أهداف المقترح الأمريكي ببناء ميناء علي ساحل غزة: بين المعلن والمخفي
أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطابه عن حالة الاتحاد، في 7 مارس 2024، عن خطة تدشين “ممر بحري مؤقت” لنقل المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ نظرًا لصعوبة إدخال المساعدات عبر المعابر البرية بسبب التعنت الإسرائيلي، ولعدم جدوي آلية الإنزال الجوي للمساعدات التي قامت بها عدة دول. وقد أثار الإعلان عن هذا المقترح مخاوف وشكوك الكثيرين، من أن يكون خلف هذا الإجراء أهداف ونوايا أخرى، وهناك الكثير من التساؤلات حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراءه؛ إذ كيف لإدارة (إدارة بايدن) تمعن في إمدادات السلاح اللامحدودة إلى إسرائيل، أن يتغير موقفها فجأة لتقرر فتح ممر بحري للمساعدات؟ ولو كان الهدف الحقيقي من خلف هذا المقترح هو المساعدات فقط، فلماذا لا تضغط الإدارة الأمريكية علي إسرائيل لفتح المعابر البرية الموجودة بالفعل، على رأسها معبر رفح المصري، باعتبارها الأسرع والأقل تكلفة في إدخال المساعدات للقطاع؟[1]. وبخلاف السؤال الأساسي تظهر تساؤلات أخرى؛ هل من علاقة بين إنشاء هذا الميناء وبين مشروع التهجير الذي تسعى إسرائيل إلى تنفيذه؟ وهل للممر المزمع تسييره بعد نهاية الحرب من مخاطر على فلسطيني القطاع، وعلى مصر؟ وما هي هذه المخاطر؟[2]. أولًا: تفاصيل المقترح الأمريكي ببناء ميناء علي ساحل غزة: قال الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطابه عن حالة الاتحاد[3]، في 7 مارس 2024: “أوجه الجيش الأمريكي لقيادة مهمة طارئة لإنشاء رصيف مؤقت في البحر الأبيض المتوسط على ساحل غزة يمكنه استقبال الشحنات الكبيرة المنقولة”، وأضاف: “سنوفر الغذاء والماء والدواء والملاجئ المؤقتة، ولن تكون هناك قوات أميركية على الأرض”[4]. وأصدرت المفوضية الأوروبية، في 8 مارس 2024، ودولة الإمارات وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا وقبرص والمملكة المتحدة؛ بيانًا مشتركًا، تضمن تأييدها للولايات المتحدة، بتفعيل الممر البحري الدولي؛ لتوصيل المساعدات مباشرة إلى قطاع غزة[5]، كما نقلت “شبكة CNN”، عن مسئول قطري قوله: “نحن ملتزمون بدعم الممر البحري الذي خططت له “فوجبو”، وستنقل هذه الشراكة بين القطاعين العام والخاص 200 شاحنة محملة بالمساعدات عبر بارجة من قبرص إلى غزة كل يوم، وقد وافقت قطر على مساهمة مالية كبيرة تقدر بـ 60 مليون دولار”. ثم أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، في 8 مارس 2024، بأن الجيش الأمريكي سينشئ رصيفًا بحريًا عائمًا قبالة سواحل غزة (بطول 548 مترًا، وتكلفة تقدر بنحو 35 مليون دولار) لتمكين سفن الشحن الضخمة من الرسو فيه، وتفريغ بضائعها في قوارب أصغر تنقل هذه المساعدات إلى جسر بحري يتم ربطه بشاطئ غزة. وأنه من المتوقع أن يستغرق إنشاء الرصيف العائم الذي سيتم استخدامه لتوصيل المساعدات الإنسانية الحيوية عن طريق البحر إلى غزة شهرًا واحدًا على الأقل أو ربما شهرين حتى يتمكن الجيش الأمريكي من البناء والتشغيل بكامل طاقته. وقال المتحدث باسم “البنتاغون” باتريك رايدر إن بناء الرصيف سيتطلب، على الأرجح، الاستعانة بقرابة 1000 عسكري أمريكي لإكماله. وذكر رايدر، أن أفراد الجيش الأمريكي لن ينقلوا المساعدات عبر الجسر المؤدي إلى غزة، وسيتم تثبيت الجسر على الشاطئ من قبل الشركاء الإقليميين على الأرض في غزة، وقال إن “الرصيف بمجرد تشغيله يمكن أن يوفر ما يصل إلى مليوني وجبة يوميًا لسكان غزة”[6]. وقالت القيادة المركزية الأمريكية، في 10 مارس 2024، أن سفينة الجيش الأمريكي “الجنرال فرانك إس بيسون” غادرت قاعدة “لانجلي- يوستيس” المشتركة في فرجينيا “بعد