حرب السودان وسد النهضة
في خضم الأوضاع المضطربة وتصاعُد المواجهات بين طرفي النزاع في السودان؛ تتزايد المخاوف من دخول السودان في حرب أهلية طويلة الأمد، والتي ستترك بلا شك العديد من الآثار السلبية على دول الجوار والقضايا الإقليمية، بما في ذلك ملف سد النهضة الشائك، في الوقت الذي تستعد فيه إثيوبيا للملء الرابع لبحيرة السد، والذي من المُفترض أن يبدأ شهر يوليو المقبل ويثير خلافات بشأنه مع دولتي المصب؛ السودان ومصر. ويرى الكثير من المراقبين أن تطور الأوضاع في السودان سيزيد من تعقيد الأمور أكثر، وذلك بعد 10 سنوات من المفاوضات الفاشلة مع إثيوبيا والتي لم تصل إلى توافق بشأن عملية ملء بحيرة السد وإدارة التشغيل. فما هو موقع مصر وإثيوبيا من طرفي النزاع السوداني- السوداني؟ وكيف يُمكن قراءة تأثيرات الحرب على سد النهضة والموقف المصر؟ وهل يُمكن أن يتغير هذا الوضع بانتهاء الحرب؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عنها خلال هذا التقرير.. الحرب السودانية وموقع إثيوبيا ومصر من طرفي النزاع: الأزمة السودانية لها وجهان، أحدهما محلي والآخر خارجي. الوجه الأول للأزمة يتعلَّق بصراعات الواقع الداخلي، مثل الصراع المسلح الجاري بين الجيش والدعم السريع، ومن قبله الصراع السياسي بين المكونين العسكري والمدني. أما الوجه الآخر فإنه يرتبط بتشابكات ذلك الصراع الداخلي مع الارتباطات الإقليمية والدولية، مثل علاقة أطرافها بدول الخليج، وإثيوبيا، ومصر، أو بتركيا، والولايات المتحدة، وروسيا. ولكل دولة في المحيطين الإقليمي والدولي علاقة بالطرفين، حتى اللحظة، لكن تُحسب على طرف منهما من زاوية نسبية، أي العلاقة الأكثر متانة. وبالنسبة لإثيوبيا؛ فهي تُحسب بدرجة ما أنها أقرب للدعم السريع، ويميل مراقبون لهذا الاستنتاج كون قائد الدعم السريع (محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي) وقواته، لم يُبديا حماسة لحرب تحرير الفشقة. يُضاف إلى ذلك أن ثمَّة حديثًا تردَّد عن دعم حميدتي لحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مواجهة التيجراي، واحتياج آبي أحمد له، في حال دخل الأخير معركة مع جيش الأمهرا، الذي تضخَّمت قوته بفعل معركة رئيس الوزراء الإثيوبي مع التيجراي. وما يُعزِّز فرضية تقارب قائد الدعم السريع أيضًا، هو التخوُّف من تدخُّل الجيش السوداني في الأراضي التي تضم السد، إذا حدث انهيار داخلي إثيوبي، لاسيما مع العلاقة المُفترض أنها تجمع الجيش السوداني بمصر. إلا أن كل هذا لا يزال مجرد فرضيات، كون المعركة حتى اللحظة داخلية، وكل الأطراف الإقليمية والدولية تحرص على التعامل بحذر. وثمَّة عنصران مهمان حاليًا؛ هما: صراع الوساطات وما يستتبعه من نفوذ، وتأثير امتداد الحرب على مفاوضات سد النهضة، التي هي في الأصل مُتعثِّرة، فتزيدها الأحداث تعثُّرًا لعدم وجود طرف سوداني يحكم ويتفق ويصدق على شرعية اتفاق، أو يهتم لقضية خارجية في ظلال الكارثة الداخلية الجارية.[1] كيف يُمكن أن تؤثر الحرب السودانية على سير مفاوضات سد النهضة؟ لا شك أن تصعيد الأوضاع في السودان سيكون له تأثير سلبي للغاية على موقف مصر والسودان في قضية سد النهضة، حيث أن انشغال القيادة في الخرطوم بهذه التطورات سيمنح إثيوبيا الفرصة للتحرك منفردة بشأن عملية الملء الرابع لبحيرة سد النهضة دون الاكتراث بموقف مصر والسودان برفض هذه الخطوة. وأي احتجاجات أو تحفظات سودانية على قرار السلطات الإثيوبية ستكون “شبه مستحيلة” في ظل الاضطراب الداخلي، إضافةً إلى ما يُمكن أن تُحدثه الاشتباكات العسكرية من تأثير على ملف النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا