المواجهات في السودان: الخلفيات والمواقف والتداعيات
تسارعت الأحداث في السودان مع نهاية الأسبوع الثاني من شهر إبريل 2023، حتى وصلت إلى المواجهة العسكرية الشاملة بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تمَّ فيها استخدام كل أنواع الأسلحة الثقيلة البرية والجوية، وسقط عشرات القتلى ومئات المصابين، في وقتٍ كانت تعاني فيه البلاد من حالة فوضى وعدم استقرار سياسي واقتصادي منذ الإطاحة بالنظام السابق برئاسة عمر البشير في 2019. الاشتباكات في السودان، جاءت بعد أيام من فشل التوقيع على اتفاق سياسي نهائي، ينهي الأزمة في البلاد. حيث تم الإعلان مطلع إبريل الجاري عن التوقيع عليه في 5 إبريل، لكن فشلت عملية التوقيع، لتدخل الخرطوم في منتصف إبريل في طريق آخر. ويعود السبب الرئيسي لعدم توقيع الاتفاق إلى الخلافات بين البرهان (رئيس مجلس السيادة والقائد الأعلى للقوات المسلحة) وحميدتي (نائب رئيس مجلس السيادة وقائد قوات الدعم السريع) حول شروط دمج قوات الدعم السريع في الجيش. فماذا كانت خلفيات الأزمة؟ وما هي المواقف المختلفة منها؟ وكيف يُمكن رصد تداعياتها وسيناريوهات المستقبل تلك هي التساؤلات التي سنحاول الإجابة عنها خلال هذا التقرير.. أولًا: خلفيات الأزمة في السودان: سبقت المواجهات مجموعة من الأحداث التي مثَّلت بدورها خلفيات لتفجُّر الأوضاع فيما بعد، والتي يُمكن التعرض لها من خلال النقاط التالية.. 1. خلفيات سابقة تخص الخلافات بين الجيش وقوات الدعم السريع[1]: منذ اليوم الأول لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي نفذته القوتان ضد السلطة المدنية، بدا أن الخلافات تكبر بينهما. حيث اعتذر حميدتي عما عدَّه خطأ المشاركة فيه، كما واصل حملة انتقادات واضحة لفشل الانقلاب في تقديم أي شيء يذكر بعد نحو عام ونصف من تنفيذه. وبمجرد أن اقترحت نقابة المحامين السودانيين، منتصف العام الماضي، مسودة مشروع دستور انتقالي، شكَّل لاحقًا أساسًا لعملية التسوية السياسية بين عسكر الانقلاب والمدنيين، سارع حميدتي للترحيب بها ومساندتها ودعمها، فيما تحفَّظ عليها الجيش لبعض الوقت. لكن تحت ضغط الأطراف الدولية، ووساطة لجنة رباعية مُكوّنة من الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، قبل الجميع بالمسودة، بمن فيهم الجيش، كأساس للنقاش. وتُوّجت فيما بعد بالتوقيع على اتفاق إطاري مبدئي بين المدنيين والعسكريين في 5 ديسمبر الماضي، واشترط الاتفاق أن يجرى تسليم السلطة للمدنيين بعد التوافق على قضايا: تفكيك النظام السابق، العدالة والعدالة الانتقالية، حل أزمة شرق السودان، تقييم اتفاق السلام وإصلاح قطاع الأمن والدفاع، وتكوين جيش واحد بدمج الدعم السريع فيه.[2] وكان من اللافت للانتباه في ذلك الاتفاق هو توقيع الجيش كطرف وتوقيع قوات الدعم السريع كطرف آخر، عكس ما حدث في السابق من اتفاقيات بتوقيع أي قيادي عسكري نيابةً عن كل المكون العسكري. وقد أظهر حميدتي دعمًا قويًا للاتفاق الإطاري ولكل عملية التسوية المسماة بالعملية السياسية، فيما أظهر قادة الجيش في أكثر من مناسبة تحفظًا عليها بسبب ما قالوا إنه ضعف قاعدتها السياسية ورفضها من قِبل بعض القوى السياسية. وخرج الطرفان في حرب كلامية ركَّز فيها الجيش على موضوع الدمج، فيما ركَّزت الدعم السريع على مطالبة قادة الجيش بتسليم السلطة للمدنيين وفقًا لما ينص عليه الاتفاق الإطاري. وفي منتصف مارس الماضي، نجحت وساطات إقليمية ومحلية في جمع قادة الجيش والدعم السريع، ليوقّع الطرفان على اتفاق جديد يُحدِّد أُسس ومبادئ الإصلاح الأمني والعسكري، ويسمح بقيام ورشة خاصة بالإصلاح الأمني والعسكري لتناقش تفاصيل ما تم الاتفاق عليه، ووضع توصيات لإدراجها ضمن الاتفاق النهائي في