“استراتيجية “السيسي” في التعامل مع حرب غزة: مصالح النظام ومخاطر الأمن القومي المصري”
امتدت تأثيرات العدوان الصهيوني على قطاع غزة، على العديد من المناطق والدول، سواء على الصعيد الاقليمي او الدولي وغيره، وفي مقدمة الدول التي وقعت عليها التأثيرات والارتدادات الاستراتيجية للحرب، مصر، بوصفها الجار الأقرب الأكبر لمصر، وذلك لأسباب عدة ، من بينها الموقع الجغرافي وحدودها المشتركة مع القطاع التي حولت القاهرة رغمًا عنها إلى طرف أساسي في الصراع، فضلًا عن الدور المنوط بها القيام به بصفتها قوة إقليمية لها ثقلها، حتى إن تراجع في الآونة الأخيرة. وعلى الرغم من الارتباك الشديد الذي أصاب النظام المصري، إثر حجم الضربات التي وجهتها المقاومة الفلسطينية لاسرائيل، إلا أنه حاول ركوب الموجة، والاستفادة من الحدث، بأشكال شتى ووسائل متعددة… فمنذ قبل العملية الجهادية لحماس “طوفان الأقصى” تداولت تقارير اسرائيلية العديد من الانتقادات لحكومة نتانياهو، مشيرة إلى أن المخابرات المصرية، كانت قد نقلت بشكل عاجل وسري معلومات استخباراتية عن أن عمل كبيرا سيقع في قطاع غزة، إلا أن المخابرات الاسرائيلية لم تعبأ للتحذير المصري، وتعاملت مع الأمر بهدوء.. أولا: المواقف المصرية بين الارتباك والتماهي مع المصالح الإسرائيلية: 1-تصريحات متناقضة مع السياسات المصرية: وبدأ الموقف المصري مثيرا للجدل، حيث صدرت السلطات ودوائرها الإعلامية والسياسية سلسلة من التصريحات الرسمية الرافضة للعدوان الإسرائيلي على غزة، رافضة تصفية القضية الفلسطينية، مؤكدة انحيازها للقضية الفلسطينية المطلق، وأنه على اسرائيل التوقف فورا عن اطلاق النار، والعمل على دعم حل الدولتين، وصولا لسلام دائم بالمنطقة… ومع تصاعد المواقف العسكرية الاسرائيلية، و اتجاه اسرائيل عبر وسائل اعلامها، لتهديد كل دول المنطقة بالاستهداف العسكري، بدأت المواقف المصرية أكثر ليونة و تماهيا مع المواقف الإسرائيلية… بل اتجه السيسي ونظامه وأدواته الاعلامية، نحو الاستفادة من الحدث لخدمة سياساته السلطوية، فيما يخص القضايا الداخلية والخارجية… 2-التخبط بين المصالح الإسرائيلية والحقوق الفلسطينية: وبالنظر إلى موقفها الضعيف نسبياً تجاه إسرائيل، واعتمادها على الدعم الأمريكي، فضلاً عن مواجهة الضغوط المحلية والإقليمية لتقديم موقف متعاطف تجاه الفلسطينيين وتجاه غزة على وجه الخصوص، فقد تبنت مصر موقفاً “أقل من المتوقع”، وفق تقديرات سياسية. فقد كان رفض مصر قبول اللاجئين على أراضيها مصحوباً بأحجامها عن الحد من حرية الحركة عبر معبر رفح، وهو القرار الذي كان متفقاً إلى حد كبير مع سياسة القاهرة القائمة منذ فترة طويلة فيما يتعلق بالحصار المفروض على غزة. وبعد أسابيع من المفاوضات حول تقديم المساعدات الإنسانية لشعب غزة، سُمح بمرور مئات الشاحنات عبر معبر رفح، على الرغم من أن هذا العدد لا يقترب بأي حال من الأحوال من تغطية الاحتياجات المعلنة القطاع وسكانه. وسمحت مصر أيضًا بخروج عدد من مزدوجي الجنسية والأجانب من غزة، وبنقل عدد صغير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة طبية، لم يتجاوز عددهم العشرات. وإضافة لذلك، لعبت مصر دوراً هاماً في التوصل إلى وقف القتال في غزة لمدة 7 أيام والذي شهد إطلاق سراح حوالي 50 سجين إسرائيلي، و150فلسطيني، كما أعلنت أن نية إسرائيل للقضاء على حركة حماس في غزة هي ببساطة غير واقعية وأنها لن تلعب دورا بعد الحرب في إدارة الأمن في القطاع. كما تعارض مصر، إلى جانب دول عربية أخرى، خطة إسرائيلية لإنشاء منطقة أمنية عازلة داخل قطاع غزة على طول حدودها مع القطاع. ومن المؤكد أن مصر لا تقبل بإسناد دور أمني لها في غزة، وهو