قراءة في مستجدات المشهد الميداني بسيناء خلال نوفمبر 2022
خلال شهر نوفمبر 2022م، شهد المسرح الميداني بشبه جزيرة سيناء عدة تحولات وإجراءات تستوجب الرصد والتحليل. فقد تزايدت معدلات الهجمات المسلحة من جانب تنظيم “ولاية سيناء”، والأهم هو شروع الجيش في تهجير سكان نحو 9” قرى بمنطقتي رفح والشيخ زويد من أجل إقامة مشروعات تتعلق بمخططات «صفقة القرن»، وهي الإجراءات التي تتزامن مع عودة بنيامين نتنياهو على رأس حكومة الاحتلال في نهاية شهر نوفمبر الجاري، بعدما فاز الليكود بانتخابات الكنيست الأخيرة. وكان النظام يحظر الدخول والتواجد في منطقة رفح، بعد تهجير الجيش لكل سكّانها، بقرار من الدكتاتور عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2014، ليتم هدم المدينة بشكل كامل؛ حيث تم إنشاء منطقة عازلة بعمق 5 كم ما أدى إلى تدمير أكثر من 6 آلاف منزل، وجرف آلاف الأفدنة الزراعية، وتهجير ما لا يقل عن 85 ألف نسمة من سكان المدينة، لم يتلقّ جزءٌ كبير منهم أي تعويضات مقابل تهجيرهم من منازلهم حتى اليوم. وحتى السكان الذين تم تهجيرهم من رفح إلى مدن ومحافظات أخرى تتم ملاحقتهم أمنيا لأن بطاقات هويتهم مدون بها “شمال سيناء” ويجري اعتقال هؤلاء بشكل دوري لأتفه الأسباب دون توجيه أي تهم لهم لمجرد أنهم من شمال سيناء. عملية التهجير حولت رفح إلى مدينة أشباح وهو الوضع الذي استغله تنظيم “داعش” على نحو جيد واستوطن هذه المنطقة حتى اليوم. إزاء هذه المعطيات، ما حقيقة ما يجري في سيناء؟ ولماذا عاد الجيش إلى تهجير سكان القرى من جديد؟ وما علاقة ذلك بعودة نتنياهو رئيسا لحكومة الاحتلال من جديد؟ وهل لهذه الإجراءات الجديدة علاقة بمخططات صفقة القرن؟ تزايد معدلات الهجمات المسلحة الملاحظة الأولى والمهمة هي تزايد معدلات الهجمات المسلحة التي يشنها تنظيم «ولاية سيناء»؛ فقد شهد نوفمبر عدة هجمات مسلحة أدت إلى سقوط عشرات القتلى والمصابين في صفوف الجيش والشرطة والمليشيات القبلية المساندة للجيش. وخلال شهر نوفمبر تم رصد الهجمات الآتية: أولا، قتل مجندان وأصيب ضابط شرطة في هجوم شنه مسلحون صباح الأحد 27 نوفمبر على كمين «المثلث» الأمني بالقرب من قناة السويس؛ حيث بدأ الهجوم فجرا بتفجير انتحاري نفسه في الكمين، تبعه إطلاق نار من عدة جهات، فيما ردت قوات الجيش بإطلاق النار، واستمر الاشتباك حتى ساعات الصباح بعد أن وصلت تعزيزات عسكرية من المواقع القريبة لمكان الهجوم.[[1]] ثانيا، في صباح السبت 19 نوفمبر 2022م، قُتل سبعة عسكريين،(ضابطان وخمسة جنود) في هجوم واسع لتنظيم “ولاية سيناء” على مدينة القنطرة شرق، التي تقع ضمن نفوذها قناة السويس، والتابعة إدارياً لمحافظة الإسماعيلية. حيث احتل المسلحون عدة مباني رسمية (مدرسة وكلية صيدلة وعدة مباني أخرى)، ودخلوا في اشتباك مباشر مع القوات النظامية في مدينة حساسة كالقنطرة شرق على بعد عدة كيلومترات مجرى قناة السويس؛ واستمر الاشتباك عدة ساعات إلى أن هرعت قوات كبيرة من الجيش والشرطة والمجموعات القبلية المساندة لها لصدّهم، بالتالي فإن الهجوم على هذا النحو ليس فقط رسالة تحد للنظام العسكري بل رسالة تهديد بأن التنظيم قادر على تهديد المجرى الملاحي لقناة السويس. [[2]] ثالثا، وفي مساء الأحد 06 نوفمبر قتل ضابط وثلاثة من مليشيات القبائل المساندين للجيش؛ والضابط هو المقدم عاصم ويشغل منصب قائد “كتيبة 103 صاعقة” والمساندون الثلاثة هم عامر عميرة وحسين سالم وتوفيق شاهين.[[3]] وفي مايو (2022) شن التنظيم عدة هجمات مسلحة أسفرت عن مقتل نحو 23 عسكريا بينهم ثلاثة ضباط بخلاف المصابين والجرحى ردا على اعتقال عدد من زوجات عناصر التنظيم.