“المبادرة الإفريقية للسلام” هل تنجح في تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية؟
في مسعىً جديد لوقف نزيف أسوأ صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وتنعكس تداعياته على العالم؛ بادر قادة 6 دول إفريقية -هي زامبيا والسنغال وجمهورية الكونغو وأوغندا ومصر وجنوب إفريقيا- بالسفر إلى روسيا وأوكرانيا بهدف إيجاد حل للنزاع بين البلدين، في مبادرة لاقت ترحيبًا في الأوساط الإقليمية والدولية. وأعلن رئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا، المبادرة في 16 مايو، والتي يقودها الرئيس السنغالي، ماكي سال، رئيس الاتحاد الإفريقي العام الماضي. ووافق الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي على استقبال البعثة وقادة الدول الإفريقية في موسكو وكييف. كما تم إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة وبريطانيا بالمبادرة ورحبوا بها. فما هي بنود المبادرة الإفريقية؟ وماذا يُميزها عن سابقاتها؟ وما هي دوافعها؟ وكيف كانت مواقف طرفي النزاع منها؟ وما هو المصير المُنتظر لها؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير.. التحضير لطرح المبادرة: في 5 يونيو 2023، استضاف الرئيس سيريل رامافوزا نظرائه الذين سيشاركون في مبادرة السلام الإفريقية فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا. وكان من بين المشاركين عثمان غزالي عن جزر القمر -الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي-، وعبد الفتاح السيسي عن مصر، وماكي سال عن السنغال، ويويري موسيفيني عن أوغندا، وهاكيندي هيشيليما عن زامبيا. وناقشوا التأثير المدمر للحرب على شعبي أوكرانيا وروسيا وكذلك التهديدات التي تشكلها هذه الحرب على أوروبا وبقية العالم إذا استمرت. واتفقوا على أنهم سوف يتواصلون مع الرئيس بوتين والرئيس زيلينسكي بشأن عناصر وقف إطلاق النار وإحلال سلام دائم في المنطقة. وتم تكليف وزراء خارجية البلدين بوضع اللمسات الأخيرة على عناصر خارطة الطريق للسلام.[1] وأجرى الرئيس رامافوزا في الأسابيع الأخيرة محادثات مع رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس زيلينسكي، والرئيس شي جين بينغ رئيس جمهورية الصين الشعبية، وزعماء دول البريكس والأمين العام للأمم المتحدة بشأن الجهود المبذولة لتسهيل السلام السلمي. وبعدما شارك الرئيس سيريل رامافوزا في مؤتمر قمة منظمة العمل الدولية في جنيف؛ توجَّه يوم الخميس 15 يونيو 2023 إلى العاصمة البولندية وارسو -حيث تشترك بولندا في الحدود مع أوكرانيا وروسيا وتتأثر بشدة بالصراع الإقليمي- في طريقه إلى أوكرانيا والاتحاد الروسي كجزء من مشاركته في بعثة السلام الإفريقية. وفي اليوم التالي توجَّه الرئيس رامافوزا إلى العاصمة الأوكرانية كييف لإجراء مداولات مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وضمَّت البعثة قادة جنوب إفريقيا وزامبيا وجزر القمر والكونغو برازافيل ومصر والسنغال وأوغندا، كممثلين للقارة. وغادر الوفد الإفريقي الجمعة 16 يونيو كييف إلى سان بطرسبرج- روسيا، لإجراء محادثات مع الرئيس بوتين يوم السبت، 17 يونيو.[2] بنود المبادرة الإفريقية: ذكرت وكالة تاس الروسية أن الخطة الإفريقية لإحلال السلام تضم 10 بنود رئيسية، هي: خفض التصعيد من الجانبين، وتحقيق السلام عبر المفاوضات من خلال الطرق الدبلوماسية، وبدء مفاوضات السلام في أسرع وقت ممكن، ووقف تصعيد النزاع من كلا الجانبين، وضمان سيادة الدول والشعوب وفق ميثاق الأمم المتحدة، وتوفير ضمانات أمنية لجميع البلدان، وضمان حركة تصدير الحبوب والأسمدة من الدولتين، وتوفير الدعم الإنساني لمن وقعوا ضحايا الحرب، وتسوية موضوع تبادل أسرى الحرب، وإعادة الإعمار بعد الحرب، وتوفير تفاعل أوثق مع الدول الإفريقية.