السياسات النقدية في مصر بعد الإطاحة بطارق عامر
في أعقاب الإطاحة بطارق عامر من رئاسة البنك المركزي في 17 أغسطس 2022م، جرى تعميم تعليمات صارمة من إدارة الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية على المواقع الإلكترونية والصحف والقنوات الفضائية التابعة لها، للتعامل الإعلامي مع استقالة محافظ البنك المركزي مفادها التركيز على أن عامر قرر الاعتذار من منصبه لضخ دماء جديدة في السوق المصرفي، مع تركيز المُذيعين والقصص الإخبارية على أن تغيير «محافظ المركزي» أتى لإحداث تغيير في السياسات النقدية لتطوير الأداء الاقتصادي والتعامل مع المتغيرات العالمية في ظل الأزمة الحالية، مع استضافة خبراء اقتصاديين لتحليل الحدث دون أي تجاوز في حق طارق عامر. وتربط بعض التفسيرات لدى قطاعات من الخبراء بين الإطاحة بعامر، وبين الانتقادات التي وجهها صندوق النقد الدولي للسياسات النقدية في مصر علنًا في بيان صدر في يوليو الماضي (2022). واعتبروا أن «تنحي عامر عن السياسات النقدية في هذا التوقيت قد يخدم سير مفاوضات الحكومة مع الصندوق»، لا سيما وأن الانتقادات من جانب الصندوق تعني بشكل واضح عدم رضاه عن التعويم الجزئي الذي أقره البنك المركزي في مارس 2022، والذي ساهم في تخفيض سعر الجنيه بعد فترة ثبات نسبي في سعره، حيث انخفض الجنيه أمام الدولار من 15.7 جنيها إلى أكثر من 18 جنيها. والإطاحة بعامر في هذا السياق قد يعني أن «مصر منفتحة على خيارات جديدة ومستعدة لتبني سياسات أكثر مرونة على صعيد سعر الصرف بالذات». هذه التأويلات اعتمدت على ما تردد من خلافات في صفوف البيروقراطية المصرية حول إمكانية التراجع أمام ضغوط الصندوق بتحرير إضافي لسعر الصرف، خاصة في ظل تقديرات ترى أن السماح ببعض المرونة في سعر الصرف قد يصل بسعر الدولار إلى 25 جنيهًا، وهو الرأي الذي كان عامر يتبناه، في حين انحاز وزير المالية، محمد معيط، للمنطق المقابل بالسماح بمرونة كاملة متوقعًا ألا يزيد سعر الدولار في تلك الحالة عن 20 جنيهًا.[[1]] وجاءت الإطاحة بعامر الذي ينحاز إلى التعويم المدار للجنيه مع الإبقاء على وزير المالية محمد معيط الذي ينحاز إلى التعويم الكلي لتمثل مؤشرا على انتصار وجهة النظر الثانية؛ وأن السيسي بصدد تغيير السياسات النقدية والتخلي عن التعويم الجزئي المدار ليذعن لإملاءات وشروط صندوق النقد الدولي التي تطالب بتحرير كامل للجنيه أمام باقي العملات الأخرى. فالصندوق يرى أن استمرار سياسة تثبيت سعر الصرف أو تحركه البطيء بما لا يعكس قيمته الحقيقية (كما يفعل النظام)، عبر مساندة الجنيه باستخدام جانب من الاحتياطي النقدي الأجنبي في ضخ السيولة الأجنبية في السوق، يعني عمليًا تعريض الاحتياطي النقدي نفسه لهزات متكررة تجعله أقل قابلية للصمود في مواجهة الصدمات الخارجية، كصدمة تفشي فيروس كورونا أو الغزو الروسي لأوكرانيا. بناء على ذلك فإن تحديد السياسة النقدية الخاصة بتحرير سعر صرف الجنيه وإعادة بناء الاحتياطي النقدي الأجنبي على رأس أولويات حسن عبدالله القائم بأعمال رئيس البنك خلفا لطارق عامر، والفريق المعاون له؛ وهو ما يمكن أن يتحقق ــ بحسب رؤية النظام ـ من خلال تلبية شروط صندوق النقد الدولي والحصول على قرض بقيمة 15 مليار دولار، بالإضافة إلى بعض التحسن على المدى الأبعد في تدفق الأموال الساخنة مجددًا، والذي سيدعمه تراجع سعر الجنيه الذي يدعم طبعًا جاذبية أوراق الدين المصرية.