قراءة في إعلان الحكومة خصخصة 32 شركة
يوم الأربعاء 08 فبراير23م، أعلن مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، نية الحكومة طرح 32 شركة حكومية للخصخصة بشكل جزئي خلال العام المقبل[[1]]، وهو ما اعتبر من جانب خبراء ومحللين إعادة طرح للأصول التي حاولت الحكومة عرضها للاستثمار الأجنبي على مدى السنوات الخمس الماضية، عندما أطلقت نسخة سابقة من برنامج الطروحات العامة عام 2018، لكنه تعثر بسبب ظروف السوق غير المواتية. وحسب مدبولي في المؤتمر الصحفي الذي انعقد لهذا الغرض، فإن البرنامج جزء من الخطوات التي ستتخذها الحكومة خلال العامين المُقبلين لمواجهة نقص الدولار، الذي أرجعه إلى «التداعيات الاقتصادية المستمرة» للغزو الروسي لأوكرانيا، وأوضح أنه سيتم طرح أسهم 32 شركة للاستثمار، إما لمستثمرين استراتيجيين أو من خلال الاكتتاب العام في البورصة المصرية، أو كليهما. وتمثل الأساليب المتعددة تغييرًا في التكتيك مقارنة ببرنامج الطروحات العامة في 2018، والذي شمل عرض الشركات الـ32 للخصخصة الجزئية عبر تلك الطروحات العامة 14 شركة كان مقررًا لها الطرح في البورصة، إلى جانب بيع أسهم إضافية في تسع شركات مُدرجة بالفعل. لكن تلك الطروحات تأخرت، لأن موجة عالمية من هروب رؤوس الأموال الأجنبية من الأسواق الناشئة أدت إلى خروج المستثمرين من مصر بحلول نهاية العام نفسه، وفي النهاية اقتصرت الطروحات العامة على شركة الشرقية للدخان، وe-Finance ونادي غزل المحلة الرياضي، في حين باعت الحكومة أسهمًا للشركات الأخرى المشاركة في البرنامج، مثل «أبو قير للأسمدة» وشركة الإسكندرية للشحن، مباشرة لمستثمرين استراتيجيين في الخليج في وقت سابق من 2022.[[2]] ومن أهم الملاحظات على الإعلان الحكومي أن الـ(32) شركة المملوكة للدولة تعمل في 18 قطاعا، بزيادة 12 شركة عما أشار إليه مدبولي قبل أسبوع من طرح 20 شركة، لسد فجوة تمويلية تعاني منها مصر مقدرة بـ17 مليار دولار. والشركات المقرر طرحها تتنوع أنشطتها بين 3 بنوك: القاهرة، والعربي الإفريقي الدولي، والمصرف المتحد، وشركتي تأمين على الحياة هما «مصر لتأمينات الحياة» و«مصر للتأمين»، وهم شركتان تطرحان للخصخصة للمرة الأولى؛ حيث تستحوذ “مصر للتأمين” على نحو ثلث سوق التأمين في مصر. ومصر لتأمينات الحياة، تعمل لمدة 123 عاما منذ تأسيسها مطلع القرن الماضي، وصارت أكبر شركة تأمينات حكومية بمصر والمنطقة العربية كلها باستثمارات أكثر من 37 مليار جنيه، ونحو 32 بالمئة من سوق التأمين في مصر، وشركتي نقل بحري، و7 شركات بترول وأسمدة وكيماويات، و4 للتطوير العقاري، هي النصر للإسكان والتعمير، والمعادي للتنمية والتعمير، والمستقبل للتنمية العمرانية، والصالحية للاستثمار والتنمية، بالإضافة إلى بعض الفنادق المملوكة لوزارة قطاع الأعمال العام. كما ضمت القائمة شركة بورسعيد لتداول الحاويات والبضائع، وهي إحدى شركات الشحن الحكومية، بمدينة بورسعيد، وتشغل محطة حاويات ميناء غرب بورسعيد. كذلك شركة “دمياط لتداول الحاويات”، التي تأسست عام 1986، لتداول الحاويات والبضائع بأنواعها بميناء دمياط، وشحن وتفريغ السفن، فيما تسعى قطر للاستحواذ على الشركتين. كما تشمل ثلاث محطات كهرباء هي: محطة جبل الزيت لطاقة الرياح، ومحطة الزعفرانة لطاقة الرياح، ومحطة كهرباء بني سويف التي أنشأتها شركة سيمنز الألمانية سنة 2018م. بالإضافة إلى شركتي «وطنية» لبيع وتوزيع المنتجات البترولية، و«صافي للمياه»، المملوكتين للجيش، ومن اللافت في إعلان الحكومة أيضا استبعاد أسماء شركات كانت مرشحة بقوة للطرح منها “بنك الإسكندرية” الذي تساهم فيه مجموعة “سان باولو” الإيطالية بحصة 80%. بجانب استبعاد شركتي البترول “إي ميثانيكس”، و”إنبي”، برغم من ورودهما بتقارير البورصة