بين المدح المطلق والذم المطلق .. شيخ الأزهر في ميزان النقد المنصف
لا أحد ينكر أن للدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، مواقف مشرفة في مواجهة جهل الجنرال عبدالفتاح السيسي والتصدي له في عدد من القضايا التي أراد السيسي انتهاك نصوص الشرع فيها وأبرزها الموقف من أموال الوقف الخيري والأحوال الشخصية وأبرزها الطلاق الشفهي ومكانة السنة النبوية والتراث الإسلامي بخلاف الموقف من الإرهاب حيث يتبنى الأزهر موقفا متباينا عن السلطة في هذا الشأن ويؤكد أن الإرهاب صنيعة نظم غربية توظفه سياسيا من أجل تحقيق أجندة أهداف تعادي الإسلام والمسلمين بل وتعادي العالم كله. فدعم ومساندة الشيخ والمشيخة وهيئة كبار العلماء والأزهر كله في مواقفه الرافضة لتوغل السلطة على حساب الإسلام ومحاولة تركيع الأزهر وتطويعه لخدمة أجندة السلطة بشكل كامل ومطلق في كل مواقفها وسياستها، هو من أوجب الواجبات على كل مسلم في ظل هذه الأوضاع التي تمر بها الأمة الإسلامية. لكن هذا الدعم الواجب وتلك المساندة الضرورية للأزهر ومشيخته لا يجب مطلقا أن تتحول إلى شيك على بياض لشيخ الأزهر؛ ولا يجب مطلقا أن تنسينا مواقفه المشينة حين تورط في مشهد الانقلاب وباركه وكان موقفه مرتبكا ومذبذبا حيال المذابح التي وقعت؛ فكان الأزهر يدين القتل ويؤيد القتلة في ذات الوقت! كما لا يجب مطلقا التسامح حيال محاولات تبييض صورة المشيخة في هذه المواقف التي خالف فيه الإسلام ونصوصه صراحة حين دعم انقلابا عسكريا على الإمام المنتخب بإرادة الشعب الحرة. موقفان مختلفان خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية تعرضت بعض مواقف الأزهر للنقد وبعضها للدعم والمساندة؛ الموقف الأول هو تجاهل السيسي للشيخ أحمد الطيب وتعمد التقليل من مقام ومكانة ورمزية شيخ الأزهر؛ حين استمع إلى شرح مفصل من مستشاره للشئون الدينية أسامة الأزهري بينما كان شيخ الأزهر في الصفوف الخلفية؛ الأمر الذي اعتبرته المشيخة وهيئة كبار العلماء تقليلاً من مقام شيخ الأزهر خلال احتفالية افتتاح المركز الإسلامي بالعاصمة الإدارية الجديدة، فجر أول أيام شهر رمضان الحالي (1444هـ)، إذ بدا الأمر وكأنه كان هناك تعمد إساءة لشيخ الأزهر خلال جولة السيسي بالمركز على النحو الذي جرى بالفعل.[[1]] وهو الموقف الذي استفز قطاعات واسعة من المسلمين والمصريين، واعتبروا ذلك دليلا على ما يكنه ويبديه السيسي من وافر الاحتقار للأزهر وشيخه. الموقف الثاني كان للأسف ورطة للأزهر حين أصدر بيانا يوم الأربعاء 22 مارس 2023م حول قضية الطفل (شنودة) يدعم موقف الأسرة القبطية ويطالب برد الطفل إليها وعدم تغيير اسمه وديانته ما دام قد عثر عليه داخل إحدى الكنائس؛ وحسب نص ما ورد فقد تلقى مركز الأزهر العالمي للفتوى، سؤالا للاستفسار عن ديانة الطفل شنودة الذي عُثر عليه داخل إحدى الكنائس. وذكر المركز: هذه المسألة ذهب فيها العلماء إلى آراء متعددة، والذي يميل إليه الأزهر من بين هذه الآراء هو ما ذهب إليه فريق من السادة الحنفية، وهو أن الطفل اللقيط إذا وجد في كنيسة وكان الواجد غير مسلم فهو على دين من وجده. وأضاف: هذا ما نص عليه السادة الحنفية في كتبهم: “وإن وجد في قرية من قرى أهل الذمة أو في بيعة أو كنيسة كان ذميًّا ” وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذميا رواية واحدة “. وذكر المركز مصدر الفتوى [الهداية في شرح بداية المبتدي 2/ 415].