفوقة في القدرة” على تلك التي تباع لجيرانها. ويحق للجنتي العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، والشؤون الخارجية بمجلس النواب، اللتين انتقد أعضاؤهما دور المملكة في مقتل مدنيين في اليمن، إعادة النظر في مبيعات الأسلحة ومنعها بموجب عملية مراجعة غير رسمية. وأحالت شركة لوكهيد مارتن، المصنعة للطائرة، طلبا للتعليق إلى الحكومة. وقال المسؤول إن الاتفاقية الدفاعية لن ترقى إلى مستوى معاهدة حلف شمال الأطلسي. وقال كيربي إن مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جيك سوليفان، أجرى محادثات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومسؤولين سعوديين آخرين، وإنه أحرز تقدما في هذا الصدد. وقال مسؤول أمريكي ثان “نحن قريبون جدا من التفاهم على العناصر الرئيسية بيننا“. وأضاف “سيتعين علينا بالطبع أيضا العمل بعد ذلك على أجزاء متعلقة بالإسرائيليين والفلسطينيين، وهو عنصر حاسم في أي اتفاق تطبيع محتمل“. ومن المتوقع أيضا أن يتضمن الاتفاق الأمني الأمريكي السعودي تبادل تقنيات ناشئة مع الرياض، ومنها الذكاء الاصطناعي. وبمجرد التوصل إلى الاتفاق فإنه سيكون جزءا من صفقة كبرى تعرض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ليقرر ما إذا كان سيقدم تنازلات من أجل تطبيع العلاقات مع المملكة. وذكر كيربي أن توقيت إتمام الاتفاق الأمريكي السعودي غير محدد، مشيرا إلى أن هدف الرئيس جو بايدن النهائي هو إقامة دولة فلسطينية. وأضاف أنه مع استمرار الحرب بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في غزة، فمن غير المرجح التوصل إلى اتفاق بشأن الدولة قريبا. وأردف قائلا: “ما زال الرئيس ملتزما بالطبع بحل الدولتين“. تقارب وجهات النظر بين الاتفاق والاتفاقية: وفي الجولة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي إلى الشرق الأوسط، وزيارته للمملكة العربية السعودية، قيل إن الزيارة لها دلالة تتعلق باقتراب التوصل إلى اتفاق أمني بين الرياض وواشنطن، وإن مسودة الاتفاق قد تكون طُرحت أمام أنظار المسؤولين في السعودية، بعد مجموعة محادثات علنية وسرية، حدثت بين الطرفين على مدى الشهور المنصرمة، لتقريب وجهات النظر في المواضيع الخلافية. خلال زيارة وزير الخارجية الامريكي بلينكن للسعودية مؤخرا، طرحت مسودة الاتفاق بعد سلسلة من المحادثات العلنية والسرية.. لكن ربما ما طرحه بلينكن كان مسودة اتفاق أمني وليس معاهدة أمنية، إضافة إلى بعض الأفكار المتعلقة بالمفاعل النووي السعودي المستقبلي، حيث أشار إلى اتفاقية دفاع ثنائية، واتفاق آخر يتعلق ببرنامج نووي مدني سعودي، وهنا يبدو أن الفجوة قد تقلصت كثيرا بين الطرفين. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرياض كانت تُركّز على معاهدة دفاع مشترك، وليس اتفاقا إطاريا فقط، لأن الرياض تريد أن تكون هذه الاتفاقية مع الدولة الأمريكية وليس…