زيارة الرئيس الصيني إلي السعودية.. الدوافع والتداعيات
قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة إلى السعودية خلال الفترة 7-9 ديسمبر 2022، شارك خلالها في ثلاث قمم هي: القمة الصينية – السعودية، والقمة الصينية – الخليجية، والقمة الصينية – العربية الأولى، وقد شارك في هذه القمم إلي جانب الرئيس الصيني، قادة دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعمان)، وقادة -أو من ينوب عنهم- كل من تونس ومصر وموريتانيا والأردن وفلسطين واليمن والسودان والجزائر ولبنان والعراق[1]. ويكتسب انعقاد القمة العربية الصينية فى نسختها الأولى أهميته في هذا التوقيت لعدة أسباب؛ أولها، أنها تشكل ترفيعًا للعلاقات المؤسسية ما بين الدول العربية والصين منذ انطلاق المنتدى العربي الصيني في 2004، وهو الإطار المؤسسي الذي أسهم في تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الجانبين، وكان من ضمن توصيات المنتدى في نسخته التاسعة التي عُقدت في 2021، هي عقد قمة عربية صينية. وثانيها أنها بمثابة القمة الأولى ما بين العرب والصين، التي تعقد في المنطقة العربية، وتأتي تجسيدًا للشراكة الاستراتيجية العربية الصينية، فقد أصبحت الصين منذ عام 2020 الشريك التجاري الأول لمعظم الاقتصادات الكبرى، ويأتي ذلك بعد أن ارتفع نصيب الصين من الاقتصاد العالمي إلى 18,5 % عام 2021، وأصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأمريكية بناتج محلى إجمالي 17,7 تريليون دولار، كما بلغ احتياطي النقد الأجنبي 3.1 تريليون دولار وهو الأكبر في العالم. وثالثها أن انعقاد القمة يأتي عقب إعادة انتخاب الرئيس الصيني شي جين بينج في أكتوبر 2022 أمينًا عامًا للحزب الشيوعي، مما يرسخ موقعه كأقوى حاكم للصين منذ ماوتسي تونج، وانتخابه أيضًا رئيسًا للجنة العسكرية المركزية للحزب، بما يمهد الطريق لإعادة انتخابه لولاية ثالثة في مارس 2023[2]. ورابعها، حفاوة استقبال السعودية للرئيس الصيني وهي الحفاوة التي لم ينلها الرئيس الأميركي جو بايدن خلال زيارته إلى الرياض في يوليو 2022؛ إذ عُقِدت أيضًا قمة جمعته بقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست إضافة إلى مصر والأردن والعراق[3]. فقد شهدت زيارة الرئيس الصيني إلى الرياض ترحيبًا كبيرًا من المملكة العربية السعودية، واهتمامًا واسعًا، حيث استقبلت مقاتلات سلاح الجو الملكي السعودي طائرة الرئيس الضيف بألوان العلم الصيني. وخامسها، أن العالم العربي مجتمع لم يعقد لقاءات دولية قبل هذا التاريخ سوى عام 2019 الذي عُقدت فيه قمة عربية أوروبية جمعت الطرفين الأوروبي والعربي، وبالتالي يعد اجتماع العرب بالرئيس الصيني، هو اللقاء الثاني تاريخيًا، الذي جمع الأطراف العربية بطرف دولي قوي، وهو ما يعطى دلالة لأهمية القمة العربية الصينية، وما تكتسبه من زخم سياسي واقتصادي واستراتيجي[4]. وعليه سنحاول في هذه الورقة التعرف علي دوافع وسياقات تلك الزيارة، وما أسفرت عنه من نتائج علي مستوي توثيق العلاقات بين الصين والدول العربية، مع إبراز أهم التحديات التي قد تحول دون الارتقاء بهذه العلاقات إلي مستويات عالية. أولًا: سياقات زيارة الرئيس الصيني إلي السعودية ودوافعها: يمكن الإشارة إلي مجموعة من الدوافع التي تقف خلف رغبة الصين والدول العربية في توثيق العلاقات بينهما، لعل أهمها: 1- الدوافع السياسية: أ– التغيرات القائمة في النظام العالمي: يشهد الهيكل العام للنظام العالمي تطورات كبيرة أدت إلى تغيرات جوهرية فيه، لعل أهمها بروز مفهوم «التعددية القطبية» وهبوط مركز الولايات المتحدة العالمي، وظهور القوتين الصينية والروسية كحليفين رئيسيين لمواجهة هيمنة الغرب على النظام العالمي. ومن ثم فإن التغيرات المتسارعة في هيكلة النظام الدولي أدت إلى تفاعل الدول الخليجية معها، وحتمت عليها إيجاد موقع متوازن في علاقاتها