خلال الفترة المقبلة. كما أن الأوضاع الداخلية في السودان حاليًا من الأهمية بمكان أن تستحوذ على تعامل الاتحاد الإفريقي في رئاسته الجديد مع قضايا القارة الإفريقية ولن يكون هناك اتجاه حاسم بشأن أزمة سد النهضة في الوقت الراهن. إلا أن بعض المتخصصين اعتبر أن قضية سد النهضة أكبر بكثير من تأثير الاشتباكات الدائرة في السودان على مسارها، حيث توقَّفت المفاوضات بشأن أزمة سد النهضة منذ عامين ولم تسفر عن شيء على مدار 10 سنوات بسبب العديد من الأحداث التي كانت لها تأثير سلبي عليها.[2] تحركات إثيوبية بالتزامن مع الحرب السودانية: رصدت صور الأقمار اصطناعية تسارع الأعمال الإنشائية الخاصة بالسد، وهو ما فسّره البعض بأن أديس أبابا، تستغل الأحداث الحاصلة في السودان، من أجل الانتهاء من أعمال البناء في السد. حيث استطاعت الأقمار الاصطناعية رصد التطورات في سد النهضة خاصة حجم البحيرة، عمل بوابات التصريف، وتشغيل التوربينات. وقد أظهرت آخر تلك الصور منذ عدة أسابيع ارتفاع الممر الأوسط بمقدار 5 إلى 6 أمتار ليصبح المستوى 605 أمتار فوق سطح البحر في ذلك الوقت، والجانبين حوالي 625 متر، قد يكون الممر الأوسط أكثر من 610 متر حاليًا حيث إنه لا توجد أي معلومات من الإدارة الإثيوبية، وجاري العمل في زيادة ارتفاع الجانبين والممر الأوسط.[3] ويجري العمل بشكل مُكثَّف، لرفع منسوب الكتلة الغربية، ورفع الممر الأوسط. إلا إنه رغم ذلك يرى البعض أن تكثيف عمليات البناء في السد، لا علاقة له بالأحداث الجارية في المنطقة، لأن إثيوبيا من الناحية الفنية البحتة كانت قادرة على الوصول إلى منسوب 625 مترًا، قبل أن تتطور الأوضاع في السودان. بينما يرى البعض الآخر أن الجانب الإثيوبي دائمًا ما يستغل الأحداث المضطربة في بلدان المنطقة، فعندما يعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أن الأحداث في السودان ستعوق المحادثات، رغم عدم وجودها، فإنه بذلك يسعى إلى تضليل الرأي العام والمجتمع الدولي.[4] التفسير الفني للتطورات على الأرض: مع استمرار سقوط الأمطار والفيضان خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، ارتفع إجمالي تخزين المياه إلى 20,5 مليار متر مكعب ومنسوب البحيرة إلى 605 أمتار. كما أنه ومع انخفاض سقوط الأمطار في الشهور التالية ثم توقفها، انخفض منسوب المياه في البحيرة إلى منسوب التخزين الثالث 600 متر، كما بقي التراجع مستمرًا رويدًا رويدًا بعد فشل التوربينات التي أقامتها إثيوبيا لتوليد الكهرباء عن إمرار المياه أعلى الممر الأوسط ما أجبر أديس أبابا على فتح بوابتي التصريف، حيث قرَّرت إثيوبيا بعد ذلك غلق البوابة الغربية في 23 فبراير الماضي فيما استمرت البوابة الشرقية لإمرار المياه بنصف طاقتها، ما أدى لانخفاض منسوب بحيرة السد بمقدار 10 أمتار لتقف عند منسوب 595 مترا بدلًا من 605 ولتصل كميات التخزين المتواجدة في البحيرة عند 13,5 مليار متر مكعب وهو نفس الرقم الذي وقفت عنده في نهاية التخزين الثالث الصيف الماضي. نحو ذلك، توقَّع خبراء المياه أن الملء الرابع الذي من المُفترض أن يجرى في يوليو المُقبل تزامنًا مع موسم سقوط الأمطار وينتهي في أغسطس سيصل معه منسوب المياه إلى 620م بزيادة قدرها 25م عن آخر منسوب وصل له التخزين وهو 595 متر.[5] وحتى الآن ما زالت بوابة التصريف الشرقية مفتوحة بنصف طاقتها وهي المنفذ الوحيد الآن لمرور المياه، وتُمرِّر في اليوم الواحد حوالي 20 مليون متر مكعب من أصل 50 مليون متر مكعب في اليوم هي كامل طاقتها، نتيجة التحكم في بوابة التصريف. والمياه التي تمر الآن تأتي إلى السودان…