رغم الأزمة الاقتصادية .. ثلاثة إجراءات صدامية للنظام مع الشعب
تمر مصر بأزمة اقتصادية وغذائية عنيفة؛ فقد تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار بنحو 60% منذ مارس 2022م؛ حيث تراجع من 15.70 جنيها إلى 24.75 جنيها في منتصف ديسمبر؛ وهو ما أفضى إلى ارتفاع أسعار الغذاء، و تفاقم الوضع الاجتماعي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وعدم قدرة عشرات الملايين على توفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمسكن والملبس. وأمام الورطة التي صنعها النظام بيده، يجد الجنرال عبدالفتاح السيسي نفسه أمام مأزق كبير؛ فهو يعاني من شح الدولار في ظل ارتفاع فاتورة الاستيراد، كما وصلت مستويات الديون إلى معدلات مخيفة، ويكفي أن جميع إيردات الدولة المتوقعة في الموازنة الحالية (2022/2023) لا تكفي لسداد بند خدمة الدين فقط والذي يتضمن الأقساط والفوائد. في ظل هذه الأوضاع المأساوية خصوصا على الفقراء والمساكين والذين يقدرون بعشرات الملايين من المصريين، يصر النظام على الدخول في صدام مباشر مع جميع فئات الشعب من خلال ثلاثة أجراءات صدامية: أولها الفاتورة الإلكترونية، حيث أعلنت مصلحة الضرائب المصرية في نوفمبر 2022 عن إلزام أصحاب المهن الحرة بالتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية على جميع تعاملاتهم مع العملاء الأفراد والشركات، اعتبارا من منتصف ديسمبر 2022م، وأمام احتجاجات ورفض النقابات المهنية كالمحامين والأطباء والصيادلة وغيرهم، أرجأت الحكومة القيد في المنظومة حتى 30 إبريل 2023م. الحكومة من جانبها ترى أنها تنفذ القانون؛ حيث جاء قانون الإجراءات الضريبية الموحد رقم 206 لسنة 2020،الصادر في أكتوبر 2020، الذي تنص المادة 37 منه على أنه يجب على كل ممول أو مكلف وغيرهم ممن يفرض عليهم القانون ذلك، إصدار فاتورة ضريبية أو إيصال مهني بالنسبة لمن يزاول مهنة حرة، عند بيع السلعة أو أداء الخدمة، وحدد البيانات المطلوب أن تشتمل عليها الفاتورة أو الإيصال. ونص القانون بالمادة 71 منه على عقوبة بغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تزيد على مئة ألف جنيه، في حالة عدم إصدار الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال، ونفس العقوبة لعدم الالتزام بالبيانات التي يجب أن تحتويها الفاتورة أو الإيصال، ونفس العقوبة لعدم إمساك حسابات إلكترونية توضح الإيرادات والتكاليف السنوية. هو القانون الذي يضع الحكومة في حالة صدام مع نحو 9 ملايين عضو بالنقابات المهنية، فالقانون الذي طرحته الحكومة سنة 2020، وتسعى لتطبيقه بشكل نهائي عام 2025، على المنشآت الفردية -سواء كانت تجارية أو صناعية أو خدمية أو مهنية-، تستهدف منه تحقيق إيرادات ضريبية تاريخية بنحو 1.065 مليار جنيه، لدعم موازنتها العامة التي تعاني من العجز وتفاقم الديون.[[1]] وفق مخططات دمج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد الرسمي. ثانيها، انتهاك سرية الأرصدة والحسابات البنكية، وهو القرار الذي أربك الأسواق وأقلق المواطنين؛ فقد مررت الحكومة مشروع قانون بتعديلات على قانون الإجراءات الضريبية الموحد، تسمح هذه التعديلات للبنوك بالإفصاح عما لديها من معلومات لأغراض تبادل المعلومات؛ تنفيذا للالتزامات الواردة في الاتفاقية الدولية الخاصة بالضرائب والنافذة في مصر. معنى ذلك أن هذه التعديلات تسمح لمصلحة الضرائب ووزارة المالية بتبادل المعلومات مع البنوك، وهو ما يعني انتهاك سرية حسابات وأرصدة عملاء البنوك والاطلاع على كافة الأسرار والحسابات وانتهاك قانون البنوك. وتأتي هذه التعديلات متصادمة مع المادة 97 من قانون البنك المركزي التي تنص على أن: تكون جميع حسابات العملاء وودائعهم وأماناتهم وخزائنهم