“إعلان الجزائر” للمصالحة الفلسطينية
بعد نحو عام من اللقاءات المتوالية، وقّعت الفصائل الفلسطينية في العاصمة الجزائرية، الخميس 13 أكتوبر الجاري، اتفاقا لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، برعاية جزائرية، خلال فعاليات مؤتمر “لمّ الشمل من أجل تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية”، بمشاركة نحو 14 فصيلا، وحضور الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ووزير الخارجية الجزائري رمضان لعمامرة وقيادات النظام الجزائري، وممثلين عن قطر وعمان. جرى التوقيع بقصر الأمم بالضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية، وهو المكان الذي شهد إعلان الرئيس الراحل ياسر عرفات يوم 15 نوفمبر 1988، قيام دولة فلسطين. وقد جرت تعديلات على المسودة الجزائرية بعد مشاورات مكثفة، أبرزها حذف البند المخصص بشأن تشكيل حكومة الوحدة. وفي 6 ديسمبر 2021، أعلن الرئيس الجزائري “عبدالمجيد تبّون” اعتزام بلاده استضافة مؤتمر جامع للفصائل الفلسطينية، ولاحقا استقبلت الجزائر وفودا تمثل الفصائل واستمعت منها إلى رؤيتها حول إنهاء الانقسام. وتعاني الساحة الفلسطينية انقساما سياسيا وجغرافيا، منذ صيف 2007، حيث تسيطر “حماس” على قطاع غزة، في حين تدار الضفة الغربية من طرف الحكومة الفلسطينية التي شكلتها “فتح”. أولاً: بنود الاتفاق: وتضمن الإعلان 9 بنود، هي: 1- التأكيد على أهمية الوحدة الوطنية كأساس للصمود والتصدي ومقاومة الاحتلال لتحقيق الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني واعتماد لغة الحوار والتشاور لحل الخلافات على الساحة الفلسطينية، بهدف انضمام الكل الوطني إلى منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. 2- تكريس مبدأ الشراكة السياسية بين مختلف القوى الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك عن طريق الانتخابات، وبما يسمح بمشاركة واسعة في الاستحقاقات الوطنية القادمة في الوطن والشتات. 3- اتخاذ الخطوات العملية لتحقيق المصالحة الوطنية عبر إنهاء الانقسام. 4- تعزيز وتطوير دور منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها بمشاركة جميع الفصائل الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بجميع مكوناته ولا بديل عنه. 5- يتم انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج حيث ما أمكن، بنظام التمثيل النسبي الكامل وفق الصيغة المتفق عليها والقوانين المعتمدة بمشاركة جميع القوى الفلسطينية خلال مدة أقصاها عام واحد من تاريخ التوقيع على هذا الإعلان. وتعرب الجزائر عن استعدادها لاحتضان انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، والذي لقي شكر وتقدير جميع الفصائل المشاركة في المؤتمر. 6- الإسراع بإجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها مدينة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية وفق القوانين المعتمدة في مدة أقصاها عام من تاريخ التوقيع. 7- توحيد المؤسسات الوطنية الفلسطينية وتجنيد الطاقات والموارد المتاحة الضرورية لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار ودعم البنية التحتية والاجتماعية للشعب الفلسطيني بما يدعم صموده في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. 8- تفعيل آلية للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية ومتابعة إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية والشراكة السياسية الوطنية. 9- يتولى فريق عمل جزائري عربي الإشراف والمتابعة لتنفيذ بنود هذا الاتفاق بالتعاون مع الجانب الفلسطيني وتدير الجزائر عمل الفريق. ومنذ صيف 2007، ، تعاني الساحة الفلسطينية من انقسام سياسي وجغرافي، حيث تسيطر حركة “حماس” على قطاع غزة، في حين تدار الضفة الغربية من جانب حكومة شكلتها حركة “فتح” بزعامة الرئيس محمود عباس. ثانياً: أهمية المبادرة وفرصها المستقبلية وعلى الرغم من عدم تضمن المبادرة ، أية بنود جديدة عن مبادرات عربية سابقة، إلا أنها تعزز لغة الحوار بين الفصائل وتُمهّد لإمكانية استكمال هذا المسار، بعد سنوات من التعثر والخلافات. كما أن البنود شاملة كافة القضايا والمحاور