بعد زيارة وزير الخارجية المصري… هل تطبع مصر علاقاتها مع سوريا وتركيا؟
استهل وزير الخارجية المصري سامح شكري جولته لسوريا وتركيا، في 27 فبراير 2023، بزيارة لدمشق، التقي خلالها بالرئيس السوري بشار الأسد ووزير خارجيته فيصل المقداد. وبعد ساعات، وصل شكري إلى مدينة أضنة (جنوبي تركيا)، والتقي بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو. وتأتي جولة شكري في سياق التعاطي المصري مع كارثة الزلزال في تركيا وسوريا يوم 6 فبراير؛ حيث تحركت مصر على المستوى الدبلوماسي بالاتصال بين وزير الخارجية سامح شكري ونظيريه السوري فيصل المقداد والتركي مولود تشاووش أوغلو في نفس اليوم لتنسيق التحرك الإنساني والإغاثي بما يحتاجه البلدان للتعامل مع تداعيات الكارثة، ثم جاء اتصال الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيريه السوري بشار الأسد والتركي رجب طيب أردوغان في اليوم التالي لنقل التعازي والتأكيد على دعم مصر المتواصل بكل ما يحتاجه البلدان من مساعدات إنسانية وإغاثية، والتي وصلت إلى 1500 طن إلى سوريا، و6 شحنات إلى تركيا[1]. ولكن يبدو أن هذه الزيارة تحمل ما هو أبعد من الدعم الإنساني وتتخطاه لتحقيق أهداف سياسية، خاصة وأن زيارة شكري لتركيا وسوريا تعد الأولى من نوعها منذ 10 سنوات، كما كان من الممكن أن تكتفي القاهرة بإرسال المساعدات دون القيام بهذه الزيارة. ما يوحي بأن الزيارة تأتي في سياق استكمال مسار طويل لاستعادة علاقات القاهرة وأنقرة من جانب، والقاهرة والنظام السوري من جانب آخر، بعد أن مرت بعدة منعطفات خلال العقد الماضي[2]. وعلي ضوء ذلك، تسعى هذه الورقة إلى قراءة إمكانية نجاح زيارة شكري في كسر عزلة رئيس النظام السوري بشار الأسد عربيًا، ومسار تطبيع العلاقات المصرية التركية. أولًا: إمكانية نجاح الزيارة في كسر عزلة رئيس النظام السوري عربيًا: يمكن الإشارة إلي مجموعة من الأسباب التي قد تدفع في اتجاه نجاح زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري في تطبيع العلاقات المصرية- السورية، وكسر عزلة رئيس النظام السوري بشار الأسد عربيًا، تتمثل أبرزها في: 1- إن العلاقات بين نظامي السيسي والأسد مستقرة إلى حد كبير منذ تولي الأول للسلطة، فمنذ الوهلة الأولى أعلن دعمه للجيش السوري ونظام الأسد بشكل كبير في مواجهة المعارضة التي دومًا ما كانت توصف في الخطاب الرسمي والإعلامي المصري بـ”الجماعات الإرهابية”. وخلال السنوات الثمانية الماضية كانت هناك قنوات اتصال بين القاهرة ودمشق، لعل أبرزها اللقاء الذي تم على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر 2021، الذي جمع وزير الخارجية المصري مع نظيره في النظام السوري فيصل المقداد. وخلافًا لذلك كان نظام السيسي أحد أبرز الأنظمة التي دعمت الأسد لوجستيًا وعسكريًا، حيث سمحت بوصول الأسلحة الإيرانية إليه عبر قناة السويس دون اعتراض البواخر الإيرانية المحمّلة بها[3]، بجانب التعاون الاستخباراتي والتنسيق الأمني، وهو ما كشفت عنه الزيارة التي قام بها رئيس مكتب “الأمن الوطني” التابع للنظام، اللواء علي مملوك، إلى القاهرة، في عام 2018 بدعوة من رئيس جهاز المخابرات المصرية، عباس كامل[4]. بخلاف تأييد القاهرة للدعم الروسي للنظام السوري، ولوزير الخارجية المصري تصريح شهير في هذا الأمر حين قال: “دخول روسيا بإمكاناتها وقدراتها في هذه الحرب، بتقديراتنا، سيحد من تأثير الإرهاب في سوريا، والقضاء عليه”. ورغم تلك القنوات المفتوحة بين القاهرة ودمشق، فإن السيسي لم يهاتف الأسد مباشرة – ناهيك عن لقائه – إلا غداة زلزال 6 فبراير الحالي[5]. كما أن زيارة شكري لدمشق هي الزيارة الأولي منذ عام 2011 عندما علقت الدول العربية عضوية سوريا في جامعة الدول العربية. وهو ما يؤشر علي وجود حالة من الزخم في العلاقات بين البلدين، وقد تكون الزيارات الدبلوماسية والتي جاءت بدوافع إنسانية مقدمة لزيارات قد تتم في المستقبل بدوافع سياسية. 