اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بالعلمين المصرية.. الدوافع وإمكانيات النجاح
استضافت مدينة العلمين المصرية، في 30 يوليو 2023، اجتماعًا للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية بهدف إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتوحيد صفوفه، ومواجهة التوترات مع حكومة اليمين الإسرائيلية. ويأتي الاجتماع تلبيةً لدعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس التي وجهها، في 10 يوليو، للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية لعقد اجتماع طارئ لمواجهة ما وصفها بـ “مخاطر السياسات الاحتلالية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وأراضيهم” والمتمثلة بالاقتحامات والعمليات العسكرية المتكررة وتسارع النشاطات الاستيطانية. كما دعا الرئيس عباس الفصائل لبحث مبادرة سياسية للعمل الفلسطيني الموحد مستقبلًا لمواجهة الممارسات الإسرائيلية[1]. وقد انعقد الاجتماع لمدة يومًا واحدًا، بمشاركة 12 فصيلًا، منها: حركة فتح، وحركة حماس، والجبهتان “الشعبية” و “الديمقراطية” لتحرير فلسطين، والمبادرة الوطنية الفلسطينية، وبمقاطعة كل من “الجهاد الإسلامي” و “منظمة الصاعقة” و”الجبهة الشعبية – القيادة العامة”. وقد ترأس الرئيس الفلسطيني محمود عباس وفدًا يضم أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حسين الشيخ، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية زياد أبو عمرو، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة اللواء ماجد فرج، ومستشار الرئيس للشؤون الدينية محمود الهباش، ومستشار الرئيس للشؤون الدبلوماسية مجدي الخالدي، والمشرف العام على الإعلام الرسمي أحمد عساف، إضافة إلى سفير دولة فلسطين لدى القاهرة. كما شاركت حركة حماس في الاجتماع بوفد يرأسه رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية ونائبه صالح العاروري[2]. ويعد اجتماع الأمناء العامين للفصائل الأول من نوعه منذ الاجتماع السابق الذي عٌقد في 3 سبتمبر 2020 في رام الله والعاصمة اللبنانية بيروت عبر تقنية الفيديو كونفرانس، والذي شهد سلسلة من الاتفاقيات والتوافقات على خطط للعمل المشترك إلا أنها لم تطبق حتى الآن[3]. ويسعي هذا التقرير إلي الوقوف علي الأسباب التي دفعت الفصائل الفلسطينية للاجتماع في القاهرة، ومدي إمكانية أن يسفر هذا الاجتماع عن تقدم في ملفي المصالحة الفلسطينية والمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي. أولًا: أسباب ودوافع انعقاد اجتماع الفصائل الفلسطينية بالعلمين: يمكن الإشارة إلي أهم الأسباب والدوافع التي تقف خلف اجتماع الفصائل الفلسطينية بمدينة العلمين المصرية كما يلي: 1- مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية: فقد جاءت دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في 10 يوليو 2023، التي وجهها للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية لعقد اجتماع طارئ لبحث المخاطر في أعقاب عملية عسكرية إسرائيلية استمرت نحو 48 ساعة في مدينة جنين ومخيمها شمالي الضفة الغربية المحتلة، استخدمت فيها مروحيات وطائرات مسيرة وقوات برية بداعي ملاحقة مسلحين. وأسفرت العملية التي اعتبرت الأكبر منذ أكثر من 20 عامًا، عن مقتل 12 فلسطينيًا وإصابة نحو 140 آخرين، إضافة إلى دمار هائل طال نحو 80 بالمئة من المباني والمنازل والبنية التحتية بالمخيم.[4] وبدون العودة إلي سرد تفصيلي للانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة ضد الفلسطينيين منذ تشكيل الحكومة اليمينية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو، يمكن الإشارة إلي بعض هذه الانتهاكات التي تجلت مؤخرًا، والتي تمثلت أبرزها في إقرار الكنيست مشروع قانون بالقراءة الأولى يسمح لعوائل القتلى الإسرائيليين في هجمات فلسطينية بطلب تعويضات من أي جهة تمول وتدعم “الإرهابيين”، وهو مشروع يستهدف صراحة السلطة الفلسطينية. كما أشرف مدير وزارة شؤون القدس في حكومة الاحتلال على جلب أربعة عجول حمراء لحرقها على جبل الزيتون إيذانًا ببدء طقوس إقامة الهيكل الثالث، على أنقاض مسجد قبة الصخرة. كذلك، فقد أدخل وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، تعديلًا