الجولات الدولية في إفريقيا ومستقبل التنافس الدولي هناك
في إطار الزخم الدولي المتزايد والتهافت الواضح على إفريقيا من جانب مختلف القوى والفعاليات الدولية وحتى الإقليمية، خاصةً من الولايات المتحدة والقوى الأوروبية كافة، والصين وروسيا والهند وغيرها، جاءت الجولات المتعاقبة الأخيرة من جانب ماكرون ووزيرة خارجيته، وكذلك وزيري خارجية كلٍّ من: روسيا والولايات المتحدة إلى القارة من أجل حشد الأنصار وتبنِّى استراتيجيات جديدة للتحالف مع إفريقيا، لاسيما في ضوء ما يشهده الوضع الدولي من ارتباك بخصوص الصراع العسكري المحتدم بين روسيا وأوكرانيا وتداعياته المحتملة، وتباين مواقف الأطراف المختلفة منه. وفى ضوء هذه الأوضاع تبرز إفريقيا، والتي بالرغم من أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المتردية لكنها تمتلك كيانًا دبلوماسيًا متميزًا على الساحة الدولية يضم 54 دولة أو نحو ثلث أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة. فماذا كانت أهداف الجولات الفرنسية والروسية والأمريكية؟ وكيف يُمكن قراءة مستقبل التنافس الدولي في إفريقيا من خلالها؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير.. أولًا: الجولة الفرنسية: بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبرفقته وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا ووزير القوات المسلحة سيباستيان لوكورنو، والوزير المفوض للتجارة الخارجية أوليفييه بيشت، ووزيرة الدولة للتنمية كريسولا زاشاروبولو، أولى جولاته خارج أوروبا عقب فوزه بولاية رئاسية ثانية، وذلك خلال الفترة (26 يوليو- 28 يوليو)، وشملت الجولة الكاميرون وبنين وغينيا بيساو. سعى ماكرون خلالها لاستعادة نفوذ فرنسا في القارة، وإعادة تشكيل وصياغة المنظور الإفريقي الشعبي تجاه باريس عقب تصاعد الأصوات الإفريقية المُعارِضة للوجود الفرنسي في ظل وضع معقَّد على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية الإفريقية. وفي هذا الإطار؛ تمثَّلت أهداف ماكرون من الجولة في ثلاثة أهداف رئيسية: أولها؛ تجديد الالتزام الفرنسي بمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل وغرب إفريقيا: حيث حرص ماكرون خلال زيارته إلى الكاميرون على التأكيد على التزام فرنسا بحماية أمن دول القارة، متجاوزًا النطاق الجغرافي التقليدي للوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل ليشمل كذلك غرب إفريقيا، حيث يخطِّط لمَد التواجد الفرنسي خارج منطقة الساحل ليشمل دول خليج غينيا، مع التأكيد على التزام باريس بدعم دول حوض بحيرة تشاد في محاربة الإرهاب، وسيكون ذلك -كما أوضح ماكرون- عبر تعزيز مشاركة باريس في التدريب العسكري والمعدات وتوفير الدعم للجيوش الإفريقية لمساعدتها في زيادة قدراتها، بالربط بين الجهاز الأمني والعسكري الفرنسي بثلاثية (الأمن والدفاع والدبلوماسية والتنمية) التي يُنظر إليها على أنها الحل الأمثل لمكافحة الإرهاب، وهو ما حرص ماكرون على إثباته عبر التعهُّد بتقديم باريس مزيد من الأسلحة إلى بنين في ضوء ما تواجهه من هجمات إرهابية شمال البلاد. وثانيها؛ مواجهة نفوذ القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في القارة: حيث حرص ماكرون على بث رسالة واضحة خلال جولته الإفريقية على إعادة تأكيد التزامه بتجديد علاقة فرنسا مع القارة الإفريقية، عبر طرح رؤية استراتيجية جديدة تُعيد تنظيم العلاقات الفرنسية مع دولها في إطار من الشراكات الأمنية والتنموية للتخفيف من حدة تصاعد الأصوات المعارضة للوجود الفرنسي في دول منطقة الساحل. وثالثها؛ تعزيز الاستثمارات الفرنسية في القارة: حيث تكمن القوة الاقتصادية للكاميرون في قطاعات الزراعة والطاقة والمعادن التي لم تُستغلَّ بعد، والتي تُعد ذات أهمية بالغة للاقتصاد الفرنسي، كما أنها ضمن الدول الإفريقية العشر الأكثر إنتاجًا للنفط في إفريقيا بمعدل سنوي وصل إلى نحو 67 ألف برميل يوميًا. أما غينيا بيساو فتحتل المرتبة الثامنة على مستوى إفريقيا في إنتاج النفط بمعدل إنتاج يومي يصل إلى نحو 148 مليون برميل، بالإضافة إلى امتلاكها كميات غير مُحدَّدة من الغاز البحري، وإمكانات زراعية هائلة يعتمد عليها الاقتصاد، كما أن لديها القدرة على إنتاج كميات هائلة من القمح، إلى جانب تمتُّعها بالثروة السمكية. بينما تُعد بنين أكبر مُنتِج ومُصدِّر للقطن في غرب إفريقيا.