الدور الذي من شأنه أن يلبي مطالب إسرائيل بإخضاع القطاع لسلطة أمنية قاهرة لأية أعمال مقاومة ضد إسرائيل. بالقيام بأي دور من هذا القبيل من شأنه أن يعيد مصر إلى مركز المداولات والمفاوضات والترتيبات المتعلقة بمستقبل قضية فلسطين، وهو ما أرادت مصر الانفصال عنه منذ عقود بسبب الأعباء الأمنية والسياسية والاقتصادية المرتبطة به. وبدلاً من ذلك، فما يمكن لمصر فعله هو اتباع مسار المهام المخصصة، مثل التفاوض على هدنة قصيرة المدى وإدارة معبر رفح، دون تقديم مبادرات كبرى. وإزاء ذلك، من المتوقع أن مصر ستستمر، بالمستقبل المنظور، في حالة من التخبط بطريقة “تحمي مصالح نظامها العسكري، وكذلك مصالح رؤسائه”.. 3-تعاطي مخزي للسيسي مع معبر رفح ينتقص السيادة المصرية: وبعد ساعات من بدء عملية طوفان الأقصى، فرضت إسرائيل على قطاع غزة “حصارًا كاملًا” إضافيًا على الحصار المفروض عليه منذ 16 سنة، وحرمت سكانه من الغذاء والمياه والدواء. ورغم مطالبة أمين عام الأمم المتحدة ومسؤولو المنظمات الأممية العاملة في قطاع غزة والعديد من رؤساء الدول بفتح معبر رفح، شريان الحياة والنافذة الوحيدة للقطاع على العالم الخارجي عبر الأراضي المصرية، لدخول المساعدات الإنسانية وخروج المرضى، لم يفتح المعبر إلا بعد مرور أسبوعين كاملين من بداية العدوان، ذلك أن النظام المصري، الذي يملك السيادة الكاملة على معبر رفح، نفى مسؤوليته عن إغلاق المعبر!. يشار إلى أنه وفق قرار الأمم المتحدة رقم 96 لسنة 1946، تعتبر الإبادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، ويمكن التقاضي بشأنها أمام المحكمة الجنائية الدولية. ورغم السماح بدخول بعض المساعدات الشحيحة، ما زال معبر رفح شبه مفتوح وشبه مغلق في آن واحد. وقد أعلن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن ما دخل إلى القطاع من شاحنات المساعدات خلال الفترة السابقة لا يعادل ما كان يدخل في يومين قبل العدوان. ولا يسمح بمرور أكثر من 20% من الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات ومحطات المياه والمخابز وسيارات الإسعاف، وكلها مرافق حيوية لإنعاش حياة السكان في القطاع. وتطرح تلك الحالة من الإغلاق القسري والتحكم في معبر رفح من قبل إسرائيل العديد من التساؤلات، حول السيادة المصرية، ولماذا تنازلت مصر عن جزء من صلاحياتها وسيادتها… فبعدما سيطرت حماس على قطاع غزة في بداية سنة 2006، قالت محكمة العدل العليا في إسرائيل، وهي أعلى سلطة قضائية في الكيان المحتل، في مذكرة رفعت ضد وزير الأمن، إنه ليس لإسرائيل أي سيطرة فعلية على معبر رفح الذي يقع تحت سيطرة حماس من جانب والسلطات المصرية من الجانب الثاني. ورغم الادعاء بأنها دولة تحترم القانون وتقدس أحكام القضاء، رد رئيس الطاقم السياسي الأمني عاموس جلعاد على المحكمة في منتصف سنة 2006 بأنه “إذا لم يُطلق سراح جلعاد شاليط فإن معبر رفح لن يُفتح”. وهو اعتراف بسيطرة إسرائيل، وليس مصر، على معبر رفح للبت في إغلاقه أو فتحه. وفي سنة 2008، عادت المحكمة العليا فقالت إنه “يُمكن أن تكون لدولة إسرائيل في الوقت الراهن مصلحة بإبقاء معبر رفح مغلقاً كجزء من السياسة العامة تجاه حماس المسيطرة في القطاع.. ووفق دوائر سياسية، فقد، طلبت إسرائيل من مصر إبقاء المعبر في وضعية الإغلاق إلى حين عودة شاليط، وقد استجابت مصر لذلك. بحكم معاهدة جنيف، فإن إسرائيل ملزمة بالسماح للسكان بالانتقال إلى قطاع غزة ومنه، وأن تضمن لهم تزويداً مناسباً بالمواد الغذائية والأدوية، بالامتناع عن تقييد تنقل سكان غزة كعقاب جماعي لعموم السكان بسبب أعمال لم يرتكبونها هم. وبحسب وزارة الخارجية المصرية في منتصف 2008، في مذكرة رسمية لجمعية…