الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال: قراءة في الأبعاد والتداعيات
أبرمت إثيوبيا في الأول من يناير 2024 اتفاقًا مبدئيًّا مع إقليم أرض الصومال، يمنح أديس أبابا حق الوصول إلى البحر الأحمر تمهيدًا لإقامة قاعدة بحرية تجارية إثيوبية بالقرب من ميناء بربرة على مساحة 20 كيلومتر مربع لمدة 50 عام، مُقابل اعتراف الحكومة الإثيوبية بأرض الصومال كدولة مستقلة، ومنحها حصة قدرها 20% من الخطوط الجوية الإثيوبية التي بلغت إيراداتها نحو 6.9 مليار دولار وفقًا لإحصاءات عام 2022. فما هي أرض الصومال؟ وما هي أهمية الاتفاق بالنسبة لكلٍّ من إثيوبيا وأرض الصومال؟ ولماذا تتحفَّظ عليه الصومال؟ وما هي التداعيات المُحتملة للاتفاق على الدول المعنية؟ وكيف يُمكن توقُّع مستقبل الاتفاق؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها.. أولًا: أرض الصومال والحلم الإثيوبي للولوج للبحر.. قبل التعرُّض للاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال؛ لابد من التعرُّض أولًا لخلفيات نشأة أرض الصومال، ودوافع إثيوبيا لمثل هذه الاتفاقات.. 1. كيف نشأت أرض الصومال؟ كانت أرض الصومال، وهي منطقة شبه صحراوية تقع على ساحل خليج عدن، محمية بريطانية ثم حصلت على استقلالها عام 1960 واندمجت مع الصومال، التي كانت تحتلها إيطاليا لتُكوِّنا معًا جمهورية الصومال. ثم انفصلت أرض الصومال وأعلنت استقلالها عن جمهورية الصومال في عام 1991 عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق سياد بري. العاصمة: هرجيسا، المساحة: 177,000 كيلومتر مربع، عدد السكان: 5.7 مليون نسمة، اللغات: الصومالية، العربية، الإنجليزية.[1] ورغم أن الإقليم ينتخب حكومته، ويملك عملته الخاصة، ويصدر جوازات سفر، فقد ظل غير معترف به كدولة مستقلة. وترتبط حكومة الإقليم بعلاقات مع عدد من الدول، ولديها مكاتب تمثيلية في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والإمارات، وتايوان، وتستضيف بعثات قنصلية من المملكة المتحدة، وتركيا وتايوان، وإثيوبيا، وجيبوتي، والإمارات التي وقَّعت اتفاقًا مع أرض الصومال عام 2016 بقيمة 442 مليون دولار، لتشغيل مركز تجاري ولوجيستي إقليمي في ميناء بربرة. كما وقَّعت الإمارات في 2018 مع حكومة الإقليم اتفاقية لتطوير مشروع منطقة اقتصادية حرة تتكامل مع مشروع تطوير ميناء بربرة، وتحتفظ شركة موانئ دبي العالمية بحصة تبلغ 51% من المشروع، الذي تم الانتهاء من المرحلة الأولى منه عام 2021، بجانب 30% حصة أرض الصومال، و19% حصة إثيوبيا.[2] 2. الحلم الإثيوبي للولوج للبحر: لطالما احتل الوصول إلى البحر مكانة مركزية في الوجدان الإثيوبي، ولاسيما بعد استقلال إريتريا عام 1993 الذي حوّل المستعمر السابق إلى أكبر الدول الحبيسة في إفريقيا. هذا الطموح الإثيوبي المُتجدِّد كانت آخر تجلياته الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء آبي أحمد أمام برلمان بلاده في 14 أكتوبر الماضي. وفي إطار إثبات أحقية بلاده في الحصول على منفذ بحري؛ ساق أحمد العديد من المبررات التاريخية والاقتصادية والديمغرافية والجيوسياسية. وأكد أن أبناء وطنه الذين سيبلغ عددهم 150 مليونا خلال أقل من عقد “لا يستطيعون العيش في سجن جغرافي”، وأن “النيل والبحر الأحمر هما الأساس لتطوير إثيوبيا أو فنائها”. واعتماد إثيوبيا على ميناء جيبوتي المجاورة في الاستيراد والتصدير عبر البحر الأحمر، مثّل قلقا دائمًا لأديس أبابا مما دفعها إلى العمل على إستراتيجية لتنويع الموانئ، بعقد اتفاقيات مع جيرانها كالصومال وكينيا وغيرهما، لكن التطور الأخير كان في الرغبة في الحصول على منفذ بحري سيادي خاص بها.