في البنوك، وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية، ولا يجوز الاطلاع عليها أو إعطاء بيانات عنها بطريق مباشر أو غير مباشر، إلا بإذن كتابي من صاحب الحساب أو الوديعة أو الأمانة أو الخزينة، أو من أحد ورثته أو أحد الموصى لهم بكل أو بعض هذه الأموال، أو من النائب القانوني أو الوكيل المفوض في ذلك، أو بناء على حكم قضائي أو حكم محكمين”. صحيح أن البنك المركزي ومصلحة الضرائب سارعا إلى إصدار بيانين يؤكدان فيهما أن التشريع لأغراض تتعلق بتنفيذ بنود اتفاقية دولية، وأنه لن يمس بسرية حسابات المتعاملين مع البنوك، لكن القرار أثار قلق أصحاب المدخرات، إضافة إلى أن الوقت غير مناسب على الإطلاق لتمريره في ظل الضغوط المتزايدة على القطاع المصرفي وزيادة حدة أزمة العملة، رفع من منسوب الشكوك أن مشروع القانون يستهدف زيادة الحصيلة الضريبية لتمويل عجز الموازنة، وهي خطوة قد تؤدي إلى عزوف المواطنين عن الإيداع في البنوك وسحب مدخراتهم. فالتعديلات المقترحة على هذا النحو وفي هذا السياق المأزوم هي سابقة لم تحدث من قبل؛ قد يكون هدفها الرئيسي هو التمهيد لإجراءات قانونية وبنكية مفتعلة؛ لتجميد بعض الحسابات ومصادرة الأموال والودائع لحساب الحكومة وأزمتها الاقتصادية، وهو ما قد يعجل بعواقب عدم الاستقرار، وقد يزيد من وتيرة هروب المستثمرين أجانب ومصريين؛، حيث لا يمكن الاستثمار في مناخ لا يضمن الحماية البنكية للمودعين. ثالثا، البدء في تطبيق قانون المحال العامة؛ الإجراء الثالث المتصادم مع فئات معتبرة من الشعب هو البدء منذ يوم 11 ديسمبر 2022 في تطبيق قانون المحال العامة التجارية وهو القانون(رقم 154 لسنة 2019)، وهو القانون الذي يستهدف به النظام ضم الاقتصاد الموازي (غير الرسمي) إلى منظومة الاقتصاد الرسمي بهدف زيادة غلة الحصيلة الضريبية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، عبر توفيق أوضاع المحال العامة غير المرخصة. معنى ذلك أن النظام سوف يدخل في صدام مباشر مع نحو 7 إلى 8 ملايين من أصحاب المحال العامة وفقا لحصر النائب في البرلمان محمد عطية الفيومي، عضو لجنة الإدارة المحلية بالمجلس.[[2]] وبينما تنظر الحكومة إلى القانون من زاوية تعزيز الغلة الضريبية؛ فإنها تتجاهل الأبعاد الأخرى والتي قد تكون أكثر خطورة؛ وأهمها أن هذا القانون سوف يرهق كواهل ملايين الأسر البسيطة التي يعيش معظمها مستورا بشكل نسبي على هامش الدولة، من خلال الرسوم التي يفرضها القانون، والغرامات المستحقة حال الإخلال به. بموجب القانون الجديد، سيكون أمام أصحاب المحال غير المرخصة عام واحد للحصول على تراخيص تجارية كي تصبح جزءا من الاقتصاد الرسمي، وسيتعين على أصحاب المحال التقدم إلى مراكز الترخيص الجديدة، والتي ستتلقى الطلبات وتمنح التراخيص في غضون 90 يوما. كما يمكن أن يجري إصدار الترخيص في غضون شهر إذا جرى استيفاء المتطلبات العامة المنصوص عليها في القانون، وتتراوح رسوم الترخيص التي يحددها القانون من ألف جنيه إلى 100 ألف جنيه حسب الموقع والمساحة.[[3]] وإذا تم الإخلال بهذه الشروط سيتم توقيع العقوبة المنصوص عليها في القانون وهي عقوبات متدرجة تبدأ بالغرامة من 20 ألف جنيه إلى 50 ألف جنيه وتصل إلى الحبس لمدة عام، وهذا في حالات تكرار المخالفة. ليس ذلك فقط فإن القانون يمنح رخصة مؤقتة لمدة خمس سنوات للمحال التي توجد في مبان مخالفة حتى توفق أوضاعها؛ وبالتالي فالهدف هو زيادة غلة الحكومة الضريبية والمالية من خلال حصر الاقتصاد غير الرسمي من جهة وكذلك حصر المباني المخالفة وإجبارها على دفع غرامات التصالح من جهة أخرى. من جهة أخرى سبق ذلك بأيام، قرار حكومي نشر في الجريدة الرسمية يوم 7 ديسمبر 2022م، ويقضي باشتراط الحصول على موافقات أمنية…