2- حالة الانفتاح العربي المتزامن والمتصاعد علي النظام السوري، فقد تزامنت زيارة شكري إلى دمشق مع تحركات على المستوي العربي في التعاطي مع كارثة الزلزال، مثل طائرات وشحنات المساعدات العربية التي حطت في الأراضي السورية بالتنسيق مع الحكومة السورية، ومنها طائرات المساعدات السعودية التي هبطت في مطار حلب للمرة الأولى، علاوة على التحركات الدبلوماسية مثل زيارة الأسد إلى سلطنة عمان في 20 فبراير، وزيارة كلُا من وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق في 12 و15 فبراير على الترتيب، وصولًا إلى زيارة الوفد البرلماني العربي الذي تشكل من رؤساء برلمانات مصر والعراق والإمارات والأردن وفلسطين وليبيا وسلطنة عمان ولبنان إلى دمشق في 26 فبراير[6]. وللمرة الأولى منذ أكثر من عقد، تلقى الأسد اتصالًا هاتفيًا من ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة. وبعد أيام من الزلزال، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد قراره رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بسوريا، وهي خطوة ربما تمهد لإعادة العلاقات بشكل كامل مع نظام الأسد. فيما نقل وفد وزاري لبناني مكلف من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى الأسد استعداد لبنان لفتح مطاراته وموانئه لاستقبال مساعدات ترد إلى سوريا من أي دولة أو جهة. وهذا أول وفد وزاري رسمي لبناني يزور دمشق منذ اندلاع النزاع 2011، بينما توجه إليها في السابق وزراء لبنانيون بمبادرات شخصية، بعدما كانت الحكومات المتعاقبة في بيروت قد اتبعت سياسة “النأي بالنفس” عن النزاع في سوريا[7]. 3- تلعب الإمارات علي وجه التحديد، بجانب مصر والأردن، الدور الأبرز في مساعي إعادة النظام السوري إلي الجامعة العربية، والذي يتماشى مع رغبة الجزائر والعراق وسلطنة عمان ولبنان والذين في الأصل لم يقطعوا علاقاتهم مع النظام السوري منذ بداية الثورة. فيما تتمثل الدول الرافضة لتعويم النظام السوري عربيًا في السعودية وقطر والكويت. وفي هذا السياق، وقبل زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى دمشق في 12 فبراير، فقد استقبلت الإمارات في 18 من مارس 2022 بشار الأسد وكانت الزيارة الأولى من نوعها لدولة عربية منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، كما قام وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في وقت سابق بزيارتين لدمشق الأولى في 11 نوفمبر2021 والزيارة الثانية في تاريخ 4 يناير 2023. وكجزء من عملية التعويم تدعم الإمارات النظام السوري في عدد من المجالات، ففي وقت سابق كشف تقرير في عام 2020 لموقع XXI الفرنسي أن الإمارات تدرب ضباط المخابرات العسكرية السورية وتقدم المساعدة لنظام بشار الأسد في المجالات اللوجستية والتقنية والعلمية، كما قدم الضباط الإماراتيون الدعم لهيئة الأركان العامة للجيش السوري، حيث سُمح لخمسة طيارين سوريين بالتدريب في أكاديمية خليفة بن زايد العسكرية، كما تقدم الإمارات مساعدات لبناء المرافق العامة ضمن مناطق سيطرة النظام، فضلاً عن تمويل إعادة إعمار المباني العامة ومحطات الطاقة ومحطات تنقية المياه داخل العاصمة دمشق. وتبرر الإمارات هدفها في تعويم نظام الأسد بهدف تغيير سلوك النظام فيما يتعلق بنشاط الميليشيات الإيرانية جنوبي سوريا، عن طريق إغرائه باستعادة شرعيته العربية والدولية[8]. كما تسعى الإمارات من خلال دعم الأسد إلي المحافظة على الوضع الراهن في المنطقة العربية، بمعنى العودة إلى ما قبل…