النهضة المستوردة.. قراءة في كتاب معالم على طريق تحديث الفكر العربي
النهضة المستوردة.. قراءة في كتاب معالم على طريق تحديث الفكر العربي النقطة الأولى: أن التاريخ يتخذ مسار صاعد، فكل مرحلة تاريخية تقود لمرحلة جديدة أفضل منها بالضرورة؛ فاليوم أفضل من أمس، وغداً أفضل من اليوم وهكذا، بدون انقطاعات أو ارتدادات؛ ألم ترى أن المعارف الإنسانية تتطور بشكل تراكمي، وقدرة الإنسان على استخدام الأدوات وتطوير التقنية تتخذ مسار تصاعدي، والرفاهية تتنامى بمرور السنين. النقطة الثانية: ليس لشيء قيمة في ذاته، إنما تتحدد قيمة الأشياء بحسب أعمارها؛ فكل ما هو جديد وحديث أفضل من كل ما هو قديم أو تقليدي. وكل قديم مصيره إلى الأفول وسيطويه النسيان. النقطة الثالثة: أن هذا المسار الصاعد للتاريخ ينتظم كل الأمم والدول والحضارات، فلا يفلت من صيرورة التاريخ أحد، كل ما هنالك أن تدرك كل أمة موقعها على سلم التطور، لتعرف أين تقف وإلى أين تصير. النقطة الرابعة: ضرورة الاستفادة من المنجزات الحضارية للأمم التي سبقتنا، فالاستيراد والتقليد والتبعية هي شروط المرور من مرحلة إلى التي تليها على سلم الصعود الحضاري؛ إن دول الغرب المتقدم تقف على قمة سلم التطور، بالتالي يجب على غيرها من الدول أن تضع بلدان العالم الأول نصب عينيها وتسعى جاهدة لمحاكاتها واستيراد تجاربها وتبني رؤاها وقيمها، عل هذه البلدان النامية تواصل مسيرتها التحديثية فتلحق بدول العالم الأول. النقطة الخامسة: هذا الاستيراد والتقليد والتبعية يكتسب شرعيته من كون العالم كله ينتمي لحضارة واحدة، ومسيرة تاريخية واحدة، ومصير واحد، فإن قلدت أوروبا الحداثة فتلك بضاعتنا ردت إلينا. النقطة السادسة: من يتجاهل قانون التطور أو سنة التقدم سيتجاوزه التاريخ، سينقرض ويلحق بأسلافه من الديناصورات، وسيواصل التاريخ مساره التصاعدي الراسخ. هذه الرؤية سادت بشكل واضح، خاصة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لدى كثير من المفكرين والمثقفين العرب. وقد جرى استخدامها لتبرير وشرعنة الاستيراد والتبعية والمحاكاة لكل ما هو وافد من دول الشمال. كما جرى استخدامها دون مساءلتها أو تعريضها لحد أدنى من النقد والتفكيك، ودون مساءلة تضميناتها الفلسفية أو الفرضيات التي أنبنت عليها، فقد طرحت في كثير من الكتابات العربية باعتبارها مسلمة يجدر الإذعان لها. ومن الجدير ذكره أن هذا الطابع التبشيري يغلب على كثير من الكتابات العربية -التي سلطت الضوء على التجربة الغربية فيما يتعلق بالنظريات والقيم والمؤسسات والممارسات- التي ظهرت بداية من الخمسينات وحتى نهاية القرن العشرين؛ فهي كتابات منبهرة طرحها أصحابها وهم مأخوذون بالتجربة الغربية دفعهم شعورهم نحوها بالهزيمة إلى الولع بتقليدها. ضمن هذا اللون يندرج كتاب “معالم على طريق تحديث الفكر العربي” للكاتب والأكاديمي اللبناني معن زيادة، أستاذ الفلسفة والفكر العربي الحديث في الجامعة اللبنانية، والمحاضر في الجامعة الأمريكية ببيروت، كما ورد في نهاية كتابه، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة (عدد 115، يوليو 1987). ويتكون معمار الكتاب من 5 فصول، مع مقدمة وخاتمة لا يتجاوزان الثلاث صفحات. أما الغاية من استدعاء الحديث عن كتاب مر على نشره أكثر من ثلاث عقود؛ هو مواصلة التفكير في السؤال الذي ما فارق العقل العربي والإسلامي خلال القرنين الأخيرين، وهو سؤال النهضة، أي “لماذا تأخرنا؟”، بالتالي استدعاء الكتاب هو خطوة في مسار النقاش حول النهضة وسبل تحقيقها، وعوامل إجهاضها خلال القرنين الماضيين. هنا قد يطرح سؤال مفاده: هل لم يخرج كتاب إلى النور تناول القضية نفسها خلال الفترة الماضية مما دفعك للعودة لهذا الكتاب دون غيره؟ يمكن القول أن على الرغم من كثرة الجدل الذي أثير بشأن النهضة وسبب تأخرنا، إلا أن ثمة إجابات ثلاث كبرى تشكلت على جانبي الجدل بشأن النهضة؛ التيار الأول: التيار المحافظ الذي يرى أن طريق النهضة هو العودة إلى تقاليد الأجداد، واستكمال المسار الذي بدأوه والعودة إلى المرجعية التي انطلقوا منها. التيار الثاني: هو التيار الذي يجوز تسميته بالتيار التحديثي، ويسمى بالتيار الحداثي أو التغريبي، ويرى أصحابه أن تحقيق النهضة يكون باتباع المسار الذي ابتدره الغرب، وتبني المشروع الحداثي. التيار الثالث: هو التيار التوفيقي –ويسميه البعض التلفيقي- الذي حاول التوفيق بين الأصالة لدى التيار الأول والمعاصرة لدى التيار الثاني، ومحاولة بناء تركيب جديد يجمع بين الحداثة وبين الثقافة الإسلامية. ومن ثم لن يخرج كتاب عن سؤال النهضة وسبل تحقيقها، وعن سر تأخرنا، لن يخرج كتاب تناول هذا الموضوع عن إحدى هذه التيارات الثلاث، بالتالي هذا الكتاب يقودنا إلى قلب هذا الجدل. المجتمع الحديث والعقل الحديث: في الفصل الأول من الكتاب يسعى المؤلف إلى تقديم صورة تقريبية للمجتمع الحديث كما يتجلى في دول العالم المتقدم، ويتسم هذا المجتمع بـ (1) أن العلم والتكنولوجيا هما المحدد الأساسي للمجتمع الحديث. العلم بمعنى المعرفة القائمة على التجربة الحسية، وعلى ملاحظة الوقائع المادية الملموسة، وليس المعرفة الحدسية أو الفلسفية أو الأيديولوجية أو الدينية القائمة على الإيمان، وهو العلم القائم على فرضيات مؤقتة قابلة للتحقق من صدقها أو إثبات زيفها ومن ثم استبدالها بغيرها. (2) وجود أنظمة اقتصادية جديدة، وأنماط إنتاجية مستجدة، قائمة على التصنيع والميكنة والرأسمالية. (3) وجود أنظمة سياسية علمانية، حيث تبرز الهوية القومية كبديل للهويات الدينية والأثنية. أنظمة تبلورت بعد مسار صراعي ونضالي مع الكنيسة، ومع الملوك المتغطرسين كونهم يحكمون باسم الإله. (3) تتأسس العلاقات الاجتماعية بين أبناء هذه المجتمعات على قاعدة “المصلحة المشتركة”، كبديل للعلاقات القائمة على روابط الدم والنسب أو الروابط الدينية، فقد تم استبدال هذه الأخيرة بروابط تعاقدية برجماتية. لم ينبثق هذا المجتمع الجديد من فراغ، إنما هو نتاج عقل حداثي تشكل عبر مروره بالمخاضات نفسها التي تولد عنها المجتمع الحديث، وقد تشكل هذا العقل الحداثي نتيجة ثلاث حركات تغيير رئيسية؛ الأولى: محطة الإصلاح البروتستانتي، والتي أسفرت عن تقويض الوحدة الشكلية للمسيحية الكاثوليكية في أوروبا الغربية خلال ألف عام، نشوء قيم التسامح الديني مع المخالف، وفصل الدين عن الدولة، مع التخفيف من تدخل الكنيسة في حياة الأفراد. الثانية: الحركة الإنسانية، التي شارك فيها فنانون، وفلاسفة، وعلماء وسياسيون، والتي عملت على أحياء التراث اليوناني والروماني. الثالثة: الحركة العقلانية، وهي الحركة التي اضطلعت بتثوير مناهج النظر للعالم والمجتمع، فانتقدت مكونات فكر العصر الوسيط، وأدواته المعرفية التي تستبعد الحس والعقل، وبدأت تشكل مناهج جديدة تتأسس على التجريب والنظر العقلي مع مكيافللي، ومونتاني، وكوبرنيكوس، وبيكون. في هذا الفصل قدم الكاتب المجتمع والعقل الغربيين باعتبارهما المثال الذي يجدر بنا تمثله والسراج الذي يفترض أن نتحرك صوب المستقبل في ضوئه، فهما النافذة التي ننظر من خلالها للمستقبل المأمول. فهو مجتمع يتأسس على العلم التجريبي معيار للنظر، وعلى اقتصاد السوق والتصنيع معيار للعمل وطريق للنهوض، وعلى العلمنة والهوية القومية في المجال السياسي، وعلى العلاقات البرجماتية بديل لروابط الدم والنسب والدين في الاجتماع. أما العقل الغربي فهو عقل علماوي يجعل من الحس مصدر وحيد للمعرفة، ويجعل من العقل مصدر وحيد للقيم. ماهية الثقافة: بينما استعرض الفصل الأول صور التقدم التي حققتها أوروبا الحداثة والتنوير،…