[[4]] وهو ما دفع الجيش في (يونيو 2022) إلى شن حملة جديدة على أوكار التنظيم بمساعدة مليشيات القبائل، في ظل تصاعد المواجهات الأمنية في مدينة رفح بمحافظة شمال سيناء. وشهدت قرى بلعا والمطلة والحسينيات اشتباكات ضارية بين “ولاية سيناء” وقوات الجيش والقبائل، لكن الكمائن والفخاخ والعبوات الناسفة واستخدام تكتيكات حرب العصابات من جانب التنظيم ببراعة، ألجأت الجيش إلى استخدام الطيران الحربي كما تم الدفع بقوات خاصة ومشاة لدعم تقدم عناصر المليشيات القبلية المساندة للجيش التي تتقدم الصفوف ويقع بها أكثر القتلى والمصابين. وتأتي هذه الهجمات المسلحة بعد فترة من الهدوء النسبي امتدت لأسابيع؛ كما تأتي في أعقاب حملة دعائية من جانب نظام السيسي وآلته الإعلامية تروج بأن الجيش قد بسط سيطرته الميدانية كاملة على شمال سيناء وخاصة منطقة رفح بالقرب من الحدود مع قطاع غزة والمناطق المحيطة بها، لا سيما بعد شن الجيش حملة عسكرية مكبرة في يونيو 2022 بمساعدة مجموعات قبلية مسلحة موالية للسلطة على هذه المنطقة التي تضم الشريط الساحلي والتي تبلغ مساحتها نحو خمسة كم باتجاه الغرب نحو مدينة الشيخ زويد. وللبرهنة على ذلك أدى قائد الجيش الثاني الميداني اللواء محمد ربيع في يوليو 2022م، صلاة عيد الأضحى بهذه المنطقة؛ لكن داعش بعدها شن مزيدا من الهجمات المتتالية على المنطقة التي أدت إلى وقوع ضحايا في صفوف المجموعات القبلية وقوات الجيش. وهي الهجمات التي تزعزع الصورة التي تحاول المؤسسة العسكرية رسمها والترويج لها بالسيطرة والتحكم في الميدان، حيث برهنت هذه الهجمات أنها صورة مخالفة للواقع. وكانت القوات المسلحة تمتنع عن دخول أحياء رفح منذ الانتهاء من هدمها، خصوصاً الشمالية منها القريبة من شاطئ البحر، وكذلك تمنع المجموعات القبلية من التنقل فيها طيلة السنوات الماضية، إلى أن سمحت بذلك منذ أيام، فيما لاقت هجمات عنيفة من التنظيم، أجبرتها عن إيقاف التمشيط حتى إشعار آخر.[[5]] تسهيلات لتحسين معيشة المواطنين الإجراء الثاني في الوضع الميداني بشمال سيناء تضمن تسهيلات للسكان بشأن القيود الصارمة المفروضة على تحركاتهم ومعيشتهم منذ سنة 2014م، ومن هذه الإجراءات: أولا، تم فتح محطات الوقود أمام السيارات بشكل كامل، بعدما كان يُسمح للمواطنين بالتعبئة مرة إلى مرتين أسبوعياً وبكميات محدودة للغاية، وبحضور قوة من الجيش المصري، والجهات الحكومية المختصة. كذلك تم السماح بدخول الزيوت المخصصة للسيارات بشكل دائم، من دون الحاجة إلى تنسيق مسبق كما كان الحال طيلة السنوات الماضية. ثانيا، فتح عدة طرق ومفترقات هامة في مركز مدينة العريش، بعدما كانت مغلقة منذ ستة أعوام متتالية، ما يخفف من معاناة المواطنين في التنقل بين أحياء المدينة التي تمثل عاصمة لمحافظة شمال سيناء، وتحوي المراكز الحيوية لكافة سكان المحافظة. ثالثا، السماح بإعادة ترميم محطات للوقود في مدينة الشيخ زويد التي يضطر سكانها وسكان قرى رفح إلى تعبئة سياراتهم بالوقود من مدينة العريش، في ظل عدم عمل أي محطة وقود فيها منذ عام 2013، بعدما هدم الجيش المصري جزءاً منها، والجزء الآخر تعرض للتلف نتيجة تركها بلا عمل طيلة الأعوام الماضية. رابعا، تم تشغيل أبراج الاتصالات في مدينتي رفح والشيخ زويد، ما أدى إلى وصول شبكات الاتصال والإنترنت إلى كافة مناطق شمال سيناء، للمرة الأولى منذ عام 2013. خامسا، فتحت قوات الجيش عدداً من الطرق في نطاق مدينة بئر العبد، وعدداً من الكباري (الجسور) الفرعية التي كان يستخدمها السكان في…