«طوفان الأقصى».. المكاسب المحققة والسيناريوهات المتوقعة
باغتت فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي، جيش الاحتلال الإسرائيلي بهجوم مفاجئ فجر السبت 7 أكتوبر 2023م، حين أطلقت نحو 5 آلاف صاروخ خلال ساعات معدودة وهي الضربة غير المسبوقة على مدن وبلديات الاحتلال. ولكن المفاجأة الكبرى أن هذه الضربة الصاروخية مثلت غطاء للهجوم الرئيس وهو الهجوم البري عبر تسلسل آلاف المقاتلين برا وبحرا وجوا عبر مظلات أطلقت عليها المقاومة “الخفافيش الطائرة”، والهجوم المباغت على مستوطنات غلاف غزة، والسيطرة على مسافة تصل “40” كم في عمق الأراضي المحتلة بطول الغلاف الحدودي بين غزة والاحتلال من الشمال والشرق. وكانت المفاجأة المدوية التي تمثلت في الاختفاء الكامل لجيش الاحتلال وأجهزته المخابراتية والأمنية التي توارت وتركت المستوطنين بلا حماية تذكر، فسيطرت حماس على كل الوحدات العسكرية والأمنية وقتلت اكثر من “1300”، وأسرت أعداد غير مسبوقة تصل إلى نحو 156 أسيرا حسب إحصائيات حكومة الاحتلال. في المقابل شن جيش الاحتلال الذي وجد نفسه في ورطة آلاف الهجمات الجوية العشوائية بالطائرات والصواريخ والتي استهدفت بالأساس أبراج وبيوت المدنيين والبنية التحتية من طرق ومدارس ومستشفيات كهدف انتقامي بحد ذاته بعد الإهانة الرهيبة التي تعرض لها الاحتلال. هذا الهجوم المباغت أصاب المجتمع الإسرائيلي وجميع حلفائه في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى في بعض العواصم العربية أمام صدمة غير متوقعة، ووضعت حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو أمام ورطة غير مسبوقة. سقط في هذه الورطة أيضا جميع الحكومات الغربية الداعمة للاحتلال وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهي الدول التي أصدرت مساء الإثنين 9 أكتوبر بيانا خماسيا لدعم الاحتلال ووصف ما تقوم به فصائل المقاومة بالإرهاب منكرين حق الشعوب المحتلة في مقاومة الاحتلال؛ فكيف يؤيدون مقاومة أوكرانيا ضد الغزو الروسي في الوقت الذي يحرمون فيه الفلسطينيين من حقهم في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي؛ إنه النفاق بعينه وازدواجية المعايير لدى الحكومات الغربية التي تحولت إلى «مسيح دجال»، لا ترى إلا بعين واحدة. كذلك وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في مواجهة مع الشارع الفلسطيني؛ لأن وظيفة السلطة منذ اتفاق أوسلو 1993م هو حماية أمن الاحتلال وديمومة التنسيق الأمني ضد فصائل المقاومة، رغم تصريحات رئيس السلطة أبو مازن حول حماية الشعب الفلسطيني؛ فلسان السلطة مع المقاومة وقلبها مع الاحتلال؛ لأنها ترى أي مكسب للمقاومة هو خصم من رصيدها وشرعيتها المتآكلة أساسا، ولاحقا خرج أبو مازن ليدعي أن حماس لا تمثل الشعب الفلسطيني بعدما مورست عليه ضغوط شديدة من أجل انتقاد المقاومة ووصفها بالإرهاب. أمام هذه المفاجأة المدوية، ما المكاسب التي حققتها المقاومة بهذه الضربة المباغتة؟ وما تأثير ذلك على تآكل هيبة جيش الاحتلال؟ وهل يمكن أن يؤثر ذلك على تآكل ما تبقى من تماسك المجتمع الإسرائيلي؟ وما السيناريوهات المتوقعة خلال الأيام والأسابيع القادمة؟ المكاسب المحققة تآكل هيبة جيش الاحتلال: أول المكاسب الإستراتيجية المحققة للمقاومة الفلسطينية هو تآكل هيبة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهذا أعظم المكاسب على الإطلاق؛ فالإسرائيليون فقدوا الثقة تماما في منظومتهم العسكرية والمخابراتية والأمنية على حد سواء، وباتوا مدركين أن جيشهم لم يكن بالصورة التي تخيلوها، وأنه عاجز عن حمايتهم، وأن هجمات المقاومة بعد طوفان الأقصى لن تتوقف، وأن مسألة تحرير فلسطين كلها باتت مسألة وقت، وأن إسرائيل تعرضت لهزيمة مذلة مهما كان عنفوان القصف الإسرائيلي على غزة، ومهما كان عدد الضحايا. وهو