[3] ثانيًا: تفاصيل الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال.. تُعد مذكرة التفاهم بيان نوايا، وليست اتفاقًا مُلزمًا قانونيًا، لكن ما يبدو واضحًا من المذكرة هو أن أرض الصومال مستعدة لمنح إثيوبيا إمكانية الوصول إلى البحر من أجل حركة مرور سفنها التجارية عبر أحد الموانئ في البلاد. حيث سيوفر الميناء مجالًا لإثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر وقناة السويس، مما يُتيح لها الوصول إلى أوروبا. وأفادت تقارير بوجود جانب عسكري في الاتفاق؛ إذ قالت أرض الصومال إنها قد تؤجِّر جزءًا من الساحل للبحرية الإثيوبية، وأكَّدت هذا أديس أبابا. ويمنح الاتفاق، الذي وُقِّع في أديس أبابا، إثيوبيا عقد إيجار لمدة 50 عام لقاعدة بحرية مع إمكانية الوصول إلى ميناء بربرة في أرض الصومال للعمليات البحرية التجارية. ووعدت إثيوبيا في المقابل ببحث عميق لسعي أرض الصومال إلى الحصول على الاعتراف الرسمي بوصفها دولة مستقلة، كما ستحصل أرض الصومال على حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية، وهي خطوط جوية ناجحة في البلاد.[4] 1. ملاحظات أولية حول الاتفاق: جاء الإعلان عن الاتفاق بعد فترة زمنية قصيرة من تصريحات آبي أحمد في أكتوبر 2023 حول ضرورة إيجاد موطئ قدم لبلاده في البحر الأحمر، والتي انطوت على تحذيرات بإمكانية استخدام القوة في حالة فشل التفاوض مع دول المنطقة. مما يوحي بأن الاتفاق قد يتجاوز طرفيه ليضم أطرافًا إقليمية وربما دولية أخرى تختفي عن المشهد، لكنها تديره برمته لتحقيق أهداف استراتيجية خاصة بها. ولا يُمكن إغفال أيضًا الأطراف التي ستتأثر بتداعيات هذا الاتفاق مثل الصومال ودول القرن الإفريقي التي تنظر إلى الاعتراف الإثيوبي بـأرض الصومال كسابقة قد تُعزِّز عدم الاستقرار الإقليمي في المنطقة خلال السنوات المقبلة. كذلك، يُمثِّل الاتفاق تحديًّا دبلوماسيًّا للقرن الإفريقي، في ضوء التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة من أجل حماية مصالحها الاستراتيجية هناك، فهناك تنافس تاريخي بين إثيوبيا وبعض القوى الإقليمية الأخرى، مثل مصر، إلى جانب وجود العديد من القوى الفاعلة التي تمتلك استثمارات ضخمة في المنطقة مثل الصين وتركيا كمستثمرين رئيسيين في مجال الموانئ البحرية والبنى التحتية، الأمر الذي يُسهم في تعقيد المشهد الإقليمي خلال الفترة المقبلة في ضوء تضارب المصالح الإقليمية والدولية إزاء توقيع الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال. وقد يعكس توقيت إبرام هذا الاتفاق مناورة من جانب كلٍّ من آبي أحمد وموسى عبدي لاستغلال فرصة انشغال المجتمع الدولي إثر اندلاع معركة طوفان الأقصى، وما تبعها من تداعيات في المحيطين الإقليمي والدولي.[5] 2. أبعاد ودلالات الاتفاق: مذكرة التفاهم الإثيوبية مع حكومة أرض الصومال الانفصالية، كشفت عن العديد من الأبعاد والدلالات، التي من المهم الوقوف عليها، وما يمكن أن يترتّب عليها من مآلات. أولها؛ الدور الإثيوبي الممتد في تفكيك الصومال، سواء من خلال دعم احتلال إقليم الأوجادين الصومالي منذ عام 1954، أو في دعم انفصال أرض الصومال منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين، وصولًا إلى هذا الاتفاق الذي يُرسِّخ من الانفصال، ويُعزِّز من الهيمنة الإثيوبية على الأراضي الصومالية. وثانيها؛ الحضور الإماراتي المهم والمؤثر في الاتفاق، والذي كانت بدايته عام 2016، ثم تعزَّز في 2018، وكانت إثيوبيا حاضرة بنسبة 19% من اتفاق ثلاثي ضمَّ إلى جانبها الإمارات وحكومة الإقليم. وثالثها؛ الحضور الأميركي المؤثر في الخلفية، فالولايات المتحدة ترى في إثيوبيا إحدى الأوراق الرئيسية التي تعتمد عليها في تعزيز الدور الأميركي في القرن الإفريقي، وفي عام 2016 دعمت الولايات المتحدة الاتفاق الإماراتي مع حكومة الإقليم، وفي عام 2020، دعمت اتفاق الإقليم مع تايوان التي تدعمها في مواجهة التمدد الصيني في الصومال، وخاصةً بعد رفض الصين الاعتراف بالاتفاق التايواني مع أرض الصومال. ورابعها؛ بُعد يرتبط بالتداخل الكبير بين الإقليمي والدولي في القرن الإفريقي، مع حضور الدور التركي…