دعوات الاحتجاج في (11/11).. أسباب الفشل والنتائج المتوقعة
في تقدير موقف لدعوات التظاهر يوم الجمعة (11/11)، وقبل أسبوع من الموعد رفعت تقدير موقف عن الدعوة ومدى الاستجابة الشعبية المتوقعة لها في هذا اليوم، وانتهيت فيه إلى أن مؤشرات الاستجابة لهذه الدعوات تكاد تكون منعدمة، وكتبت نصا «رغم أن المعطيات على الأرض محبطة إلا أن التنبؤ بما يمكن أن يحدث بشكل مطلق، غير منطقي ويتصادم حتى مع العقائد والأفكار الإسلامية، وكما أن ثورة يناير فاجأت العالم فلا أحد يدري ما الذي يمكن أن يحدث خلال الأسابيع والشهور المقبلة؛ لأن الوضع في مصر هش للغاية وفوضوي للغاية، وانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار يضغط على النظام ويضغط على المواطنين واحتمال اندلاع احتجاجات أمر كبير الاحتمال، فمصر تنتظر شرارة البدء، وليس بالضرورة في 11 نوفمبر المقبل، قد تكون في أي وقت ولسبب بسيط أو تافه يؤدي إلى اندلاع حريق كبير يوازي الآلام الناتجة عن لهيب الأسعار المرتفعة. النظام من جانبه يدرك ذلك، ورغم قبضته الأمنية الباطشة وجيش الجواسيس والمخبرين في كل مكان إلا أنه مرعوب؛ نعم مرعوب من المستقبل ويخشى المجهول الذي لن يكون في صالحه في كل الأحوال؛ فكل السيناريوهات تؤكد انهيار نظام السيسي حتى لو فشلت الدعوات إلى التظاهر في 11/11». إزاء ذلك، وبعد أن تحقق ما توقعنا ومر يوم (11/11) هادئا دون أن أي احتجاجات في ظل حالة الرعب التي أبداها النظام؛ فلماذا فشلت دعوات التظاهر في 11/11؟ ولماذا لم تستجب الجماهير لهذه الدعوات رغم أن هناك شبه إجماع بين المصريين على ضرورة التخلص من نظام السيسي؟ وما النتائج المترتبة على فشل التظاهر؟ أولا، يكن الجزم بأن الدعوة إلى التظاهر نجحت على مواقع التواصل الاجتماعي وأزعجت النظام فعلا، وبرهنت على أن الرأي العام مهيأ للتغيير ويرغب فيه بشدة؛ لكن هذه الدعوة فشلت فشلا حقيقيا على الأرض في الشوارع والميادين؛ فلم يستجب لنداءات التظاهر أحد؛ وليس من الحكمة في شيء أن نكابر وألا نقر بفشل دعوات التظاهر في هذا اليوم؛ ومحاولات البعض توظيف حالة الرعب التي بدا عليها النظام وأجهزته الأمنية في مواجهة دعوات التظاهر باعتبار ذلك نجاحا لدعوات التظاهر قبل أن تبدأ هو من قبيل التلاعب بمفردات اللغة؛ ولن ينفع مسار الثورة والإصلاح تلك العقليات التي تعمل على قلب الإخفاقات إلى نجاحات عبر قراءات فلسفية تعتمد على التلاعب بمفردات اللغة أكثر منها اعتمادا على الحقائق الموجودة على الأرض؛ فأول العلاج الإقرار بالخطأ أو المرض ثم دقة التشخيص حتى نستطيع أن نحدد الدواء المناسب، أما المكابرة وقلب الحقائق فلن تصل بنا إلى شيء. ثانيا، عزوف الجماهير عن الاستجابة لدعوات التظاهر لم يكن أبدا لأسباب تتعلق برضا الجماهير عن سياسات النظام وتوجهاته السياسية والاقتصادية، ورغم الفرحة العارمة التي انتابت أنصار النظام رغم قلتهم إلا أن أحدهم لم يجرؤ على اعتبار ما جرى برهانا على دعم الشعب للنظام وسياساته وحبهم للجنرال المستبد. فعزوف الناس عن التظاهر في هذا اليوم لا يعكس مطلقا أي قبول شعبي للنظام بقدر ما كان ترجمة وانعكاسا لحالة الخوف من البطش الأمني[[1]]؛ فقد شن نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي حرب تخويف وإرهاب على المصريين جميعا؛ نشر الكمائن الأمنية في كل مكان، ووزع جواسيسه ومخبريه بملابس مدنية على كل الميادين والشوارع، فتش هواتف عشرات الآلاف من المارة عشوائيا، أوقف الآلاف لساعات طويلة، اعتقل المئات، نظم المئات من حملات الترهيب والتخويف والاعتقال؛ حيث كانت تطوف عشرات من سيارات