الخلاف السعودي-المصري.. الدوافع والتداعيات
تحول الفضاء الإعلامي والرقمي في مصر والسعودية إلى ساحة تراشق لفظي مستعر تبادل بموجبه إعلاميون مقربون من السلطات في البلدين اتهامات، فضلاً عن التذكير بـ”أفضال” كل بلد على الآخر، ورغم التزام البلدين رسميًا الصمت إزاء هذه الحرب الكلامية، إلا أنها أثارت العديد من التساؤلات والتكهنات بشأن وجود توتر بين القاهرة والرياض[1]، وتسعي هذه الورقة إلي توضيح مظاهر هذا التراشق الإعلامي بين البلدين، وأسبابه، وتداعياته. أولًا: مظاهر الخلاف ومؤشراته: تصاعدت حدة الخلافات الإعلامية بين السعودية ومصر مع بداية عام 2023، وتمثلت أهم مؤشراتها فيما يلي: – نشر الأكاديمي السعودي تركي الحمد، سبع تغريدات، في أواخر يناير 2023، تطرق فيها إلى الأوضاع الاقتصادية في مصر، وأحصى الأكاديمي السعودي مجموعة من العوامل التي تسببت بحسب رأيه في “وقوع مصر أسيرة لصندوق النقد الدولي”، ومن بين العوامل التي ذكرها الحمد “سيطرة الجيش على دوائر الدولة ومفاصلها”، إضافة إلى ما سماها بـ “البيروقراطية المصرية الهرمة المقاومة للتغيير”، علاوة على ذلك؛ رأى الحمد أن هناك “ثقافة شعبية خاضعة في مصر حيث ينتظر الجميع أن يأتي كل شيء من القمة مع غياب شبه كامل لمبادرة مجتمعية مستقلة”، ويبدو أن الكاتب السعودي اضطر لاحقًا لحذف تلك التغريدات مكتفيًا بتغريدة واحدة يستنكر فيه “حساسية البعض من أي رأي ناقد يأتي من خارج بلدهم”[2]. وقبل تلك الانتقادات بستة أشهر تقريبًا شن الإعلامي المقرب من دوائر السلطة السعودية هجومًا مشابهًا على الإعلامي المصري عماد الدين أديب بسبب مقال كتبه الأخير تحت عنوان “مصر: من يعوض الفاتورة المؤلمة للحرب الروسية الأوكرانية”، حيث اعتبر أن أديب يبتز دول الخليج عبر التلويح بورقة تصاعد النفوذ التركي – الإيراني في المنطقة بسبب عدم دعم الخليج لمصر، موجهًا إليه رسالة قال فيها: “كان المفروض على هذا الكاتب أن يتساءل: ولماذا لا تستطيع بلاده (مصر) حل أزماتها المزمنة بنفسها بدل أن تصبح عالة على هذا وذاك”[3]. وعلى غرار الحمد، نشر الكاتب السعودي المختص في علم الاجتماع السياسي، خالد الدخيل تغريدة، حول أبعاد المشهد السياسي والاقتصادي في مصر. وقال الدخيل إن “ما يحصل لمصر في السنوات الأخيرة يعود في جذره الأول إلى أنها لم تغادر عباءة العسكر منذ 1952”[4]. وقال الدخيل إن “السيسي قال في خطاب له وهو يشير إلى السعودية، بأن “مصر لن تركع إلا لله، وهي جملة مربكة في السياق الذي قيلت فيه، فالسعودية والخليج ليسوا أعداء لمصر”، وأضاف: “تفسيري أن المقصود هو أن مصر لن تركع للمال الخليجي، فلماذا يطالب السيسي بـ(الرز الخليجي)؟”[5]. جرت تلك التغريدة انتقادات لاذعة على الدخيل فأعقبها بأخرى يؤكد فيها على أهمية مصر مضيفًا بأن ” نقد سياسات أي حكومة ليس نقدًا للدولة”[6]. – أثارت هذه التغريدات غضب الإعلام المصري، الذي توجه إلي شن هجومًا حادًا علي المملكة السعودية، حيث شن الإعلامي المصري، نشأت الديهي، هجومًا على تركي الحمد، وقال له “أنت مالك ومال مصر”. وفي حديثه ببرنامج “بالورقة والقلم” المذاع على قناة “تن” الفضائية المصرية، وجه حديثه لتركي الحمد قائلا: “أنا بقول لتركي الحمد وأمثاله عيب”، مضيفًا “من أنت لكي تتحدث عن تاريخ مصر، مصر باقية، هذه الدولة خلقت لتبقى، وحديث تركي الحمد عبارة عن صفر كبير”[7]. كما نشر رئيس تحرير صحيفة الجمهورية، عبد الرازق توفيق، مقالاً، في 2 فبراير 2023، تحت عنوان ” الأشجار المثمرة وحجارة اللئام والأندال”، ونشر موقعي “الجمهورية” و”كايرو 24″ المقال قبل أن يتم “حذفه لاحقًا”. حمل المقال