المصرية عن خطة الطروحات. الملاحظة الثانية أن مدبولي يرى أن الخصخصة الجزئية لـ 32 شركة تدل على جدية خطط الدولة الواردة في وثيقة سياسة ملكية الدولة للخروج من بعض القطاعات الاقتصادية وتقليص وجودها في قطاعات أخرى. لكنه يتجاهل أن ذلك يمثل ترجمة لإملاءات صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الدولية؛ حيث يضغط الصندوق منذ سنوات على نظام الحكم في مصر، لتقليل تأثير الدولة في الاقتصاد وتوسيع المساحة للقطاع الخاص، وهو التغيير الذي كان يهدف برنامج الطروحات العامة في 2018 إلى تحقيقه. والبرنامج لا يتوقف على طرح هذه الشركات الـ”32″ فقط، بل من المرجح حسب مدبولي نفسه «إضافة شركات وقطاعات وكيانات أخرى خلال المدى الزمني نفسه طبقاً للانتهاء من إعداد الشركات الأخرى، ونحن كدولة سنطرحهم للمرة الأولى منهم قطاعات، على غرار التأمين والكهرباء والطاقة والبترول والنقل وتداول الحاويات وهي قطاعات متنوعة ستطرحها الدولة في توقيتات المدى الزمني».[[3]] الملاحظة الثالثة أن برنامج الخصخصة الجديد لا يتعلق بتحسن ظروف البيع، بل بسبب الحاجة المُلّحة إلى الدولار، حيث تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022م، في خروج مستثمرين من سوق السندات في مصر، ما أدى إلى خروج 20 مليار دولار من البلاد خلال النصف الأول من العام. أدى هذا الخروج إضافة إلى ارتفاع التضخم العالمي، إلى نقص حاد في الدولار، ما ألحق خسائر فادحة بالسوق المُعتمد على الاستيراد في مصر. ففي 2018م كان لدى السيسي مساحة لاختيار التوقيت وانتظار تحسن السوق. لكنه الآن بحاجة إلى الكثير من الدولارات بأسرع وقت ممكن»، فلم تكن ديوننا قد تجاوزت 150 مليار دولار، وكان الوضع العالمي أفضل من الآن، ولم تكن مصر قد تعرضت لجائحة فيروس كورونا، أو لتبعات الحرب الروسية على أوكرانيا». في ظل هذه الظروف، يمكن أن توفر الخصخصة بديلًا للتدفقات غير الموثوقة للأموال الساخنة من سوق السندات. فمصر حاليا تحتاج بشدة إلى جلب استثمارات أجنبية، ولكن ليس من خلال أدوات الديّن، لأن سقف ديوننا يقترب من الحد الأقصى. وتعمل الحكومة منذ أكثر من عام على بيع حصة الحكومة في العديد من الشركات المصرية لمستثمرين أجانب، ضمن عدة إجراءات أخرى، في محاولة لتدبير عدة مليارات من الدولارات، للوفاء بالتزاماتها الخارجية. وفي خطة صندوق النقد الدولي، التي رسمها عند منحه مصر تسهيلاً ممتداً بمبلغ ثلاثة مليارات دولار، على 46 شهراً، ظهر توقع الصندوق والحكومة المصرية جمع ما يقرب من 14 مليار دولار من حصيلة بيع تلك الشركات، كما استثمارات الأجانب في أدوات الدين بالعملة المحلية (الأموال الساخنة). ويمثل سماح البنك المركزي المصري للدولار بالارتفاع بما يقرب من 100% مقابل الجنيه، منذ شهر مارس 2022م، وصولاً إلى سعر يتجاوز 30 جنيهاً للدولار، تحفيزاً إضافياً للمستثمرين الأجانب لجذب الأموال الساخنة مرة أخرى، حيث أفقد وحده الشركات المصرية ما يقرب من نصف قيمتها، بالنسبة للراغبين في الشراء بالعملة الأجنبية. وتعهدت الحكومة كذلك بإعادة هيكلة ضخمة لحصص القطاعين الاقتصاديين العام والخاص، إضافة إلى تبنّي إجراءات لمعالجة أزمة العملة المتفاقمة في البلاد وتفاقم الديون، بحسب ما ذكرته صحيفة Financial Times البريطانية، يوم 23 يناير/كانون الثاني 2023م. هذه الالتزامات التي تعهدت بها حكومة السيسي تعتمد على وثيقة سياسة ملكية الدولة الجديدة التي وضعتها الحكومة، وتتعهّد الوثيقة بأن تخرج الدولة بالكامل من 79 قطاعاً اقتصادياً، وتخرج جزئياً من 45 قطاعاً آخر في غضون 3 سنوات، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في الاستثمارات العامة من 30 إلى 65%. الملاحظة الرابعة، تتعلق بالهدف من برنامج الخصخصة وهل يمكن أن يجلب…