يلغي إمكانية الإفراج الإداري المبكر عن الأسرى الفلسطينيين[5]. ناهيك عن “التعديلات القضائية” داخل إسرائيل بحيث يصبح القضاء تابعًا للسياسة، ما يعني أن مسألة إعلان ضم المنطقة «جيم» أصبحت مسألة وقت، من دون أن يكون للمحكمة العليا رأي مخالف، على فرض أنها ستخالف أصلًا هذا القرار. إذًا التوجه الإسرائيلي المقبل قائم على أساس الاستيلاء على كل الأرض الفلسطينية وإغلاق ملف الحل السياسي وعدم إعطاء أي نوع من الحقوق للفلسطينيين[6]، وهو ما يتطلب توحيد الجهود الفلسطينية لمواجهة هذه الممارسات الإسرائيلية. ويدور الحديث في هذا السياق عن أن اجتماع الفصائل بالعلمين سيناقش كل الاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية السابقة مثل اتفاقية أوسلو وكل ملحقاتها، وإلي أي مدي سيتم الالتزام بها في ظل تخلي الاحتلال عنها. وإمكانية تطبيق قرارات المجلسين الوطني والمركزي فيما يتعلق بالعلاقة مع الاحتلال، فلعدة مرات على مدار سنوات، قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، تعليق الاعتراف بإسرائيل وإنهاء التزامات السلطة الفلسطينية بكافة الاتفاقيات معها لحين اعترافها بدولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967، عاصمتها القدس الشرقية، إلا أنها لم تنفذ. كذلك، سيتم طرح ملف دعم المقاومة الشعبية والمسلحة في مواجهة الاحتلال، ومدي تحقق ذلك في إطار القيادة الموحدة[7]. 2- تفعيل المصالحة الفلسطينية: فقد أكد الاجتماع على الدور الحيوي لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وأهمية أن ينضوي تحت لوائها جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني لتحقيق هدف بناء الدولة المستقلة والموحدة. وكانت قضية الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني محل تباحث من المجتمعين، في ظل تعذر إجرائها دون السماح بمشاركة أبناء القدس الشرقية المحتلة فيها ترشحًا وتصويتًا، وفق كلمة الرئيس الفلسطيني، الذي طالب بتشديد الضغوط على إسرائيل لعدم إعاقة العملية الانتخابية هناك. بينما شدد رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية على أهمية إعادة بناء وتطوير منظمة التحرير وتشكيل المجلس الوطني على أسس ديمقراطية، وإعادة توحيد المؤسسات في الضفة والقطاع بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية[8]. وفي هذا السياق؛ فقد كشفت تقارير إعلامية عن عدة اقتراحات لإحداث اختراقات في هذه الملفات المتعلقة بالمصالحة الوطنية. حيث أشارت إلي أن وفد “حماس”، خلال اللقاء الاخير في أنقرة التركية، في 26 يوليو 2023، بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دعا إلى إجراء انتخابات وفق تفاهمات إسطنبول 2020؛ أي تشكيل قائمة مشتركة تتمتع بأغلبية فتحاوية، والتوافق على الرئيس محمود عباس مرشحًا توافقيًا للانتخابات الرئاسية، ولكن الرئيس لم يكترث بالاقتراح[9]. وفيما يتعلق بتشكيل حكومة جديدة، فقد أكدت مصادر مقربة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لـ”وكالة الأناضول”، إن “رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية قدم استقالته للرئيس الفلسطيني”، وهو ما لم يتم تأكيده رسميًا حتى الساعة. وإن “عباس أجل قبول استقالة اشتية لما بعد لقاء القاهرة، وذلك لإعطاء فرصة للفصائل الفلسطينية من أجل الذهاب نحو تشكيل حكومة وحدة فلسطينية متوافق عليها من قبل الجميع تضم أكاديميين وتكنوقراط، وتتألف من عدة فصائل بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، بهدف إنهاء الانقسام وتوحيد عمل مؤسسات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة” [10]. 3- إعادة إنعاش السلطة: فقد جاءت الدعوة لعقد الاجتماع من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حيثأن الرئيس والقيادة الرسمية يتعرضان في هذه المرحلة لضغوط داخلية وخارجية كبيرة، لدرجة أصبح الحديث عن انهيار السلطة وإفلاسها المالي وعن ضرورة حلها ليس من الأوساط الشعبية أو المعارضين، وإنما يتردد على لسان قادة السلطة ومناصريها أيضًا، يضاف إلى ذلك صدور دعوات في إسرائيل ومن داخل الحكومة لحل السلطة لأنها عاجزة عن ضبط المقاومة الفلسطينية واستفحال ظاهرة…