الشرطة والمصفحات بأصوات سارينتها المزعج على معظم الشوارع من أجل بث الخوف والإرهاب بين الناس لمنعهم من الاستجابة لدعوات الاحتجاج؛ وتم منع أي نشاط جماهيري في هذا اليوم؛ فتم تجميد النشاط الرياضي وغلق المقاهي والسناتر التعليمية، بل تم الاكتفاء بنصف يوم فقط للفترة الصباحية في جميع المدارس يوم الخميس وإلغاء الدراسة للفترة المسائية. هذا الخوف الشديد من جانب النظام مع هذه الإجراءات بعث رسالة تخويف وإرهاب إلى الناس؛ ففضل الكثيرون الاعتكاف في بيوتهم هذا اليوم خوفا من حدوث مكروه. ومن أجمل ما قرأت في تلخيص هذا المشهد أن المصريين جميعا جلسوا بعد صلاة الجمعة أمام التلفاز يترقبون خروج المصريين للثورة على النظام! فكلهم يريد الخلاص من هذا النظام لكنهم يكتفون بالفرجة ويترقبون مخلصا يخلصهم أو محررا ينقذهم غير مدركين أن تلك مهمتهم وهذا دورهم ولن يقوم به أحد غيرهم مهما طالت الأيام. ثالثا، يمكن تفسير عزوف الجماهير عن الاحتجاج والاستجابة لدعوات التظاهر رغم قناعتهم بفشل السيسي وسقوط نموذجه الدموي الاستبدادي بعدم قناعة الجماهير كذلك بجدوى المسار الثوري؛ فقد قام الشعب بثورة عظيمة وأطاح بنظام حسني مبارك، وشارك بكثافة في جميع الاستحقاقات الديمقراطية بعد الثورة، وانحاز فيها جميعا لمعسكر الثورة سواء في انتخابات البرلمان أو الرئاسة أو الدستور، لكن الجيش انقلب على كل ذلك، ونسف بكل وحشية وعنف مسار الديمقراطية وعاد يفرض وصايته على الشعب في نسخة أكثر عنفا وإرهابا وتطرفا من نسخة حكم مبارك؛ فاختطف الرئيس المنتخب واعتقل أعضاء الحكومة ونواب البرلمان وعشرات الآلاف من أنصار الرئيس المنتخب، ونفذ عشرات المذابح التي راح ضحيتها الآلاف في مشهد عنف وإرهاب لم تشهد البشرية له مثيلا منذ عهود التتار والصليبيين. علاوة على ذلك فإن تدهور الأوضاع المعيشية بعد الثورة عما كانت عليه أيام مبارك؛ دفعت معظم المصريين إلى الكفر بالثورة رغم أن الثورة لم تحكم فعليا بل هي الثورة المضادة والدولة العميقة التي عرقلت التحول الديمقراطي ولم تترك للثورة والمسار الديمقراطي فرصة لتحكم؛ فالمتهم الحقيقي هو الثورة المضادة والحكم العسكري؛ لكن الدعاية الضخمة التي تروج الأكاذيب باستمرار بأن الثورة هي السبب وجد بعض الآذان الصاغية التي تخشى التغيير؛ لأن التغيير عندما جرى كان إلى الأسوأ ولم يكن أبدا نحو الأفضل. وهذه خلاصة تجربة الشعب من ثورة يناير وانقلاب 3 يوليو، وينسى كثيرون أن الأوضاع الاقتصادية كانت جيدة حتى 2016م رغم الفوضى السياسية والأمنية، لكن الأمور ساءت بشدة بعد اتفاق السيسي مع صندوق النقد الدولي وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار حتى انخفض إلى نصف قيمته ومنذ ذلك الحين بدأت مستويات المعيشة في التدهور الحاد ولم يتوقف هذا التدهور بل زاد سرعة وجنونا وطال أسعار كل شيء. معنى ذلك أن الشعب أنهك بشدة خلال السنوات العشر الماضية؛ أنهك سياسيا واقتصاديا ونفسيا؛ وفقد الأمل في كل شيء، وكانت عدم الاستجابة لنداءات الثورة والتظاهر تعبيرا عن هذا اليأس العميق وعدم الرغبة في فعل أي شيء كنتيجة لفقدان الأمل والإحباط. رابعا، قد تكون طبيعة المصريين عاملا من عوامل عدم الاستجابة لدعوات التظاهر؛ فالشعب المصري تعود على المقاومة السلبية في أغلب فترات تاريخه خاصة عندما يشعر بالعجز أمام سلطة دموية باطشة؛ حدث ذلك من قبل على مر التاريخ المصري؛ وهو ما يفسر خنوع المصريين للاحتلال الروماني نحو ثمانية قرون كاملة دون مقاومة تذكر، وحتى عندما جاء المسلمون لفتح مصر بقيادة الصحابي عمرو بن العاص في جيش قليل قوامه أربعة آلاف…