عبارات انتقاد قاسية وألفاظاً حادة تجاه من وصفهم بأنهم “الأقزام الكارهون لنجاحات مصر وجيشها العظيم”، و”الحفاة العراة الذين ارتدوا أفخر الثياب مؤخرًا”، و “اللئام والأنذال ومحدثي النعمة”، و”ضآلة هذه الدول التي تعاني من الهشاشة البشرية والحضارية، والتي أصبحت في غفلة من الزمان تحمل اسم دول”، قائلاً إن: “هؤلاء لن يعيشوا لحظة واحدة إذا ما حاق مكروه بمصر”[8]. – وفيما يبدو كرد علي مقال توفيق، فقد نشرت صحيفة “عكاظ” السعودية مقالُا للكاتب السعودي “محمد السساعدي” شن فيه هجومًا حادًا على شعوب دول عربية (لم يسمها)، متسائلًا عن سبب حملها مشاعر كراهية ضد المملكة، بحسب زعمه، قبل أن تحذف الصحيفة المقربة من السلطات المقال من موقعها الإلكتروني. فقد أشار السعدي في مقاله إلي أن “كثير من الشعوب في المنطقة تعيش على الكراهية والحسد والجحود ونكران الجميل”، وتابع: “أصبحوا عالة على دول الخليج يصدرون فشلهم الاقتصادي لليوم”، وقال “الساعدي”: “لم يتوقفوا عند ذلك، بل فشلوا حتى في إنتاج دولة وطنية واحدة قادرة على بناء نفسها، دول تحولت إلى (فقاسات) للانقلابات في بغداد ودمشق وصنعاء والقاهرة، تمسي الشعوب على ملكية وتصبح على مجلس قيادة ثورة بأشكال وأنواع لا تتحدث إلا بالمسدس والبندقية”. واستطرد “الساعدي” قائلًا، إن السعودية وقفت مع هذه الدول، لكن لم ترد الأخيرة المعروف بمثله، مضيفا أنها “أوقفت إنتاج نفطها من أجلهم، دفعت الأموال لهم، واشترت الأسلحة لصالحهم، بل وأرسلت أبناءها للقتال معهم في حروب الاستقلال والتحرير، لقد حاول السعوديون -قدر جهدهم- تحسين أحوال جيرانهم العرب ومدوهم بالأموال وبرامج التنمية، واستقدموا عشرات الملايين من العمالة العربية التي أعادت ضخ المليارات في اقتصادات بلدانها، ومع ذلك فقد بقي الجحود مقيماً في نفوس الكثيرين، ويبقى السؤال الكبير: لماذا يكرهوننا؟!”[9]. – وقد سبق ذلك، أن انتقد الإعلامي عمرو أديب، عبر برنامجه اليومي “الحكاية” على قناة MBC السعودية (من أحضره إلى القناة هو تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه ومستشار ابن سلمان وذراعه اليمني) الوضع الاقتصادي لمصر، وحذر بأن الأمور في البلاد ستنحدر إلى مستويات أكثر صعوبة وأن القادم ليس بالأفضل، الأمر الذي جعله لأن يكون هدفًا في مرمى الإعلاميين المصريين المقربين من النظام المصري[10]. فقد خرج الإعلامي المصري محمد الباز، رئيس مجلس تحرير صحيفة “الدستور” المملوكة لشركة “المتحدة للخدمات الإعلامية” التابعة لجهاز المخابرات المصرية، في بث مباشر عبر صفحته على موقع “فيسبوك” في 12 يناير 2023، مهاجمًا أديب، بقوله: “متصدقوش واحد على قناة مش مصرية يطلع ويتنطع ويقول أنا خايف على أولادي وأهلي”. وتابع الباز هجومه على “عمرو أديب” قائلًا: “حتى لو في مشكلة ضخمة عمرو أديب مش هيتأثر هو وأولاده.. وآخره هيروح يعيش في السعودية.. لأنه أجندة سعودية.. وعنده كفيل سعودي.. ومعاه فلوس كتير تكفيه لبعد يوم القيامة بسنتين”[11]. جدير بالذكر هنا، أنه ربما يقول البعض إن كل تلك المؤشرات ما هي إلا حالات فردية لإعلاميين هنا وهناك، ولا تعكس بأي حال من الأحوال وجود توتر بين الرياض والقاهرة. ولكن في ظل أن الإعلام في مصر والسعودية والإمارات يخضع بالكامل للسيطرة الرسمية، كما أن الإعلاميين المشاركين في هذا التلاسن مقربون من السلطة هنا وهناك. إذ إن خالد الدخيل وتركي الحمد مقربان من الديوان الملكي، ويوصف “الحمد” في الإعلام المحلي بأنه “المتحدث الإعلامي باسم الأسرة الحاكمة”، أما عبد الرازق توفيق فهو رئيس تحرير صحيفة رسمية مصرية. وبالتالي من غير المتصور أن يخرج…