[1] ثانيًا: الجولة الروسية: قام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بجولة إفريقية شملت مصر والكونغو وأوغندا وإثيوبيا. وجاءت جولة الوزير الروسي عقب توقيع روسيا وأوكرانيا اتفاقًا مع الأمم المتحدة وتركيا يهدف إلى تخفيف أزمة الغذاء العالمية الناجمة عن منع تصدير شحنات الحبوب والقمح من الموانئ المطلة على البحر الأسود. حيث تعتمد العديد من الدول الإفريقية بشكلٍ كبير على واردات القمح والحبوب سواء من روسيا وأوكرانيا، بيد أن تعطُّل الإمدادات جراء الحرب أدى إلى تفاقم خطر الجوع في القارة السمراء. ويُمكن تلخيص أهداف لافروف من الزيارة في مجموعة أهداف: أولها؛ طمأنة الدول التي تعتمد على الحبوب الأوكرانية بشكل كبير. ففي القاهرة، محطته الأولى، أبلغ لافروف نظيره المصري سامح شكري بأن روسيا ستُلبِّي طلبات مصر من الحبوب. وثانيها؛ الدعم الإفريقي للموقف الروسي: حيث ينظر مراقبون إلى جولة لافروف باعتبارها محاولة لحشد دعم الدول الإفريقية التي تتمتع بعلاقات تاريخية قوية مع روسيا للاصطفاف إلى جانب موسكو وسط إدانة الدول الغربية للحرب في أوكرانيا وفرض عقوبات غربية على روسيا. وقبل الجولة بعدة أشهر، أبرمت روسيا اتفاقيات سياسية وعسكرية مع عدد من البلدان الإفريقية. وثالثها؛ تقديم روسيا نفسها كبديل للغرب: حيث تسعى روسيا لإيجاد موطئ قدم لها في إفريقيا عن طريق إبراز نفسها كوسيط أمني لمواجهة “الإجماع الغربي” وتصدير نفسها في صورة “المدافع عن إفريقيا” في هدف يبدو أن الدول الغربية فشلت في تحقيقه، وقد هيمنت على تصريحات لافروف خلال الزيارة التأكيد على فكرة تقديم روسيا كصديق جدير بالاحترام لإفريقيا على عكس القوى الغربية “المتعجرفة ذات العقلية الاستعمارية”. ووصف لافروف في تصريح له في إثيوبيا الدول الإفريقية التي تحاول تقرير مستقبلها وحل مشاكلها بأنها جزء من نزعة لتشكيل عالم متعدد الأقطاب والذي اتهم الغرب بالوقوف ضده لصالح الهيمنة الأمريكية. وفي هذا السياق، فإن روسيا الآن في وضع قوي إلى حدٍّ ما حيث يمكن لإفريقيا الاستفادة من الاستثمارات ذات المنفعة المتبادلة والتعاون التجاري. في المقابل، التزمت روسيا الصمت حيال القضايا والأوضاع السياسية في إفريقيا، لكنها استبدلت ذلك بشركات عسكرية خاصة مثل مجموعة فاغنر التي كانت بمثابة حلقة وصل وفتحت طريق إفريقيا أمام روسيا.[2] ثالثًا: الجولة الأمريكية: زار وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن والوفد المرافق له، إفريقيا جنوب الصحراء من يوم 7 حتى 12 أغسطس، وشملت الجولة: جنوب إفريقيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ورواندا. وكان للزيارة مجموعة من الأهداف، أولها؛ البناء على زيارته التي قام بها في نوفمبر الماضي، وتعزيز العلاقات بين الدول الإفريقية والولايات المتحدة من أجل تقوية المصالح المشتركة، حيث تأتي الزيارة في سياق المنافسة الشديدة بين القوى المتقدمة والناشئة في العالم، وقدرة البلدان في إفريقيا على المساهمة في حل التحديات العالمية. وثانيها؛ تعزيز العلاقات الثنائية عن طريق التركيز على القضايا المهمة داخل البلدان الثلاثة التي زارها بلينكن، وخاصةً القضايا التي لها تأثير بالغ على القارة بشكلٍ عام، وعلى العلاقات بين هذه الدول والولايات المتحدة بشكلٍ خاص، وفي هذا الإطار تأتي زيارة بلينكن أيضًا في أعقاب إعلان إدارة بايدن عن قمة إفريقية- أمريكية على مستوى القادة ستُعقد في العاصمة واشنطن في ديسمبر 2022. وثالثها؛ رغبة واشنطن في طمأنة الدول…