الدستور، وكذلك تعمل بها الحكومة المدنية الانتقالية المقبلة كواحدة من برامجها في فترة الانتقال. وعُقدت الورشة في الفترة من 26- 29 مارس الماضي، وفيها قدّمت قوات الدعم السريع ورقة لإجراء إصلاحات عميقة في الجيش قبل البدء في الدمج، بما يشمل تجريم الانقلابات العسكرية وتجريم التدخل في العمل السياسي، ومراجعة العقيدة العسكرية وأسس القبول في الكليات الحربية، وضمان تمثيل كل أقاليم السودان في الجيش، وتطهير الجيش من العناصر الأيديولوجية والمُسيَّسة. لكن في اليوم الأخير من الورشة، انسحب ممثلو الجيش بحجة أن الورشة لم تحسم كل المواضيع الضرورية، ومنها المدة المُحددة لدمج قوات الدعم السريع، قبل أن يعود الجيش ويؤكِّد التزامه بالعملية السياسية واستعداده لمواصلة النقاش عبر اللجان الفنية في موضوع الإصلاح الأمني والعسكري.[3] * نقاط الخلاف المحورية في التسوية السياسية بين الفريقين: ويُعد تعثر الاتفاق على دمج قوات الدعم السريع والمدى الزمني أبرز نقاط الخلاف بين الجيش والدعم السريع، إذ يطالب الجيش بمدى زمني مُحدَّد لا يتجاوز فترة الانتقال لعملية الدمج وفق جداول زمنية واضحة، في حين تطالب قوات الدعم السريع بفترة زمنية للانتقال تصل إلى عشر سنوات. وتوجد قضايا خلافية أخرى، مثل وضعية قيادة القوات والتجنيد لقوات الدعم السريع، وأيضًا إصلاح الجيش وإبعاد أنصار النظام السابق عنه.[4] وبالتحديد كيفية تكوين هيئة قيادة مشتركة، ومن يقودها، وذلك في أولى خطوات دمج الدعم السريع في الجيش، المنصوص عليها في اتفاق 5 ديسمبر الإطاري بين العسكر والمدنيين. وهذا النص انتهزه الجيش كفرصة ثمينة لاحتواء الدعم السريع، واشترط وضع جداول زمنية واضحة له وتنفيذها، لاستمراره في التسوية السياسية، ما أخّر لمرتين التوقيع على الاتفاق النهائي. والأمور تعقَّدت عند نقطة تشكيل هيئة قيادة مشتركة، والتي جاء آخر المقترحات حولها يقضي بتشكيلها من 6 من القيادات: 4 من الجيش و2 من الدعم السريع ويرأسها قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان. ووافقت قوات الدعم السريع على المقترح من حيث المبدأ، لكن قائدها الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) رفض قيادة البرهان للهيئة، واقترح أن يرأسها رئيس مجلس السيادة المدني أو رئيس الوزراء المدني. وكان أبرز ما طُرح من حلول هو تأجيل النظر في قضية الدمج لما بعد الانتخابات ليُنفَّذ عبر حكومة منتخبة ومعه كل قضايا الإصلاح الأمني والعسكري بما فيها الترتيبات الأمنية الخاصة بالحركات المسلحة. حيث أي إصرار على إكمال العملية السياسية بوضعها الحالي، سيؤدي إلى فوضى واسعة.[5] وبالرغم من أن قضية الدمج كانت هي النقطة الرئيسة في الخلاف، إلا أنها فجرت نقاطًا خلافية أخرى بين العسكريين، حتى بات الخلاف بين العسكريين خلافًا على التقديرات السياسية. * قوة الجيش السوداني مقارنةً بالدعم السريع: تأتي القوات الجوية السودانية، في المرتبة رقم 47 بين أضخم القوات الجوية في العالم، وتمتلك 191 طائرة حربية تضم 45 مقاتلة، 37 طائرة هجومية، 25 طائرة شحن عسكري ثابتة الأجنحة، 12 طائرة تدريب. بينما تأتي القوات البرية السودانية في المركز 63 عالميًا، وتشمل قوة تضم 170 دبابة، 6 آلاف و967 مركبة عسكرية، ونحو 20 مدفعًا ذاتيًا، ونحو 389 من المدافع المقطورة، ونحو 40 راجمة صواريخ. ويأتي الأسطول السوداني في المرتبة 66 عالميًا، بقوة تضم 18 وحدة بحرية، بينما تُقدَّر ميزانية دفاعه بنحو 287 مليون دولار. أما الدعم السريع فيُقدِّر محللون عدد قواتها بنحو 100 ألف مقاتل لهم قواعد ومعسكرات منتشرة في أماكن عدة في البلاد. تمتلك الحركة المسلحة ثكنات عسكرية داخل الخرطوم ومدن أخرى بالبلاد، كما أن لها مقار مختلفة بالسودان منها مقر…