[[2]] واتضح لاحقا أن الطفل لأبوين مسلمين وأمه كان مسيحية وأسلمت وتزوجت مسلما ثم جرى التفريق بينهما في ظروف غامضة، والأم الحقيقية حاليا محتجزة في أحد الأديرة تحت إشراف الكنيسة، والأب لا يعرف عنه شيئا، حسب تصريحات امرأة قبطية على صلة قرابة بالأم الحقيقية؛ لكن النيابة وجهات التحقيق تجاهلت كل ذلك وتم رد الطفل للأسرة القبطية التي ترعاه دون أي تحقيق بشأن الأم الحقيقية التي تفتن في دينها مسجونة بأحد الأديرة؛ ولم يطالب الأزهر مطلقا بالتحقيق في هذه التصريحات ولم يطالب حتى برد الطفل إلى أمه الحقيقية![[3]] المدح المطلق مذموم سبب تأكيدي على هذا المعنى ما كتبه الباحث الأزهري الشيخ عصام تليمة في مقاله الأخيرة المنشور بالجزيرة مباشر بعنوان (شيخ الأزهر أحمد الطيب.. الشخص والمكانة)، والمنشور بتاريخ الجمعة 7 إبريل 2023م؛ فالمقال يمتلئ بالمدح للشيخ أحمد الطيب والثناء على مواقفه منذ أن تولى منصب المشيخة في سنة 2010م خلفا للدكتور سيد طنطاوي الذي لم يكن يحظ باحترام الكثيرين بسبب مواقفه شديدة الانحياز للسلطة وتأكيده باستمرار أنه مجرد موظف في الحكومة؛ الأمر الذي قزم مكانته ومكانة المشيخة بشكل عام رغم مكانتها ورمزيتها الكبيرة. يعزو تليمة في مقاله أسباب قوة وصلابة شيخ الأزهر إلى ثلاثة مكونات أساسية أسهمت في تكوين شخصيته الدينية: تحفظ لا بد منه يمكن أن نتفق في كثير من هذه المضامين مع كاتب المقال؛ لكن ذلك لا يعني مطلقا أن نمحو مواقف الطيب المشينة كما فعل كاتب المقال! يقول تليمة: «ثم جاء انقلاب الثالث من يوليو، ثم أحداث فض رابعة وما تلاها، وأيضا كان موقف المشيخة موقفا صلبا وصحيحا، وعتب عليه الرافضون للانقلاب بيانه يوم الانقلاب، والحقيقة أن الناس لم تنتبه للبيان، ولا لكلماته، ولا لأسبابه وخلفياته، فبعد كلمة وزير الدفاع أصبح كل من خلفه محسوبا عليه، دون النظر لأي تدقيق في الكلمات، ولا في معانيها، ومع ذلك كان بيان اثنين من أقرب العلماء له واضحا في رفض الانقلاب، الدكتور حسن الشافعي، والدكتور محمد عمارة، وجاء بيانه يوم فض رابعة واضحا جليا في الرفض والإدانة لإراقة الدماء. وفيما تلا ذلك من أحداث كانت كلمة المشيخة قوية معبرة بحق عن الأزهر، وما يليق به وبتاريخه، وهذا ما جعل الناس يتساءلون، وكثيرا ما يوجه إليّ السؤال: ماذا حدث للرجل؟ والحقيقة أن طبيعة الرجل كما هي، فهناك عدة عوامل لا يدقق فيها كثيرون في شخصية الرجل وتكوينه، وطبيعة المنصب الذي يليه، تشرح لماذا نحن أمام شخصية الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، بتلك المواقف».[[4]] تكييف موقف الطيب من الانقلاب وحسب دراسة سابقة نشرها موقع “الشارع السياسي” بعنوان: (الغطاء الديني لجريمة الانقلاب.. دور مشيخة الأزهر)، فدور مشيخة الأزهر في الانقلاب تتجاوز حدود المشاركة الفجائية كما يروج الطيب ومقربوه لتصل إلى حد التورط في الجريمة. فمشاركة الطيب بوصفه شيخا للأزهر هو بحد ذاته مباركة من أكبر مؤسسة إسلامية في العالم لهذه الجريمة الكبرى، وتمثل قمة التوظيف السياسي للمؤسسة الدينية من أجل إضفاء شيء من الشرعية على إجراء يناقض نصوص الإسلام القاطعة ومبادئه وأحكامه التي نهت مطلقا عن الخروج على الإمام الشرعي. ويبدو أن المخططين للانقلاب كانوا حريصين على أن تخرج اللقطة على هذا النحو وأن الشرعية الدينية كانت جزءا مهما من الخطة والتي يمثل حضور شيخ الأزهر بمكانته ورمزيته رسالة مهمة حين تصدير مشهد الانقلاب للعالم. نعم كان وجود تواضروس بطريرك الكنيسة القبطية مهما للغاية من زاوية أخرى، لكنه لا يصل في رمزيته إلى قيمة ومكانة شيخ الأزهر في بلد تبلغ نسبة المسلمين فيه نحو 95% من عدد سكانه. منطلقات سياسية لا شرعية…