مع جميع القوى الدولية، وعدم الاكتفاء بالحلفاء التقليديين (أمريكا)[5]. وفي هذا السياق، فهناك توجه عربي متزايد للمشاركة في المنظمات الدولية التي تقودها الصين. حيث تعد الإمارات والبحرين ومصر والكويت وقطر والسعودية شركاء حوار حاليين أو محتملين في “منظمة شنجهاي للتعاون”، وهي مجموعة سياسية واقتصادية وأمنية تتمحور حول الصين وتوصف أحياناً بأنها بديل لـ”حلف الناتو”، وتضم كلًّا من كازاخستان والهند وروسيا وقيرغيزستان وطاجيكستان وباكستان وأوزبكستان وإيران. كما تفيد تقارير بأن الرياض والقاهرة أعربتا عن اهتمامهما بالانضمام إلى منظمة “بريكس”، وهي منظمة سياسية تضم الدول ذوات الاقتصادات الصاعدة وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا[6]. ب– تدهور العلاقات الأمريكية- العربية عمومًا والخليجية خصوصًا: فقد أعربت الجهات الفاعلة في الخليج عن مخاوفها بشأن وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها تجاه المنطقة العربية والخليجية، خاصة بعدما أدى صعود إنتاج النفط الصخري والغاز في الولايات المتحدة إلى تصاعد الحديث عن تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة. كما شعرت دول الخليج بالقلق فعليًا منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في عام 2010 حيث رأوا في استجابة الولايات المتحدة دعمًا للثورات التي اعتبروها مزعزعة للاستقرار، كما رأت فيها تخليًا أميركيًا عن أبرز حلفائها في المنطقة (نظام الرئيس حسني مبارك في مصر). وتعززت هذه المخاوف مع توقيع الاتفاق النووي مع إيران في 2015 وتوجه “باراك أوباما” نحو آسيا وفشل “دونالد ترامب” في الرد بقوة على الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للنفط في السعودية، خصوصًا الهجمات على منشآت أرامكو في سبتمبر 2019 والتي أخرجت نصف الإنتاج النفطي السعودي من الخدمة، ما أثار شكوكًا متزايدة لدى الرياض حول مدى التزام واشنطن بأمنها[7]. ومؤخرًا، فقد أظهر موقف مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية بشأن الحرب في أوكرانيا شقاقاً كبيراً بين تلك الدول وحليفتها التقليدية الولايات المتحدة. وإذ رفضت الرياض الاستجابة لطلبات الرئيس جو بايدن بإدانة روسيا في تلك الحرب، فقد امتنعت أبو ظبي عن التصويت في مجلس الأمن لصالح قرار أمريكي-ألباني يدين الهجوم الروسي[8]. كما قررت السعودية، في أكتوبر الماضي، خفض حصص إنتاج “أوبك+” بمقدار مليونَي برميل يومياً، بدءاً من نوفمبر الحالي، وخفض إنتاجها الخاص بأكثر من 500 ألف برميل يوميًا، بالرغم من طلبات الولايات المتحدة زيادة الإنتاج. وقال السعوديون إنهم اتخذوا القرار بناءً على دوافع اقتصادية وليس سياسية في إشارة إلى اتهام واشنطن للرياض بدعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا[9]. وعلي خلفية هذا القرار السعودي، فقد أعتبرت الإدارة الأمريكية أن دول مجموعة “أوبك+” تحالفت بقرارها المعلن مع موسكو، في نقد صريح كان موجهاً للمملكة السعودية تحديداً، باعتبارها أكبر منتج في المجموعة. وليؤكد الرئيس الأمريكي جو بايدن إن بلاده “ستعيد تقييم” علاقاتها مع السعودية. وهو ما أكده أيضاً منسق الاتصالات الاستراتيجية لمجلس الأمن القومي جون كيربي في حديث للصحفيين بأنه “في ضوء التطورات الأخيرة، وقرار أوبك بلس بشأن إنتاج النفط، يعتقد الرئيس أنه يجب علينا مراجعة العلاقات الثنائية مع السعودية، لمعرفة ما إذا كانت هذه العلاقة هي المكان الذي يجب أن تكون فيه، وأنها تخدم مصالح أمننا القومي”[10]. ومن هنا، فإن السعودية ترغب في وجود حليف قوي (الصين) تؤكد من خلاله للولايات المتحدة أن الرياض لديها داعم قوي، وفي المقابل، فإن الصين تري في الموقف المستقل إلى حد ما الذي ابتكره حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي للرد على الصراع في أوكرانيا قد يدفع المزيد من شركاء…