أقل من 36 ساعة من إعلان الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة ستقدم مساعدات إنسانية لغزة عن طريق البحر”. وأن السفينة “تحمل المعدات الأولى لإنشاء رصيف مؤقت لإنشاء ميناء غزة لتوصيل الإمدادات الإنسانية الحيوية”[7]. وبحسب الخطة المعلنة، ستتجه المساعدات إلي ميناء “لارنكا” في قبرص، حيث ستخضع للتفتيش من قبل الاحتلال الإسرائيلي ما يعني إلغاء الحاجة لأي عمليات تفتيش أمنية في غزة، ثم تنقل عبر سفن الشحن إلى المرسي الذي سيتم بناؤه قبالة ساحل ميناء مدينة غزة القديم في منطقة “الرمال”، ثم يجري تفريغ الحمولات في مجموعة من المراكب والسفن الصغيرة – المعروفة باسم سفن الدعم اللوجستي – قبل أن تؤخذ هذه إلى الميناء على ساحل غزة. ومن على الرصيف، ستتولى الشاحنات مهمة نقل مواد المساعدات إلى اليابسة ومن ثم إلى داخل قطاع غزة. وللمساعدة في إنجاز هذه المهمة، دخلت الولايات المتحدة في شراكة مع شركة خاصة تدعى “فوغبو” ويديرها مسؤولون سابقون في الجيش والمخابرات الأمريكية، تتركز مهمتها بشكل أساسي في تنظيم حركة المساعدات لدى وصولها إلى ساحل غزة. فيما سيقوم الجيش الإسرائيلي بعملية تأمين خارجية لمنع حشود المدنيين من الوصول إلى الساحل ولجعل المنطقة آمنة. أما مهمة توزيع المساعدات فسيتولاها فلسطينيون محليون وغير مسلحين. ولن تشارك “فوغبو” في مهمة التوزيع، بل سيقتصر دورها على مهام لوجستية. وعلى مدى أطول، تخطط “فوغبو” لإنشاء مؤسسة تديرها جهات مانحة من أجل إدخال المساعدات إلى غزة[8]. يذكر هنا أن أول ظهور لفكرة بناء ميناء علي ساحل غزة خلال العدوان الإسرائيلي الحالي علي غزة جاء عندما أعلن الرئيس القبرصي (نيكوس خريستودوليدس) ــ خلال قمة الاتحاد الأوروبي، التي انعقدت يومي 26 و27 أكتوبر 2023 ــ عن مبادرة إنشاء ممر بحري يربط بين قبرص وغزة، لإيصال المساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين بشكل آمن ومن دون عوائق، مشيرًا إلي أنه يناقش مبادرته مع قادة عدة دول. وتعد قبرص أقرب دول الاتحاد الأوروبي إلي غزة، إذ تبعد حوالي 370 كيلومترًا فقط إلي الشمال الغربي من القطاع في أقرب نقطة[9]. وفي 9 نوفمبر 2023، قدم الرئيس القبرصي خطة ــ في 25 صفحة ــ إلى مؤتمر للمساعدات الإنسانية في باريس، تتضمن فتح ممر بحري للمساعدة في تعزيز توصيل المسـاعدات إلى غزة بحرًا عن طريق جزيرة قبرص. وقال الرئيس القبرصي إن مقر مركز العمليات سيكون مدينة (لارنكا) جنوب قبرص، حيث يوجد ميناء ومطار، ويوجد بالفعل مركز تنسيق مع 33 دولة. ويسع الميناء 200 ألف طن من المساعدات الإنسانية، مما يتيح نقل ألفي طن من المساعدات لكل سفينة. وأوضح الرئيس أن المساعدات الإنسانية ستصل إلى قبرص لتحملها سفن تخضع لفحص يومي من لجنة تشارك فيها إسرائيل. وبمجرد تحميل القوافل، ستتبعها سفن حربية إلى منطقة محددة على ساحل غزة، ومن هناك توجه إلى منطقة آمنة ومحايدة. وقال (خريستودوليدس) إن المفوضية الأوروبية واليونان وفرنسا وهولندا تحرص على المشاركة[10]. وقد أبحرت سفينة تحمل نحو 200 طن من الغذاء من ميناء لارنكا في قبرص، في 12 مارس 2024، في تجربة أولى لإطلاق الممر البحري الجديد لإيصال المساعدات إلى سكان قطاع غزة[11]. كما تجدر الإشارة هنا، إلي أن فكرة الممر المائي الذي اقترحه الرئيس بايدن للربط بين قطاع غزة في فلسطين المحتلة وقبرص، قد طرح أكثر من مرة خلال السنوات العشر الماضية، وذلك على النحو التالي: 1- مبادرة المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان: في شهر مايو عام 2014، وبينما كان الصراع بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة محتدمًا، وترفض إسرائيل – كعادتها في فترات التصعيد ضد غزة – دخول المعونات…