الأمر الذي أجمعت عليه الصحف العالمية والإسرائيلية؛ وكانت عناوين الصحف الإسرائيلية وحدها كفيلة بنقض تصريحات نتنياهو عن حرب شاملة، فقالت «معاريف»: «ما جرى أكثر من انهيار استخباراتي»، أما «يديعوت أحرونوت» فقد أكدت أن «هجوم حماس المباغت فشل للحكومة»، ووصفت «تايمز أوف إسرائيل» ما حدث بـ«الفشل الذريع». واعتبرت صحيفة أوبزرفر البريطانية التي تصدر كل يوم أحد عن مجموعة جارديان الإعلامية، أن الهجوم المفاجئ سيبقى ماثلا في الأذهان على أنه فشل استخباري لم يحدث على مر العصور، وقالت إن أجهزة المراقبة الإسرائيلية المتطورة تجعل مشاهد مقاتلي حماس وهم يجوسون خلال الشوارع أكثر إثارة للدهشة؛ لأن أجهزة المراقبة الإسرائيلية للمجتمع الفلسطيني متطورة للغاية ومنتشرة على نطاق واسع، حيث تُعد مراقبة أنشطة حماس تحديدا واحدة من أهم واجبات المؤسسة الأمنية. وتقر الصحيفة البريطانية أن حركة حماس باتت أكثر براعة في التكيف مع التحديات العسكرية التي تواجهها، وكثيرا ما تبذل قدرا من الجهد في تخطيطها، وفي تحديد مكامن الضعف الإسرائيلية. ولفتت إلى أن القائد السابق للبحرية الإسرائيلية، إيلي مارو، قال في بث تلفزيوني مباشر إن كل إسرائيل تتساءل: أين الجيش الإسرائيلي، وأين الشرطة والأمن؟”، واصفا ما حدث السبت بأنه “فشل ذريع”، ورأت صحيفة واشنطن بوست الأميركية أن إسرائيل “تعرضت للإذلال والهزيمة”.[[1]] ويقول الكاتب الإسرائيلي بصحيفة “هآرتس” حاييم ليفنسون، إن كل ما تفعله إسرائيل الآن “لا معنى له”، حتى لو نجحت في القبض على قائد كتائب القسام، محمد الضيف. وأضاف في مقال له بهآرتس، أن الخسارة تحققت مع الضربة الأولى المفاجئة، والباقي مجرد قصص تبقى أمام المؤرخين لتوثيق أحداثها. وفي نقد لاذع للأجهزة الأمنية، قال ليفنسون، إن الجيش الإسرائيلي أطلق على عملية الهجوم على غزة اسم “عملية السيوف الحديدية”، مبرزا أنها في الحقيقة عملية “تعرٍّ” أمام مقاتلي “حماس”، وشرح بأن الجيش وأجهزة المخابرات بمختلف تشكيلاتها ووسائلها التقنية والبشرية، عجزت عن توقع الهجوم وضبطه منذ اللحظات الأولى لانطلاقه. وينتهي إلى أن نجاح حماس يعدّ حدثا إستراتيجيا كبيرا، فقد انهار الشعور بالأمن داخل إسرائيل، ونقلت الحرب إلى الداخل الإسرائيلي، كما ظهر الجيش ومعه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في وضع “عار”.[[2]] ويحظى هجوم المقاومة بكل الاحترام إذا علمنا أن الجيش الإسرائيلي هو المصنف رقم “18” عالميا وفق مؤشر”جلوبال فاير باور”، بينما تحتل المرتبة 12 بين الدول المصدرة للسلاح. ويبلغ الإنفاق العسكري السنوي في إسرائيل 16 مليار دولار، وتلقت دعما عسكريا أميركيا بقيمة 58 مليار دولار في الفترة ما بين 2000 و2021م. ويتألف جيش الاحتلال من 173 ألف جندي في الخدمة الفعلية، ونحو من 465 ألف جندي احتياط، ويبلغ تعداد المؤهلين للخدمة العسكرية نحو 1.7 مليون شخص. وتمتلك إسرائيل 595 طائرة حربية متعددة المهام، بينها 241 طائرة مقاتلة و23 طائرة هجومية، إلى جانب 128 مروحية عسكرية، وطائرات لتنفيذ المهام الخاصة وأخرى للشحن العسكري. وتعد القوات الجوية الإسرائيلية من أكثر أسلحة الجو تقدما على مستوى العالم بفضل التكنولوجيا الفائقة التي تتمتع بها. ولدى إسرائيل 42 مطارا عسكريا في الخدمة. وتمتلك أسرابا من طائرات إف-35 وإف-16، وإف-15، وعددا هائلا من القنابل الذكية وأجهزة الاستشعار عن بعد، كما تمتلك إسرائيل سربا من الطائرات المسيرة الهجومية. ويبلغ تعداد القوات البرية الإسرائيلية 140 ألف جندي يزاولون الخدمة حاليا، وتمتلك هذه القوات 1650 دبابة، بينها 500 من فئة الميركافا التي تحتوي على نظام حماية نشط، يعترض الصواريخ المضادة للدبابات قبل وصولها، ولها القدرة على إطلاق النار على الأهداف المتحركة، وتوصف بأنها من ضمن الدبابات الأكثر…