الرئيسية، ويمكن أن تكون أرضية أساسية يُبنى عليها للوصول إلى الوحدة والذهاب نحو شراكة سياسية.. ووفق تقديرات استراتيجية، فإن المسودة تُلبي تطلعات الجميع، وتجمع طرح فصائل منظمة التحرير، والفصائل خارج المنظمة وتُلبي رغباتهم وتطلعاتهم وخاصة تفعيل المنظمة والانتخابات العامة.. ووفق محمد عثمان، ممثل حماس بالجزائر، فإن اضطلاع الجزائر بمهمة التوافق السياسي بين الفصائل الفلسطينية، يتسم بكثير من المصداقية والموثوقية، بقوله “خلوّ الأجندة السياسية للجزائر من أي دوافع، سوى صون الحقوق الفلسطينية والاضطلاع بدور حقيقي لاستعادة الصدارة للقضية الفلسطينية في الأروقة الإقليمية والدولية”. ولعل الأهم، في “إعلان الجزائر”، هو تمكن الرئيس الجزائري من نقل ملف المصالحة الفلسطينية من أروقة اجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية إلى الأروقة السياسية الواسعة؛ اذ تميز المؤتمر بالحضور الواثق والواضح للرئيس الجزائري في اروقة المؤتمر وقاعاته مساء الأربعاء 12 أكتوبر بعد تسرب الأنباء عن إمكانية تعطل مسار المصالحة؛ نتيجة الخلاف على مرجعية الاتفاق، وموضع الاتفاقات الدولية وقراراتها التي في مجملها لم تعطِ الفلسطينيين حقوقهم، وجميعها لم تنفذ بسبب التعنت الاسرائيلي والفيتو الأمريكي وازدواجية المعايير الاوروبية. وقد انخرطت الرئاسة الجزائرية على اعلى المستويات في إنجاح المؤتمر، وربط مخرجات القمة العربية المرتقبة التي تدعم الاتفاق، لتضفي مزيدًا من الزخم على الجهد والدور الجزائري المرتقب لمتابعة ملف المصالحة، وتنفيذ بنود الاتفاق، ومتابعة جدوله الزمني. وخلافا للتجارب السابقة في مصر أو غيرها من الدول العربية؛ إذ لم يسجل للرئاسة المصرية الانخراط المباشر في ملف المصالحة، وبذات الزخم الذي قدمه الرئيس تبون، ذلك رغم انخراط القاهرة بتفاصيل الملف الفلسطيني تاريخيًا، وتماسكها الجغرافي المباشر بفلسطين وشعبها. ولعل تمكن الجزائر من نقل ملف المصالحة الفلسطينية وملف العلاقة بقضية فلسطين وقواها الحية الى مستوى جديد يتجاوز حدود التعامل الأمني الضيق، ووضعتها على طاولة البحث لدى قادة القمة العربية في الجزائر؛ ما أثار ارتياب وقلق قادة الكيان الصهيوني؛ فإسرائيل تفضل أن تكرس الملف الفلسطيني كملف أمني ثنائي تناقشه مع دول الجوار العربي والبعيد. وقد رصد محللون الانزعاج الاسرائيلي من إعادة الزخم السياسي وليس الامني للقضية الفلسطينية بعد مبادرة المصالحة بالجزائر، عبر مقال للصحفي الإسرائيلي يعقوب بيري على صفحات مجلة ناشيونال إنتريست The national interest بعنوان “كيف عززت الدبلوماسية الاستخباراتية العلاقات بين إسرائيل ومصر”، إذ أشاد بدور الاجهزة الامنية في ادارة الملف الفلسطيني، وفي خفض التوتر بين الكيان الصهيوني ومصر بعد المواجهة الاخيرة في اغسطس الماضي بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الاسرائيلي في قطاع غزة. وبالفعل نجحت الجزائر في تخطي التجارب التي حولت الملف الفلسطيني من ملف قومي وسياسي الى ملف أمني يتم التعاطي معه عبر الدوائر الأمنية الضيقة في الولايات المتحدة، أو بالتعاون المباشر مع جهاز الشاباك الاسرائيلي والأجهزة الأمنية العربية، وهو ما عملت عكسه الجزائر في مبادرة المصالحة الحالية. ثالثاً: ضمانات نجاح المبادرة وتحظى المبادرة الجزائرية بالعديد من الضمانات، الإقليمية والسياسية لإنجاحها، وفي مقدمتها، أن الاتفاق منوط بالمنظومة العربية المجتمعة قريبا في القمة العربية بالجزائر، والتي نجحت من خلال الجهد الإعلامي والدبلوماسي في جعلها مكرسة لإنقاذ القضية الفلسطينية من التراجع والتهميش.. فنقل القضايا الفلسطينية الرئيسية إلى القمة العربية، لاستعادة التضامن القومي لدعم القضية وحقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك تنفيذ القرارات السابقة التي لم تنفذ، إلى جانب ما نصت عليه مبادرة السلام العربية، يبقى الإنجاز المنتظر تحققه.. وفي هذا السياق تبرز أهمية الإشراف والمتابعة الجزائرية العربية بالتنسيق مع الفلسطينيين، حيث تبرز الرهانات بإمكانية توفيرها خلال القمة العربية المرتقبة، إذ إن الجزائر سترفع مضمون الاتفاق ليكون جزءاً من القرارات…