[3] ومن المُرجَّح –نقلًا عن رويترز- أن تتضمَّن المبادرة مجموعة من “الإجراءات لبناء الثقة”، وتشمل: سحب القوات الروسية والأسلحة النووية التكتيكية من بيلاروسيا، وتعليق مذكرة الاعتقال بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتخفيف العقوبات المفروضة من جانب الغرب على روسيا، وتهيئة الأجواء بما يسمح للطرفين ببناء استراتيجياتهما لاستعادة السلام.[4] ما يُميِّز المبادرة الإفريقية عن غيرها من مبادرات: المبادرة هي الأولى التي تخرج من إفريقيا، وهي الأكثر سهولة في تمريرها من المبادرة الصينية مثلًا، حيث يُشكِّك الطرف الغربي في نوايا بكين التي طرحت مبادرة سلام من 12 نقطة (أبرزها: احترام سيادة الدول، وعدم سعي أي دولة لتحقيق الأمن على حساب الأخرى)، لكنه في المُقابل يريد كسب الساحة الإفريقية. كما اقترح الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا قبل أسابيع تشكيل مجموعة اتصال من دول غير ضالعة في الحرب، للوساطة من أجل إحلال السلام، إلا أن المقترح لم يمضِ قُدُمًا. ونجحت وساطة سعودية إماراتية نهاية العام الماضي في الإفراج عن أميركية محتجزة في موسكو، مُقابل إطلاق سراح سجين روسي في الولايات المتحدة. وعرض الفاتيكان في مارس 2022 المساعدة في أي نوع من الوساطة، و”فعل كل ما هو ممكن” بهدف التوصل إلى وقف إطلاق النار في أوكرانيا. وحاولت تركيا في نفس الشهر دفع عملية التفاوض، واستضافة وفدين روسي وأوكراني في إسطنبول، لكن المناقشات الأولية لم تسفر عن تقدم في محاولات الحل. وشهدت بيلاروسيا لقاءات بين ممثلين روس وأوكرانيين في الأيام الأولى للصراع، إلا أنها لم تُقدِّم حلًا يُذكر.[5] ولعل ما يُميز المبادرة الإفريقية عن كل تلك المبادرات هو كونها خرجت من الدول الإفريقية التي تُعد الآن كتلة مؤثرة، وقبول الجانبين المبدئي للمبادرة الإفريقية يعكس رغبة كلٍّ منهما في كسب الساحة الإفريقية، خاصةً أن القارة تُمثِّل مؤخرًا ساحة للاستقطاب الدولي، والعلاقات الممتدة والمتوازنة للعديد من الدول الإفريقية مع الجانبين؛ تُمكِّنها من لعب دور مهم في إطار محاولات حل الأزمة. ردود الفعل الروسية والأوكرانية على المبادرة: جاء رد الفعل من الجانب الروسي؛ بأن قدَّم الرئيس الروسي للقادة الأفارقة قائمة بالأسباب التي تجعله يعتقد أن معظم مقترحاتهم لا تستند لأسس سليمة، وأكَّد بوتين موقفه بأن من بدأ الصراع هو كييف والغرب، قبل وقتٍ طويل من إرسال روسيا قواتها المسلحة عبر الحدود إلى أوكرانيا في فبراير من العام الماضي. وقال إن الغرب، وليس روسيا، هو المسؤول عن الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء العالمية أوائل العام الماضي، وكانت الدول الإفريقية أكبر المتضررين منه. ومن جانبه، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف -في تصريحات أذاعها التلفزيون- إن بلاده تتفق مع “المنهجيات الرئيسية” للخطة الإفريقية، في حين نقلت وكالات أنباء روسية عن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قوله “من الصعب تحقيقها”. وقال بيسكوف إن الرئيس أبدى اهتمامًا بالخطة التي عرض رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا نقاطها العشر، وإن روسيا ستواصل الحوار مع الدول الإفريقية. وأوضح أن الرئيس أكد انفتاحه على “حوار بناء مع الراغبين في سلام يستند إلى مبادئ العدالة، مع أخذ المصالح المشروعة للأطراف بالاعتبار”. ومن الجانب الأوكراني؛ كان زيلينسكي قد قال -بعد لقائه القادة الأفارقة في كييف الجمعة- إن محادثات السلام مع موسكو لن تكون ممكنة إلا بعد أن تسحب قواتها من الأراضي الأوكرانية المحتلة.[6] وكان الوفد الإفريقي اقترح وساطة سلام في النزاع، مشددًا من كييف على ضرورة “وقف التصعيد من الجانبين”، إلا أن الرئيس الأوكراني رفض ذلك منددًا بـ “عملية غش” من جانب روسيا في خضم هجوم مضاد تشنه القوات الأوكرانية. وقال زيلينسكي خلال مؤتمر صحفي مع القادة الأفارقة المشاركين في الوفد: “من الواضح أن روسيا تحاول مجددًا استخدام تكتيكها القديم القائم على الغش، لكنها لن تنجح بعد…