[[2]] لكن ذلك لا يختلف كثيرا عما كانت عليه السياسات النقدية في عهد طارق عامر باستثناء سياسات التعويم المدار وحماية العملة المحلية بشيء من الاحتياطي النقدي. وقد اعترف عامر بذلك في تصريحات له في مايو 2022، قائلًا إن استخدام وتدخل البنك المركزي في السوق باحتياطيات النقد الأجنبي أمر طبيعي، وأن هذه الاحتياطيات يتم بناؤها لمواجهة التقلبات الاقتصادية. فالاحتياطي النقدي الذي تهاوى حاليا إلى 36 مليار دولار، بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا، كان قد بلغ مستويات قياسية في 2020، وصلت إلى 45 مليار دولار، والتي «نجح» عامر في الوصول إليها عبر ارتفاعات متواصلة دون انقطاعات تذكر منذ نهاية 2016، الذي كان قد شهد أحد أسوأ مستويات الاحتياطي النقدي الأجنبي في عشر سنوات على الأقل حين بلغ وقتها 15 مليار دولار تقريبا، وذلك لأسباب تتعلق بالأساس بتدفقات الأموال الساخنة -استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية، بسبب التراجع الكبير في سعر الجنيه من ناحية والرفع الكبير للغاية في سعر الفائدة، وهي السياسة التي صاحبت تحرير سعر الصرف، وكان مبررها المعلن هو مواجهة التضخم الذي أعقب اتفاق قرض الـ12 مليار دولار في نوفمبر 2016م، بخلاف عدد من القرارات على مستوى السياسة المالية من قبيل رفع أسعار المواد البترولية، وصولًا لمعدلات تعدت 33% في عام 2017. فماذا سيفعل حسن عبدالله والفريق المعاون له (هشام عز العرب ومحمد نجيب) وهم ـ بحسب كثير من المحللين والخبراء ـ أكثر احترافية وكفاءة من طارق عامر وفريقه الذي كان يدير السياسة النقدية خلال السنوات السبع الماضية؟ وضع مأزوم قبل كل شيء، يتعين الإقرار بأن الوضع المالي والنقدي في مصر يمر بمرحلة بالغة الصعوبة، ويمر بأزمة غير مسبوقة للأسباب الآتية:[[3]] أولا، هناك مخاطر جيوسياسية عالمية لها تداعيات خطيرة على الاقتصاد المصري، كحرب أوكرانيا التي تغذي مخاطر التضخم والعملة، وتؤثر سلباً على إيرادات الدولة من النقد الأجنبي، وتعطل جهود المركزي في إعادة بناء الاحتياطي الأجنبي من موارد ذاتية. وهناك في الجانب الآخر البنك الفيدرالي الأميركي الذي يرفع سعر الفائدة على الدولار بشكل متواصل، وهو ما يضغط على سوق الصرف الأجنبي في مصر ويرفع من تكلفة الاقتراض الخارجي. وهناك أيضا شروط وإملاءات صندوق النقد الدولي من أجل الموافقة على منح الحكومة قرضا جديدا رابعا بعدما حصلت ــ عبر ثلاثة قروض سابقة ــ على أكثر من عشرين مليار دولار. لذلك فمهمة حسن عبدالله وفريقه معقدة وشاقة جدا، وتبدو أحيانا شبه مستحيلة. فاحتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي يتراجع بشدة منذ شهر فبراير2022، رغم تغذيته بودائع خليجية تبلغ 13 مليار دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، ورغم فرض قيود صارمة على حركة رؤوس الأموال وعملية الاستيراد وفتح الاعتمادات المستندية. ثانيا، هناك التزامات خارجية ضخمة مستحقة على البنك المركزي، منها مثلا سداد أعباء ديون خارجية تقدر بنحو 35 مليار دولار خلال العام المالي الجاري(2022/2023)، وهناك كلفة الواردات المصرية المتزايدة بسبب التضخم العالمي وزيادة أسعار القمح والوقود، وهي فاتورة قدرها وزير المالية محمد معيط بنحو 9 مليارات دولار شهرياً مقابل 5 مليارات قبل حرب أوكرانيا. أيضا هناك جدول سداد مزدحم لديون خارجية مستحقة على البلاد خلال الأعوام القليلة المقبلة، فبالإضافة إلى 26.4 مليار دولار ديون قصير الأجل مطلوب سدادها خلال عامين، هناك ديون متوسطة وطويلة الأجل تجاوزت 72.4 مليار دولار خلال الفترة من نهاية 2022 وحتى نهاية 2025. معنى ذلك أن البنك المركزي مطالب بسداد تلك الديون في ظل احتياطي يتراجع، وجفاف في بعض إيرادات الدولة الرئيسية ومنها قطاعات السياحة والاستثمارات الأجنبية والأموال الساخنة التي هرب منها 22 مليار دولار وفق أرقام وزارة…